تنميط حرب إيران
في الحروب، لا تكشف الصواريخ الحقيقة دائماً، بل تكشفها الأهداف التي يتجنبها المتحاربون، ولهذا، فإن فهم ما يجري في الشرق الأوسط يبدأ بالإجابة عن سؤالين لم يحظيا بما يستحقانه من اهتمام.
السؤال الأول: إذا كان بنيامين نتنياهو هو الأكثر لهفة لعودة الحرب، فلماذا لم تندفع إسرائيل -حتى الآن- إلى توجيه ضربات مباشرة على إيران؟
والسؤال الثاني: إذا كانت طهران تؤكد أن معركتها مع الولايات المتحدة، فلماذا لم تستهدف المصالح والقواعد الأمريكية في إسرائيل، بينما وجهت ضرباتها إلى دول الخليج، وإلى الأردن، تحت عنوان استهداف المصالح الأمريكية؟
الإجابة في تقديري، هي أن الجميع يتحرك داخل قواعد اشتباك جديدة. فما نشهده لم يرتقِ بعد إلى حرب شاملة، بل يمثل نمطاً مختلفاً من الصراع؛ تصعيداً محسوباً تتسع دائرته تدريجياً، دون أن يتجاوز الخطوط التي قد تدفع المنطقة إلى مواجهة مفتوحة، ولهذا تبدو فكرة «تنميط الحرب» هي الأكثر قدرة على تفسير المشهد. ولا يقصد بالتنميط هنا تجميد الصراع، بل تحويله إلى حالة مستمرة من الاشتباك المحدود، تتكرر فيها الضربات والردود، وتتراكم الضغوط السياسية والاقتصادية، بينما يظل قرار الحرب الشاملة مؤجلاً.
فالولايات المتحدة ترفع مستوى الضغط العسكري، لكنها تُبقي باب التفاوض مفتوحاً. وإيران ترد، لكنها تتجنب الضربة التي تدفع واشنطن إلى معركة لا تريدها. أما إسرائيل، فتبدو حريصة على أن تتحمل الولايات المتحدة العبء الرئيسي للمواجهة، بينما تواصل هي رفع جاهزيتها وانتظار اللحظة التي قد تتغير فيها قواعد الاشتباك.
ولو كانت الحرب قد خرجت بالفعل عن السيطرة، لما بقي هذان السؤالان مطروحين، فإسرائيل تمتلك القدرة على توجيه ضربات مباشرة إلى الداخل الإيراني، وإيران تمتلك بدورها بنكاً للأهداف داخل إسرائيل، في مقدمتها القواعد الجوية ومنشآت الدعم اللوجيستي. ومع ذلك، يتجنب الطرفان حتى الآن استهداف هذه الأهداف الحساسة، وهذا مؤشر على أن القرار السياسي لا يزال يفرض إيقاعه على القرار العسكري، وأن جميع الأطراف تدرك أن الانتقال إلى الحرب الشاملة ستكون كلفته أعلى كثيراً من أي مكسب محتمل.
والسؤال لم يعد: هل عادت الحرب؟، لأنها عادت بالفعل، نحن أمام حرب هدفها تحسين شروط التفاوض أكثر من تحقيق نصر عسكري. ولذلك يبدو الحديث عن الحسم أقرب إلى الوهم، فلا الولايات المتحدة قادرة على إنهاء الصراع بعمل عسكري، ولا إيران تملك فرض معادلة انتصار حاسم، ولا إسرائيل مستعدة لتحمل كلفة حرب إقليمية طويلة، إن الجميع يدير الصراع، ولا يسعى إلى حسمه، ولأن الحسم العسكري مستبعد، فإن جوهر الصراع ينتقل من الميدان إلى الملفات التي يدور حولها التفاوض، وتتجه الأنظار إلى ملفين رئيسيين:
الأول هو مضيق هرمز، الذي لا تنظر إليه إيران باعتباره مجرد ممر ملاحي، بل ورقة سيادية واستراتيجية تريد تثبيت دورها فيها ضمن أي تفاهم مستقبلي، بينما تعتبره الولايات المتحدة خطاً أحمر لا يقبل المساومة.
أما الملف الثاني فهو لبنان، حيث تبدو واشنطن أكثر إصراراً على تقليص النفوذ الإيراني وإعادة صياغة التوازنات الأمنية والسياسية فيه. ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الأمريكي المتزايد بهذا الملف، باعتباره جزءاً من معركة التفاوض غير المباشر مع طهران، وليس مجرد تطور منفصل.
والمؤشر الحقيقي للمرحلة المقبلة لن يكون عدد وتيرة الضربات العسكرية، ولا نوعية الصواريخ، ولا حجم الخسائر العسكرية، بل سيكون قدرة الإدارة الأمريكية على تحمل الضغوط التي ستتولد عن استمرار الحرب.
فإذا نجحت إيران في إبقاء التهديد قائماً في مضيق هرمز، فسيرفع اضطراب الملاحة تكاليف الشحن والتأمين، ويضغط على أسواق الطاقة، ويدفع أسعار النفط إلى مستويات تؤثر في الاقتصاد العالمي، وعندها ستجد واشنطن نفسها أمام معركة تضخم، وأسعار طاقة، وضغوط اقتصادية، وحسابات سياسية داخلية، وهنا ستنعكس خصوصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تغلب على قراراته حسابات رجل الأعمال أكثر من حسابات القائد العسكري. فإذا وجد أن كلفة التصعيد أصبحت أعلى من عائداته السياسية، وأن الاقتصاد الأمريكي بدأ يدفع الثمن، فمن المرجح أن يتراجع خطوة إلى الخلف، ويعيد إحياء مسار التفاوض، حتى وإن استمر في استخدام لغة القوة والضغط العسكري.
ويبدو أن الرهان الإيراني يقوم على بقاء الحرب بهذا الإيقاع، وإطالة أمد المواجهة، وتحويلها إلى حرب نمطية تستنزف الولايات المتحدة تدريجياً، وتجبرها على العودة إلى طاولة التفاوض بشروط مختلفة.
بينما تراهن واشنطن على أن استمرار الضغط العسكري والاقتصادي سيدفع طهران إلى تقديم تنازلات في الملفات الخلافية، وفي مقدمتها البرنامج النووي، وأمن الملاحة في هرمز، ومستقبل نفوذها الإقليمي.
وبين هذين الرهانين، تبدو إسرائيل الأكثر انتظاراً. تريد الحرب، لكنها لا تريد أن تخوضها وحدها. وتريد توسيعها، لكنها تدرك أن قرار الحرب الكبرى لا يصنع في تل أبيب فقط.
وختاماً، فإن أخطر ما يواجه المنطقة اليوم ليس اندلاع حرب شاملة، وإنما تراضي الأطراف على تنميط الحرب؛ أي تحويلها إلى حالة دائمة من الاشتباك المحدود، لا تنتهي، ولا تُحسم، وتُدار وفق قواعد تتبدل، لكنها لا تسمح بالسلام، ولا تقود إلى نصر حاسم. فتصبح المنطقة كلها رهينة الاستنزاف.