طه حسين تلميذا وأستاذا (1)

لم يكن طه حسين تلميذاً خاضعاً لأحد، وهو يحدد أقدار الناس ومكانتهم بقدر ما يجد لديهم من علم نافع وأخلاق. فهو إن كان قد تجاوز محفظ القرآن في الكتَّاب الذي يسميه «سيدنا» في «الأيام»، وكذلك «المفتش» الذي وجد عنده ما يفيد صبياً في أول طريق العلم، فإنه ظل طوال حياته يتذكر محمد عبده وأحمد لطفي السيد وسيد المرصفي ومن جاءوا بعدهم من مصريين ومستشرقين في الجامعة المصرية، وأساتذة في السوربون.


وكان طه حسين يصف أحمد لطفي السيد بأنه كان له أباً وصديقاً وأستاذاً، لكن هذا لم يمنعه من مخالفته الرأي في قضية الفصحى والعامية. أما محمد عبده، الذي كان طه يجله، فقد انتقد بعض أفكاره، ورأى أن هناك من اجتهاده ما هو غير مواكب للعصر، وهنا يقول: «لباقته في إحداث التجديد تبدو مستخزية تعوزها الجسارة، وأن آراءه بشأن العلم والدين، لم تعد تتجاوب مع التقدم الذي أحرزته شعوب الشرق في طريقها إلى الحرية الكاملة.. ومحاولته تبرير حقائق العلم عن طريق تفسير آيات القرآن توقع الضرر بالجانبين، فهي تتناول نص الكتاب الكريم بعنف، وتعوق التقدم العلمي».


وانتقد طه طريقة محمد عبده في التوفيق بين النص الديني والعلم، ورأى أن هذا تم على حساب الأول، وهنا يقول في كتابه «من الشاطئ الآخر»: «أفلا يجدر بالأحرى أن نتقبل العلم والوحي كما هما، وأن نعترف لكل منهما بمجاله الخاص في حياة الإنسان؟ ذلك على الأقل ما تراه الأجيال الجديدة من المثقفين الذين لم يستمعوا إلى الشيخ محمد عبده، وإن كانوا قد استمعوا إلى أساتذة الغرب»، ومن ثم كان حريصاً على أن يميز بين الدين والعلم.


ولم يكن نبوغ طه لافتاً لأساتذته من المصريين فقط، بل إن المستشرقين أيضاً لاحظوا أنه مختلف عن أقرانه. فها هو ماسينيون يقول في تقرير له: «ومما سرني أني وجدت بين طلابنا عقلاً من المرتبة الأولى، كفيفاً صاحب بصيرة ثاقبة، هو الشيخ طه حسين».


كما عاد ماسينيون إلى تأكيد نبوغ الطالب وهو يعلق على أداء الطلاب في الامتحان النهائي. فقد لاحظ أن الطلاب الممتحنين عموماً قد حفظوا مذكراتهم عن ظهر قلب، وأن ضعفهم البالغ ظهر بصدد الأسئلة التي توجه حول مبادئ العلوم الجديدة، بينما كانوا شديدي الدقة في الإجابة عن المسائل التي عرضت عرضاً وافياً في التعليم العربي القديم. إلا أن الأستاذ الفرنسي يستدرك فيستثني طه من ذلك التعميم، فيقول: «إلا أن طالباً بلا نظير هو الشيخ طه حسين قدم عن السؤال العاشر شرحاً بلغ فيه غاية الدقة في التعبير لمناقضات العقل المجرد وفقاً لكانط».


أما طه حسين الأستاذ، فبعد عشرين سنة من وفاته يستعيد جابر عصفور ما كان يدور من حديث بين تلاميذه وهم يسيرون خلف جنازته الخارجة من جامعة القاهرة، ويقول: «مرة يغدو أشبه بالأب الذي ينجب أبناء مختلفين في الاتجاهات والنزعات، لكنهم يبدأون منه في اختلافهم ويعودون إليه، دون أن ينكروه أو ينكرهم.. مرة ثانية يغدو أشبه بالنيل الذي تعبر الجنازة فوق أحد جسوره، ينهل منه الجميع دون أن يردهم، وينتسب إليه الجميع لأنه ساعدهم على الوجود، ومرة ثالثة يغدو أشبه بالعمل الأدبي المعجز، دائماً حمَّال أوجه، ودائماً يقبل التفسير المتجدد والمتعدد».