«مجمع الإصدارات المؤمّنة والذكية».. طباعة نقود بعمر أطول مقاومة للتلف

كتب: محرر

«مجمع الإصدارات المؤمّنة والذكية».. طباعة نقود بعمر أطول مقاومة للتلف

«مجمع الإصدارات المؤمّنة والذكية».. طباعة نقود بعمر أطول مقاومة للتلف

كتبت - إيمان فايد:

في عالم الاقتصاد النقدي، لا تُقاس قيمة العملة بما كُتب عليها فقط، بل بما تتحمله الدولة من تكلفة لإنتاجها وتأمينها ونقلها وحمايتها من التزوير والتلف، ولهذا قد تبدو المفارقة صادمة أحياناً، فبعض العملات منخفضة الفئة قد تصبح تكلفة إنتاجها وتداولها أعلى من قيمتها الاسمية نفسها، هذه الظاهرة ليست مصرية فقط، بل تواجهها بنوك مركزية عديدة حول العالم، خاصة مع ارتفاع أسعار الورق المؤمَّن والأحبار الأمنية والطاقة والشحن والتأمين، إضافة إلى تزايد تكلفة إدارة النقد الورقي مقارنة بالمدفوعات الرقمية.

في الوقت الذي ينظر فيه المواطن إلى الورقة النقدية باعتبارها مجرد وسيلة للشراء والتداول، تخوض البنوك المركزية حول العالم معركة يومية مكلفة لإنتاج هذه الورقة وتأمينها ونقلها وحمايتها من التلف والتزوير، فخلف كل بنكنوت متداول، توجد منظومة تشغيلية معقدة تضم الطباعة المؤمنة، وشبكات النقل والحراسة، وأنظمة الفرز والإعدام، فضلاً عن التكلفة المتزايدة لإدارة النقد الورقي في ظل التحول الرقمي العالمي. ومع ارتفاع أسعار المواد الخام والطاقة والخدمات اللوجيستية، بدأت تكلفة إدارة النقد تتجاوز أحياناً القيمة الاسمية لبعض الفئات منخفضة القيمة، ما دفع العديد من البنوك المركزية إلى إعادة التفكير في مستقبل الكاش التقليدي، والتوسع في العملات البوليمرية والمدفوعات الرقمية باعتبارها حلولاً أكثر كفاءة واستدامة.

استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بالبنوك المركزية

بدوره، قال هاني حافظ، الخبير المصرفي، إن عملية إنتاج البنكنوت لم تعد مجرد «ورقة مطبوعة»، بل أصبحت صناعة أمنية عالية التقنية، فكل ورقة نقدية تمر بمراحل تشتمل على «تصميم أمني معقد - أحبار مقاومة للتزوير - شرائط وعلامات مائية - خيوط أمان ممغنطة - اختبارات جودة دقيقة - أنظمة تتبع وترقيم مؤمَّنة»، مشيراً إلى أنه مع ارتفاع أسعار المواد الخام عالمياً، ارتفعت تكلفة إنتاج الفئات الصغيرة بصورة ملحوظة، بخاصة أن عمرها الافتراضي قصير بسبب كثرة التداول اليومي.

وأضاف «حافظ»، لـ«الوطن»، أنه كلما انخفضت القيمة الشرائية للفئة النقدية بفعل التضخم، أصبحت تكلفة طباعتها كنسبة من قيمتها أعلى، لذلك تجد البنوك المركزية نفسها مضطرة لطباعة كميات ضخمة من الفئات الصغيرة لتعويض التالف والمتداول يومياً، وفي بعض الدول، وصلت تكلفة إنتاج العملات المعدنية أو الورقية الصغيرة إلى مستويات تفوق قيمتها الاسمية بالفعل، ما دفع العديد من البنوك المركزية لإلغاء بعض الفئات أو تقليل الاعتماد عليها تدريجياً.

وتابع: «أحد أكبر الأعباء التي تتحملها البنوك المركزية، إدارة النقد التالف، فالأوراق النقدية منخفضة الفئات تتعرض يومياً إلى الطي والتمزق والرطوبة والكتابة عليها والتلف الحراري والتلوث والأتربة، وهنا تبدأ دورة مكلفة تشمل من البداية جمع النقد من البنوك ثم فرزه آلياً يتبعه استبعاد التالف ثم إعدام الأوراق غير الصالحة وفي النهاية تتم إعادة الطباعة مجدداً».

وأشار إلى أن الحل المستدام لا يقتصر على الطباعة الأفضل، بل يعتمد على رفع جودة الخامات بما يُسهم في زيادة العمر الافتراضي للبنكنوت، لافتاً إلى إجراء المزيد من التوسع في ماكينات الفرز الذكية بغرض تقليل التداول النقدي المباشر، ما يعزز دعم المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ونوه بأن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في فرز النقد أصبح يساعد البنوك المركزية على تقليل الأخطاء البشرية، وخفض تكلفة التشغيل وتسريع دورة النقد.

وأفاد بأن مصر شهدت خلال السنوات الأخيرة إصدار البنكنوت البوليمري لفئتي 10 و20 جنيهاً، عبر مطبعة النقد الجديدة بالعاصمة الإدارية، ضمن خطة تحديث منظومة النقد، منوهاً بأنه رغم ارتفاع تكلفة إنتاج العملة البلاستيكية عن الورقية التقليدية، فإن المعادلة الاقتصادية تُقاس بالعمر الافتراضي وليس بسعر الطباعة، لا سيما أن عملة «البوليمر» تتميز بعمر أطول، قد يصل إلى عدة أضعاف الورقية ومقاومة أعلى للمياه والأتربة ومن ثم انخفاض معدلات التلف، فضلاً عن صعوبة أكبر في التزوير، وبالتالي تقليل معدلات الاستبدال والطباعة المتكررة.

ورأى الخبير المصرفي أنه في ظل التحولات العالمية المتسارعة في أنظمة الدفع والتكنولوجيا المالية، لم تعد كفاءة إدارة النقد مسألة تشغيلية فقط، بل أصبحت جزءاً أساسياً من استقرار وكفاءة الاقتصاد الوطني، لافتاً إلى أن مستقبل إدارة النقد لن يعتمد فقط على طباعة أموال أكثر، بل على إدارة تداول الأموال بكفاءة أعلى، فالاقتصادات الحديثة لم تعد تقيس قوة العملة بعدد الأوراق المطبوعة، بل بمدى كفاءة دورة النقد داخل الاقتصاد.

وأشار إلى أن القطاع المصرفي المصري خلال السنوات الأخيرة شهد توسعاً ملحوظاً في الاعتماد على شركات نقل الأموال المتخصصة، بالتوازي مع استمرار بعض البنوك الكبرى والبنك المركزي المصري في تشغيل جزء من أساطيل النقل الداخلية، خاصة في العمليات ذات الطبيعة الحساسة أو المرتبطة بحركة النقد بين الخزائن الرئيسية والفروع الاستراتيجية. وأوضح: «جاء هذا التوجه نتيجة ارتفاع تكلفة إدارة النقل النقدي التقليدي، والتي ظلت لعقود أحد الأعباء الصامتة داخل الاقتصاد، قبل أن تبدأ التكنولوجيا المالية في إعادة رسم مستقبل إدارة النقد عالمياً. فنجاح هذا النموذج في مصر ارتبط بقدرة القطاع المصرفي على تحقيق التوازن بين: خفض التكلفة، رفع كفاءة إدارة النقد، تعزيز الأمان».

ونوه بأن شركات النقل النقدي المتخصصة توفر حلولاً تشغيلية أكثر كفاءة للبنوك المصرية، من خلال: أساطيل مؤمنة ومجهزة، خدمات تغذية ماكينات الصراف الآلي، أنظمة تتبع لحظية، خدمات فرز وعدّ النقد، وتقليل الأعباء التشغيلية والإدارية على البنوك.

«عادل»: النقود جزء من الأمن السيبراني والسيادي

ومن جانبه، قال وليد عادل، الخبير الاقتصادى، إن إصدار النقد ليس مجرد ورقة وحبر، فوراء هذا الأمر تختفى سلسلة تكاليف ضخمة، بدءاً من تكلفة طباعة الورقة النقدية، التى تتم بخامات خاصة مقاومة للتلف والتزوير، وتتضمن علامات مائية، أحباراً أمنية، وشرائط حماية، وتقنيات معقدة ضد التزوير، ما يرفع من تكلفة إنتاج الفئات الصغيرة أحياناً مقارنة بقيمتها.

وتابع «عادل» أن التجربة العالمية أثبتت أنه لا يوجد نموذج مثالى مطلق لنقل الأموال من البنوك، وإنما المعيار الأنسب يتمثل فى: حجم الاقتصاد وطبيعة المخاطر وكفاءة المؤسسات. وأضاف أن أغلب البنوك المركزية -فيما مضى- كانت تميل لفكرة السيطرة الكاملة، من خلال أسطول نقل مملوك للبنك، وأفراد تأمين تابعين له، وإدارة مباشرة لكل حركة نقدية، لكنه فى المقابل كان الأمر مكلفاً جداً سواء فى شراء العربات المصفحة والصيانة والتكنولوجيا والرواتب والتدريب والتأمين وإدارة المخاطر.

وأشار إلى أنه مع تطور الأسواق المالية ظهر اتجاه جديد وهو الاعتماد على شركات نقل لوجيستى ونقدى متخصصة تمتلك أنظمة تتبع متقدمة وتقنيات حماية ذكية وكفاءة تشغيل أعلى ومرونة وسرعة فى التوزيع، ما دفع الكثير من البنوك المركزية إلى الاستعانة بمصادر خارجية بدلاً من الإدارة المباشرة لكل التفاصيل.


مواضيع متعلقة