يسرا سلامة: تاريخ الاقتصاد يكشف ما تخفيه سرديات السياسة عن مصر الحديثة
يسرا سلامة: تاريخ الاقتصاد يكشف ما تخفيه سرديات السياسة عن مصر الحديثة
تتعامل الدكتورة يسرا محمد سلامة مع التاريخ بوصفه شبكة واسعة من المصالح الاقتصادية والصور والوثائق التى صنعت مصير الدول ورسمت خرائط النفوذ، تنقب فى الأرشيف، وتستنطق السلع، وتعيد قراءة الصورة الفوتوغرافية، فتتحول حبة القمح وشجرة القطن وعدسة المصور إلى مفاتيح تكشف ما أخفته الروايات التقليدية عن تاريخ مصر الحديث، وتفتح أبواباً جديدة لفهم العلاقة المعقدة بين الاقتصاد والسياسة والاستعمار.
فى هذا الحوار تكشف الباحثة والمؤرخة المصرية، عضو اتحاد المؤرخين العرب، فلسفتها فى إعادة كتابة التاريخ من خلال الوثيقة الاقتصادية والأرشيف البصرى، وتفسر كيف صنعت السلع الاستراتيجية موازين القوة، وكيف أسهمت الصور الأجنبية فى تشكيل الوعى الغربى بمصر.
■ تنتقلين من قراءة تاريخ مصر السياسى إلى قراءة تاريخها عبر السلع، ما الذى دفعكِ لهذا الاختيار؟
للتاريخ الاقتصادى أهمية كبرى فى دراسة تاريخ مصر الحديث، فمن خلاله نستطيع استنباط الحراك السياسى الذى حدث فى تلك الحِقبة التاريخية على كل الأصعدة، خاصةً فى عهد محمد على تحديداً؛ لأنّه وفى رأيى قرار إنجلترا احتلال مصر عام 1882م بدأ فى عهده، بالنسبة لهذه السلع الثلاث، القمح: فى بداية توليه الحكم 1807م حدثت فى أوروبا مجاعة شديدة استطاع استغلالها اقتصادياً بشكلٍ ممتاز حينما أمدّ إنجلترا وإسبانيا وإيطاليا بما تحتاجه من الغلال، وقد ربح ربحاً وفيراً من تلك الأزمة؛ لدرجة جعلته يتجاهل قليلاً طلب السلطان العثمانى بإمداده بالقمح اللازم، وقد كان يتأخر كثيراً فى تزويد السفن العثمانية بما يلزمها من تلك الغلال؛ لأنّ مكسبه الأكبر كان مع أوروبا.
ونأتى للقطن، قطن جوميل طويل التيلة، الذى لاقى بيعه رواجاً غير عادى فى بورصة القطن بليفربول عندما أرسل محمد على عينات منه عام 1822م؛ لاستكشاف مدى جودته، ومن وقتها أدركت إنجلترا أنّ هذا القطن هو الأنسب لمصانعها فى لانكشاير، وقد كان بمثابة العمود الفقرى لقوة محمد على الاقتصادية.
محمد علي أدار مصر بعقلية التاجر.. والقمح والقطن صنعا مفاتيح القوة فى مشروعه
■ تناقشين فى كتاب «رحلة القطن من الحقول المصرية إلى المنازل الأمريكية» كيف حول نظام الاحتكار الاقتصاد المصرى من اقتصاد متعدد الزراعة إلى اقتصاد أحادى يعتمد على القطن..
- أدار محمد على مصر بعقلية التاجر -فقد كان تاجر دخان فيما سبق- لذا كان همه الوحيد أنْ ينعش خزانته دائماً بأرباح السلع التى يعلم أنها ستُدر عليه دخلاً وفيراً، وبالتأكيد كان القطن على رأس هذه السلع، كما أنه استفاد منه فى صناعة المنسوجات؛ فقد كان القطن متعدد الرُتب، الأولى منه كانت للتصدير، والباقى (الثانية والثالثة) كان يذهب لصناعة النسيج، وقد شدد «محمد على» على عدم الغش وخلط الأصناف الرديئة بالجيدة، وقد كان عقاب من يفعل ذلك النفى إلى جبل فازوغلى بالسودان، لذا كانت للقطن أهمية ومكانة خاصة لدى محمد على وكان أساس قوته الاقتصادية التى أرادت إنجلترا وأدها فيما بعد.
■ كيف يختلف تفسيركِ لـ«معاهدة بلطة ليمان» عن التفسيرات السياسية التقليدية؟
معاهدة بلطة ليمان أبرمتها بريطانيا فى الأساس مع الدولة العثمانية لسبب وحيد لم يكن ظاهراً أنه السبب الأوحد؛ لكنه بالفعل كذلك، وهو إلغاء الاحتكار فى كافة الأقاليم العثمانية، وطبعاً المقصود بهذا البند مصر لا غيرها من الأقاليم العثمانية، ورغم أنّ السبب قد يبدو سياسياً -لتعاطف بريطانيا مع الدولة العثمانية إزاء حروب محمد على تجاهها- إلا أنّ بريطانيا خشيت من وصول محمد على إلى كرسى السلطنة فى الأستانة وهو ما كان سيحدث إنْ عاجلاً أو آجلاً، الأمر الذى رفضته تماماً، لذا رأت أنّ قوة محمد على الاقتصادية تكمن فى نظام الاحتكار الذى اتبعه منذ عام 1813م، وهى القوة التى ساعدته على بناء جيشه فعملت على استئصالها من جذورها.

■ تستخدمين مواد بصرية «فوتوغرافات» كمصادر أولية، وهو أمر غير تقليدى فى الكتابة التاريخية العربية.. ما المعايير التى وضعتِها لتحليل الصورة كوثيقة؟
استخدام منهجية الكتابة التاريخية من خلال الصورة الفوتوغرافية أمر دقيق جداً ولم يحدث من قبل فى مجال الدراسات النقدية للصورة الفوتوغرافية، فالصورة من الممكن أنْ تُعد وثيقة أولية دون الحاجة إلى توثيق مرجعى، أو بإمكاننا اعتبار التوثيق المرجعى هو الجزء المكمل لاستخراج النص التاريخى من الصورة الفوتوغرافية نفسها، فالصورة بإمكانها أنْ تُخبرنا ما تعجز عن إخبارنا به المراجع والمصادر المختلفة، علينا فقط تحليل الصورة بعدة طرق منهجية للحصول على غايتنا من استخراج النص التاريخى منها، منها التحليل البصرى، والقراءة السيميائية، والمقارنة النقدية.
الصورة الفوتوغرافية وثيقة تاريخية تحتاج إلى قراءة نقدية دقيقة وعدسة المصور الأجنبى نقلت رؤية تخدم المصالح الاستعمارية
■ الكتاب يركز على القرن التاسع عشر، وهو قرن التحولات الكبرى فى مصر.. كيف تؤرشف الصور الفوتوغرافية تحولات مثل بناء القناطر، أو افتتاح قناة السويس، أو إخماد الثورة العرابية، بشكل يختلف عن النص المكتوب؟
- أغلب الأحداث الكبرى خضعت بالتأكيد للنظرة الاستعمارية الاستشراقية التى أرادت إيصال صورة معينة أو وجهة نظر محددة مفادها أنّ الأمور بخير ولا توجد أى مشكلة كبرى مثلما يسعى البعض للحديث عن ذلك، فعلى سبيل المثال وكما ذكرت فى السابق عند حديثى عن أعمال حفر القناة، فلم يوافق ديليسبس على تصوير أعمال الحفر فى وجود السخرة؛ أى منذ بدايات الحفر عام 1859م، بل إنه سعى للتصوير بعد جلبه من الخارج الآلات والماكينات العملاقة التى ساعدت على الحفر، وبذلك استغنى عن غالبية العمال الذين كان يحتاج إليهم أثناء سنوات الحفر الأولى 1859-1864م.
ديليسبس رفض تصوير حفر قناة السويس بسبب أعمال السخرة.. والتوثيق بدأ بعد عمل الآلات والماكينات
■ لو قُدّر لكِ عمل طبعة ثانية من الكتاب.. هل ستضمين صوراً التقطها مصريون أنفسهم فى القرن التاسع عشر «إن وُجدت»؟ وما الذى ستضيفه نظرة المصور المصرى مقارنة بالأجنبى؟
- من خلال اطلاعى على الأرشيف الخاص بالقرن العشرين للمصورين المصريين، وهو أرشيف زاخر بمجموعة من الصور المتميزة، التى لها هذه النظرة الوطنية الخالصة، يمكن القول إنه لو قُدر لنا الوصول لصور صورها مصريون لحفر القناة أو ضرب الإسكندرية ودخول الإنجليز مصر 1882م، ومن قبلهم أحداث الثورة العرابية، لكنا قد تمكنّا من الوصول إلى صور مختلفة جد الاختلاف عن التى قدمها لنا هؤلاء الأجانب، فعدسة ابن بلدك لن تُخطئ أبداً فى كشف الحقيقة التى يتجاهلها عن عمد المصور الأجنبى، رغم رؤيته لها رأى العين.
■ فى «رحلة القطن»، تتبعين مسار السلعة من الحقل إلى المنزل الأمريكى.. لماذا اخترتِ الوجهة النهائية «المنازل الأمريكية» بدلاً من المصانع البريطانية؟
العلاقات المصرية الأمريكية بدأت بالفعل فى عهد محمد على باشا بعد إنشاء القنصلية الأمريكية فى مصر عام 1835م، فقد رغبت الولايات المتحدة وبشدة فى فتح قنوات اتصال مع باشا مصر ليس من أجل القطن المصرى، فقد كان لجودة قطنهم «سى آيلاند» ومكانته الشىء الكثير على الصعيد الدولى، أمّا الذى جعلهم يلتفتون لمصر على الرغم من بُعد المسافة بين البلدين «بن المُخا» الذى كان يحتكر تجارته محمد على بحكم احتلاله لليمن، ومع مرور الوقت تحول الاهتمام الأمريكى للقطن المصرى، بعد اكتشافهم مدى ملاءمته للتربة هناك وكذلك لمصانع الغزل لديهم، خاصةً إذا تم خلطه بقطن سى آيلاند، ولقد حاولت بريطانيا أنْ يكون لها اليد الطولى فى الحصول على هذا القطن؛ نظراً لاحتياج مصانعها -كما ذكرنا من قبل- له.
القطن المصري والحرب الأمريكية
عندما احتلت بريطانيا مصر عام 1882م عمدت إلى تركيز اقتصادها على محصول واحد فقط وهو القطن؛ لأنّ هذا يخدم مصالحها الاستعمارية، لكن استفادت الولايات المتحدة من هذا الأمر كذلك بعد أنْ تمكن قناصلها من إرسال عينات لبذور القطن المصرى لمعرفة مدى ملاءمة زراعتها فى التربة الأمريكية، وقد نجحت أغلب هذه التجارب وكان نجاحاً لافتاً، واستمر إلى أنْ دخل فى صناعة الغزل والنسيج الأمريكية، حتى إنه دخل فى صناعة إطارات السيارات. كان للحرب الأهلية الأمريكية تأثير مباشر وقوى على زراعة القطن المصرى، فقد تمكن الخديو إسماعيل من إنعاش خزانته نتيجة هذه الحرب؛ بسبب توقف الإمدادات الأمريكية من القطن، لكن لم يكن هناك أى طلب أمريكى على القطن المصرى فى ذلك التوقيت بالذات.

