«إنستاباي ومحافظ الاتصالات».. دخول 54 مليون مواطن للمنظومة الرسمية وتعاملات مالية تخطت 2 تريليون جنيه

كتب: محرر

«إنستاباي ومحافظ الاتصالات».. دخول 54 مليون مواطن للمنظومة الرسمية وتعاملات مالية تخطت 2 تريليون جنيه

«إنستاباي ومحافظ الاتصالات».. دخول 54 مليون مواطن للمنظومة الرسمية وتعاملات مالية تخطت 2 تريليون جنيه

كتبت - ريم رفيق:

تشهد البنية الاقتصادية في مصر تحولاً سلوكياً وهيكلياً غير مسبوق، تقوده استراتيجية وطنية طموحة وضعها البنك المركزي المصري، بهدف تجفيف منابع التعاملات النقدية «الكاش» وإحلال المنظومة الرقمية كبديل عصري وفعال. ولم يعد التحول الرقمي مجرد رفاهية تكنولوجية، بل أصبح شرياناً حيوياً تتدفق عبره مليارات المعاملات اللحظية والبطاقات الذكية، ليعيد صياغة مفهوم الشمول المالي الذي قفز بمعدلات تاريخية.

ويؤكد خبراء مصرفيون أن طفرة تطبيق إنستاباي، وتمدد البنية التحتية للمدفوعات الإلكترونية، يعكسان حجم النقلة النوعية التي يشهدها القطاع المالي، حيث تحولت الرقمنة من مجرد مبادرة حكومية إلى ثقافة شعبية يومية، تدير حركة الأسواق والادخار والإنفاق، وتؤسس لاقتصاد رقمي متكامل يواكب التطورات العالمية.

«عادل»: تحول من أدوات دفع لمحركات رسمية للاقتصاد

قال الخبير المصرفي وليد عادل إن ما يشهده سوق المدفوعات الرقمية في مصر لم يعد مجرد تطور تكنولوجي تقليدي، بل يمثل تحولاً اقتصادياً وسلوكياً واسعاً تقوده الدولة والبنك المركزي، ضمن الاستراتيجية الوطنية للمدفوعات الرقمية، بهدف تقليل الاعتماد على «الكاش» وبناء اقتصاد أكثر سرعة وشفافية وكفاءة.

وأوضح أن البيانات الرسمية الصادرة عن البنك المركزي مؤخراً تكشف بوضوح حجم الطفرة التي شهدها القطاع المصرفي ومنظومة الدفع الإلكتروني.

وأشار إلى أن تطبيق إنستاباي تحول خلال سنوات قليلة من مجرد أداة للتحويلات إلى بنية مالية يومية يعتمد عليها ملايين المصريين، فمنذ إطلاق شبكة المدفوعات اللحظية والتطبيق في مارس 2022، ارتفع عدد المستخدمين إلى نحو 16 مليون عميل حتى يونيو 2025، فيما تجاوز عدد العمليات المنفذة عبر الشبكة 1.1 مليار عملية، بقيمة تخطت 2.4 تريليون جنيه. وأكد أن هذه الأرقام تعكس تحولاً جوهرياً في سلوك المواطنين، حيث أصبحت التحويلات اللحظية جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، سواء في التحويلات الشخصية أو المدفوعات التجارية أو التحويل بين الحسابات والمحافظ الإلكترونية، كما نجح التطبيق في تغيير ثقافة الجمهور تجاه الخدمات المصرفية، بعدما نقل المعاملات البنكية من زيارة الفروع إلى «ضغطة زر».

وأضاف «عادل» أن الطفرة لم تقتصر على تطبيقات التحويل اللحظي، بل امتدت إلى أدوات الدفع الإلكترونية والبطاقات البنكية. فقد أظهرت بيانات البنك المركزي ارتفاع عدد بطاقات الخصم المباشر إلى 29.1 مليون بطاقة بنهاية 2025، مقارنة بـ26.4 مليون بطاقة في 2024، فيما وصلت البطاقات المدفوعة مقدماً إلى 34.3 مليون بطاقة، وسجلت بطاقات الائتمان قرابة 7 ملايين بطاقة. وأوضح أن بطاقات الخصم المباشر تستحوذ وحدها على نحو 40% من سوق البطاقات المصرفية، وهو ما يعكس التحول التدريجي من اقتصاد يعتمد على السحب النقدي إلى اقتصاد يرتكز على الدفع الإلكتروني المباشر.

كما أشار إلى أن التحول الرقمي يعتمد أيضاً على قوة وانتشار البنية التحتية، حيث ارتفع عدد ماكينات الصراف الآلي (ATM) إلى أكثر من 26 ألف ماكينة بنهاية 2025، وقفز عدد نقاط البيع الإلكترونية (POS) إلى نحو 275 ألف ماكينة، مقابل 228 ألفاً قبل عام واحد فقط، فيما تجاوز عدد المحافظ الإلكترونية 55.5 مليون محفظة حتى يونيو 2025، بإجمالي معاملات بلغ نحو 1.8 تريليون جنيه.

وأوضح أن هذه الأرقام تعني أن مصر لا تشهد فقط نمواً في التكنولوجيا المالية، بل تمر بمرحلة إعادة تشكيل كاملة لسلوك الإنفاق والتحويل والادخار. فقد ساهمت المدفوعات الرقمية في تحقيق أهداف استراتيجية للدولة، أبرزها تقليل الاعتماد على النقد الورقي، وخفض تكاليف طباعته وتأمينه، ودمج شرائح جديدة داخل القطاع المصرفي، وتعزيز معدلات الشمول المالي، وزيادة سرعة دوران الأموال داخل الاقتصاد، إلى جانب رفع كفاءة التحصيل والمدفوعات الحكومية وتقليص حجم الاقتصاد غير الرسمي. ورغم هذه الطفرة، أكد «عادل» أن هناك تحديات قائمة، أبرزها الثقافة النقدية الراسخة لدى بعض الشرائح، ومخاوف الأمن السيبراني والاحتيال الإلكتروني، والحاجة إلى رفع مستويات الوعي المالي الرقمي، فضلاً عن ضرورة تحقيق التوازن بين سهولة الإنفاق الإلكتروني وزيادة النزعة الاستهلاكية.

واختتم بأن إنستاباي والبطاقات البنكية لم يعودا مجرد أدوات دفع، بل أصبحا من أهم محركات التحول الاقتصادي في مصر، متوقعاً أنه إذا استمرت معدلات النمو الحالية بنفس الوتيرة، فقد تصبح مصر خلال سنوات قليلة من أقل الاقتصادات اعتماداً على الكاش، وأكثر ارتباطاً بالمدفوعات اللحظية والاقتصاد الرقمي الكامل.

«حمزة»: طفرة في الشمول المالي أسهمت في وصول الخدمات المالية لشرائح أوسع من المواطنين

من جانبه، يقول الدكتور هشام حمزة، الخبير المصرفي إن مصر شهدت خلال السنوات الأخيرة طفرة كبيرة في معدلات الشمول المالي والتحول نحو المدفوعات الرقمية، بعدما كانت نسبة المواطنين المشمولين مالياً لا تتجاوز 27% فقط في عام 2011، مشيراً إلى أن هذه النسبة كانت تعني أن أقل من ثلث البالغين في مصر يمتلكون حسابات مصرفية أو بطاقات بنكية أو حتى محافظ إلكترونية، وذلك مقارنة بالمتوسط العالمي وقتها الذي بلغ نحو 55%، بينما سجلت دول أفريقية نامية مثل كينيا معدلات تجاوزت 75% بفضل الاعتماد المبكر على تطبيقات الدفع الإلكتروني وعلى رأسها تطبيق M PESA.

وأضاف «حمزة» أن معدلات الشمول المالي في مصر ظلت تتحرك بوتيرة محدودة لسنوات، حتى عام 2017، عندما بدأت البنوك المصرية تدرك أهمية التحول الرقمي وضرورة تبني استراتيجية وطنية متكاملة لتوسيع نطاق الخدمات المالية الإلكترونية، ومنذ ذلك الوقت، كثفت البنوك تعاونها مع شركات التكنولوجيا المالية لتقديم خدمات مصرفية أكثر سهولة وسرعة، بما ساهم في وصول الخدمات المالية إلى شرائح أوسع من المواطنين، لترتفع معدلات الشمول المالي إلى نحو 56% في عام 2021، ثم إلى 71% خلال عام 2023.

وأكد أن الانطلاقة الحقيقية جاءت مع إطلاق تطبيق إنستاباي، الذي تحول خلال فترة قصيرة إلى أداة دفع يومية في يد ملايين المصريين، ليساهم في رفع معدلات الشمول المالي إلى أكثر من 77% بنهاية عام 2025، بما يعادل نحو 54 مليون عميل داخل المنظومة المالية الرسمية، وهو ما جعل مصر تقترب بشكل كبير من المتوسط العالمي الحالي البالغ نحو 85%.

وأوضح «حمزة» أن هذه القفزة جاءت نتيجة عدة عوامل متوازية، أبرزها التطور الكبير في الخدمات الإلكترونية التي تقدمها البنوك، مثل الإنترنت البنكي والمحافظ الإلكترونية، إلى جانب دخول شركات الاتصالات بقوة في تقديم خدمات مالية رقمية عبر المحافظ الإلكترونية، مثل فودافون كاش وأورنج كاش واتصالات كاش.

كما ساهمت شركات التمويل الاستهلاكي وإعادة الإقراض، مثل أمان وكونتكت، في توسيع قاعدة المستخدمين، فضلاً عن انتشار كارت ميزة الذي أصبح أداة أساسية لإجراء العديد من المدفوعات الحكومية والخدمات الرسمية، مثل خدمات المرور والشهر العقاري وغيرهما من المعاملات اليومية.


مواضيع متعلقة