تحولات في موازين «القوة الناعمة».. الصين تتفوق على أمريكا لأول مرة

كتب: محمود العيسوي

تحولات في موازين «القوة الناعمة».. الصين تتفوق على أمريكا لأول مرة

تحولات في موازين «القوة الناعمة».. الصين تتفوق على أمريكا لأول مرة

فى مؤشر جديد على التحولات المتسارعة فى النظام الدولى، كشفت نتائج استطلاع للرأى، أجراه مركز «بيو» للأبحاث، عن تغير غير مسبوق فى اتجاهات الرأى العام العالمى تجاه القوتين الأكبر فى العالم، إذ أصبحت الصين تحظى بصورة أكثر إيجابية من الولايات المتحدة فى غالبية الدول التى شملها الاستطلاع، للمرة الأولى منذ بدء إجراء هذه الدراسة قبل نحو عقدين.

ويرى خبراء أن هذه النتائج لا تعكس فقط صعود النفوذ الصينى، وإنما تشير أيضاً إلى تراجع واضح فى القوة الناعمة الأمريكية، فى ظل السياسات الخارجية التى تنتهجها إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، والتى أثارت انتقادات واسعة فى العديد من دول العالم، سواء بسبب الحروب، أو الإجراءات الاقتصادية، أو تقليص المساعدات الخارجية.

«نيويورك تايمز» عن مركز «بيو» للأبحاث: سياسات بكين الأكثر قبولاً لدى الرأى العام فى 25 دولة.. وواشنطن تحتفظ بالأفضلية فى 6 دول فقط

ووفق تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز»، فقد أجرى مركز «بيو» استطلاعه بين الثامن من فبراير و13 مايو الماضيين، وشمل 42 ألفاً و151 شخصاً فى 36 دولة موزعة على ست قارات، ليقدم واحدة من أكثر الصور شمولاً لاتجاهات الرأى العام العالمى، بشأن المنافسة المتصاعدة بين واشنطن وبكين. تشير نتائج الاستطلاع إلى أن الصين أصبحت الدولة الأكثر قبولاً لدى الرأى العام فى 25 دولة، من أصل 36 دولة شملها المسح، بينما احتفظت الولايات المتحدة بالأفضلية فى ست دول فقط، أبرزها اليابان والهند وكوريا الجنوبية والفلبين، إضافة إلى دولتين أخريين ترتبطان بعلاقات وثيقة مع واشنطن.

وتصف الصحيفة الأمريكية هذه النتيجة بأنها نقطة تحول تاريخية فى استطلاعات «بيو»، إذ لم يسبق أن تفوقت الصين على الولايات المتحدة فى غالبية الدول منذ انطلاق هذه الدراسة قبل نحو عشرين عاماً، وترى الصحيفة أن هذا التحول يعكس تغيراً تدريجياً فى نظرة العالم إلى موازين النفوذ الدولى، فى وقت تتنافس فيه بكين وواشنطن على قيادة النظام العالمى، سياسياً واقتصادياً وتكنولوجياً.

ويعزو التقرير جانباً كبيراً من التحسن فى صورة الصين إلى استراتيجية طويلة الأمد، اعتمدتها بكين لتعزيز حضورها الدولى، عبر أدوات القوة الناعمة، من خلال الاستثمار فى البنية التحتية، وتوسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل الثقافى، وتقديم حوافز تجارية للدول النامية.

وأشار مركز «بيو» إلى أن توثيق العلاقات الاقتصادية والأمنية مع دول مثل البرازيل وبيرو، إلى جانب سياسة الإعفاء من الرسوم الجمركية لعدد من الدول الأفريقية، أسهم بصورة مباشرة فى تحسين الانطباع العالمى عن الصين. كما نجحت بكين، وفق التقرير، فى تقديم نفسها باعتبارها شريكاً اقتصادياً يعتمد عليه، خاصة فى أفريقيا وأمريكا اللاتينية، حيث تزايدت الاستثمارات الصينية فى مجالات الطاقة والبنية الأساسية والنقل والتكنولوجيا.

لكن التقرير يشير بوضوح إلى أن تقدم الصين لا يرجع فقط إلى نجاحاتها، بل يرتبط أيضاً بتراجع ملحوظ فى صورة الولايات المتحدة. ويؤكد الباحثون أن سياسات إدارة ترامب، وعلى رأسها فرض رسوم جمركية واسعة على شركاء تجاريين، وتقليص برامج المساعدات الخارجية، واعتماد خطاب يقوم على مبدأ «أمريكا أولاً»، أسهمت فى تآكل الثقة الدولية فى واشنطن.

وقالت سوزانا باتون، الباحثة فى معهد «لوى» الأسترالى، إن نتائج الاستطلاع «تؤكد الانهيار الكبير فى القوة الناعمة الأمريكية، نتيجة الاعتماد بصورة متزايدة على الضغوط الاقتصادية، واستعراض القوة العسكرية».

وتكشف بيانات الاستطلاع عن انخفاض متوسط النظرة الإيجابية للولايات المتحدة من 48% فى استطلاع العام الماضى، إلى 36% فقط هذا العام، فى حين ارتفع متوسط النظرة الإيجابية للصين من 38% إلى 46%.

ومن أكثر النتائج إثارة للانتباه، تراجع صورة الولايات المتحدة حتى داخل عدد من أقرب حلفائها، ففى كندا، انخفضت نسبة من ينظرون بإيجابية إلى الولايات المتحدة من 57% عام 2023، إلى 33% فقط فى الاستطلاع الحالى، بينما ارتفعت النظرة الإيجابية للصين من 14% إلى 44%.

ولم يكن هذا الاتجاه مقصوراً على كندا، بل تكرر بدرجات متفاوتة فى فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وعدد من الدول الأوروبية الأخرى، وهو ما يعكس تغيراً تدريجياً فى المزاج العام داخل المعسكر الغربى نفسه. أما المكسيك، الجارة الجنوبية للولايات المتحدة، فقد أظهرت نتائج الاستطلاع أن مواطنيها باتوا ينظرون إلى الصين بصورة أكثر إيجابية من الولايات المتحدة، فى تحول يحمل دلالات سياسية واقتصادية مهمة.

ولم تقتصر المقارنات على صورة الدول، بل امتدت إلى صورة القادة، فقد أظهر الاستطلاع أن غالبية المشاركين فى الدول التى يشملها المسح، يثقون فى الرئيس الصينى شى جين بينج، أكثر من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، ورغم ذلك، يؤكد التقرير أن مستويات الثقة فى الزعيمين ما زالت منخفضة بصورة عامة، إذ أبدى عدد كبير من المشاركين عدم ثقتهم فى أى منهما.

ويرى تشين هاو هوانج، أستاذ العلوم السياسية بجامعة سنغافورة الوطنية، أن نتائج الاستطلاع تمثل «تقريراً عن أداء السياسة الخارجية الأمريكية، أكثر مما تمثل استفتاءً على مستقبل الصين»، محذراً من المبالغة فى تفسيرها باعتبارها تحولاً دائماً فى الرأى العام العالمى.

ويربط التقرير بين تراجع صورة الولايات المتحدة وتصاعد الانتقادات العالمية لدورها فى النزاعات العسكرية، حيث أظهر استطلاع سابق لمركز «بيو»، أن 74% من المشاركين لا يوافقون على طريقة تعامل إدارة ترامب مع الحرب ضد إيران، بينما رفض 76% أسلوبها فى إدارة الحرب فى غزة.

وتقول الباحثة لورا سيلفر، المشاركة فى إعداد الدراسة، إن اندلاع الحرب عزز الانطباع لدى كثيرين بأن الولايات المتحدة لم تعد تمثل عامل استقرار فى النظام الدولى، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على تراجع الثقة فى القيادة الأمريكية.

ولم تتوقف تداعيات التوترات عند حدود السياسة، بل امتدت إلى الاقتصاد العالمى، فقد أدى اضطراب الملاحة فى مضيق «هرمز» إلى تعطيل جزء مهم من حركة تجارة النفط العالمية، الأمر الذى تسبب فى ارتفاع أسعار الطاقة وعدد كبير من السلع الأساسية. وفى ضوء ذلك، توقع صندوق النقد الدولى ارتفاع معدل التضخم العالمى إلى 4.7% خلال عام 2026، مقارنة بـ4.1% فى 2025، نتيجة زيادة أسعار الطاقة والمعادن والأسمدة والمواد الغذائية.

وتكشف نتائج الاستطلاع عن تحول آخر يتمثل فى أن عدداً متزايداً من المشاركين يرى الصين شريكاً أكثر موثوقية وقدرة على دعم السلام والاستقرار الدوليين، وفى الدول متوسطة الدخل، قال ثلاثة أرباع المشاركين تقريباً، إن الولايات المتحدة تتدخل فى الشئون الداخلية للدول الأخرى، بينما رأى أقل من نصف المشاركين أن الصين تقوم بالأمر نفسه. ويرى محللون أن هذه النتيجة تعكس نجاح بكين فى تقديم نفسها باعتبارها شريكاً اقتصادياً وتنموياً أكثر من كونها قوة تسعى إلى فرض أجندات سياسية.

ورغم التراجع العام، لا تزال الولايات المتحدة تتفوق على الصين فى مؤشر احترام الحريات الشخصية، إلا أن هذه الأفضلية تتآكل بصورة متسارعة، ففى السويد، انخفضت نسبة من يرون أن الولايات المتحدة تحترم الحريات الفردية من 61% إلى 27% فقط منذ عام 2021، بينما سجلت كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا وكوريا الجنوبية تراجعات مماثلة.

ويخلص التقرير إلى أن المنافسة بين الصين والولايات المتحدة لم تعد تقتصر على الاقتصاد أو التكنولوجيا أو القوة العسكرية، بل أصبحت معركة مفتوحة على كسب ثقة الشعوب والرأى العام العالمى، وهى معركة قد تحدد ملامح النظام الدولى خلال السنوات المقبلة، أكثر مما تحدده موازين القوة التقليدية.


مواضيع متعلقة