أشرف غريب يكتب: القاهرة الخديوية مركز إشعاع ثقافي
أشرف غريب يكتب: القاهرة الخديوية مركز إشعاع ثقافي
كنت الأسبوع الماضي قد بدأت الحديث عن القاهرة الخديوية، على خلفية المحاضرة التي ألقيتها ضمن فعاليات ملتقى قمة القاهرة للفنون، في الفترة من التاسع وحتى الحادي عشر من هذا الشهر، وكنت قد تطرقت إلى دور مقاهي وسط البلد كملتقى ثقافي، أو كنقطة انطلاق لكثير من الأحداث الكبرى التي شهدتها مصر طوال القرن العشرين، وعلى هامش المحاضرة التي أدارها الفنان أدهم حافظ منسق الملتقى ورئيسه، سألتني باحثة أردنية مهتمة بعلاقة العمران بالثقافة، عن دور الكيانات الثقافية في خلق تنمية مستدامة، على ضوء ما حدث في القاهرة الخديوية فيما يتعلق بالزحف العمراني؟ فأحلتها أولاً إلى ما كنت قد ذكرته سابقاً من أن الضلع الأهم الذي قامت عليه القاهرة الخديوية كان يتمثل في دار الأوبرا القديمة ومسرح حديقة الأزبكية والصالات والمقاهي التي كانت منتشرة على طول الحديقة القديمة، وأن كل الشوارع الطولية والعرضية قد انبثقت من هذه القاعدة الثقافية وصولاً إلى قصر الحكم في عابدين، بنهاية شارع الجمهورية بمسماه الحالي دون أن نغفل بطبيعة الحال الأنشطة الاقتصادية ومراكز النظارات (الوزارات حالياً) والهيئات الحكومية التي أنشأها الخديو إسماعيل تباعاً، بعد أن بنى هذه القطعة التي بدت كما لو كان قد اقتطعها حقاً من قلب أوروبا.
وإذا كان من المتعارف عليه أن النطاق الجغرافي للقاهرة الخديوية يمتد من العتبة الخضراء وحتى ميدان الإسماعيلية أو التحرير حالياً، فإن مقاهي هذا المنطقة كانت البذرة التي قامت عليها دور المسرح والسينما في قاهرة وسط البلد، فكانت نقطة جذب أساسية للعمران الذي شهدته القاهرة بعيداً عن الحدود القديمة للقاهرة الفاطمية، فقد بدأت منيرة المهدية مسيرتها الغنائية من مقهى محمد فرج عام 1905، قبل أن تؤسس مقهاها «نزهة النفوس» بمنطقة الأزبكية، ويقال إنه كان بالمكان الذي يشغله حالياً جراج العتبة، ويقال أيضاً إنه كان بشارع نجيب الريحاني الحالي قرب كلوت بيه، والشيخ سلامة حجازي أيضاً بدأ مشواره الفني من مقهى كان يقام على أرض يملكها شريف باشا رئيس وزراء مصر الأسبق في أول شارع عبدالعزيز، ثم ما لبث المقهى أن تحول إلى مسرح يعرض عليه الشيخ سلامة حجازي وفرقة إسكندر فرح، قبل أن يتحول منذ عام 1911 إلى سينما أولمبيا، التي لا تزال أطلالها قائمة في أول هذا الشارع التجاري، بعد أن تحولت إلى مخزن للأجهزة الكهربائية، وكان أبوخليل القباني يقدم عروضه المسرحية في مقهى العتبة الخضراء أو مسرح سوق الخضار كما كان يطلق عليه في حينه، وكذلك مقهى ألدرادو بالقرب من وش البركة في شارع كلوت بيه الذي تحول إلى مسرح غنائي، وأيضاً مقهى ألف ليلة وليلة في أول شارع فاروق، الجيش حالياً، الذي تحول إلى ملهى ثم أصبح سنة 1932 سينما رمسيس، وهي أول سينما في مصر لا تفرق طبقياً بين الجمهور، وفي مقهى أو مطعم «سانتي» بالأزبكية (يلاحظ حتى ذلك الوقت الخلط بين المقهى والمطعم والكازينو) تم عرض أول شرائط سينمائية في القاهرة في نوفمبر 1896.
وعلى مقهى «إبيه دي روز» بدأ نجيب الريحاني وستيفان روستي نشاطهما المسرحي، وكذلك كانت بداية علي الكسار حين اشترك مع ممثل مغمور اسمه مصطفى أمين في تقديم عروضهما، وهكذا مع تحول كثير من المقاهي إلى صالات سينما أو مسرح انتشرت دور العرض العريقة منذ بداية الثلاثينات، مثل ديانا وفؤاد والكوزمو وستوديو مصر وريفولي وميامي وراديو، حتى عرفت مصر في عام 1940 أول سينما ضخمة مكيفة الهواء وهي سينما مترو، التي أنشأتها شركة مترو جولدن ماير العالمية، وأذكر أن مجلة الصباح أوردت في عددها الصادر بتاريخ الثاني عشر من فبراير 1934 إحصائية تقول إن عدد دور السينما بالعالم بلغ 250 ألف صالة عرض، منها 22600 في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، وأن مصر بها 70 دار عرض، منها 25 في وسط القاهرة أو القاهرة الخديوية و7 في ضواحيها، وهذا دليل على انتشار دور السينما أحد الأنشطة البشرية الكبرى والمهمة في هذه المنطقة.
ليس هذا فقط بل إن شارعاً مثل عماد الدين كان حتى بدايات القرن العشرين عبارة عن مزارع وحدائق وقصور للأعيان، فإذا ما زحفت إليه ملاهي ومسارح منطقة العتبة والأزبكية زحف معها العمران وأقبل الناس على ارتياده، من هذه المسارح مسرح «إيجبسيان»، الذي أسسه نجيب الريحاني سنة 1917، ومكانه حالياً سينما ليدو، ومسرح «ماجستيك» لصاحبه علي الكسار، الذي افتتح عروضه عام 1919 ومكانه حالياً سينما بيجال، وهما المسرحان اللذان شهدا سجالاً فنياً حامياً بين الفرقتين، ساهما في علو شأن شارع عماد الدين كأحد أهم الشوارع الفنية، ليس فقط في منطقة القاهرة الخديوية، وإنما في مصر كلها، ثم أتبعهما يوسف وهبي بافتتاح مسرح رمسيس سنة 1923 بشارع عماد الدين أيضاً، ثم كازينو بديعة منذ عام 1926 الذي تخرج فيه نجوم التمثيل والغناء والرقص في القرن العشرين، أمثال تحية كاريوكا وسامية جمال وحورية محمد وحكمت فهمي وإسماعيل ياسين وثريا حلمي ومحمود شكوكو ومحمد فوزي وإبراهيم حمودة وبشارة واكيم وأبوالسعود الإبياري ومحمود الشريف وغيرهم.
وحول مراكز الإشعاع الثقافية هذه تمركزت بيوت ومساكن كبار فنانينا، وإذا قادتك قدماك إلى شوارع وحارات القاهرة الخديوية ستجد كثيراً من اللافتات التي تحمل عبارة «عاش هنا»، وهو المشروع المهم الذي يقف وراءه جهاز التنسيق الحضاري، من أجل توثيق الأماكن التي عاش فيها مشاهير مصر وفي القلب منهم كبار مبدعينا.