يوميات ملحد.. والحمد لله

أمانى هولة

أمانى هولة

كاتب صحفي

متأففاً من تخلف مجتمعاتنا الهمجية، يفتح نافذته على أحد أسباب إزعاج يومى.. كان المشهد اليوم لرجل رغم اجتهاد ملحوظ يبدو على مظهره، فقر مفرط، وهو ينتحب لسرقة حذائه الجديد أثناء صلاته بالجامع المقابل لشرفته.. والذى اشتراه خصيصاً لمقابلة عمل فى مصنع أخشاب كبير بالجوار.

- أقول إيه للعيال وأمهم، كنت متعشم أوى فى الشغلانة دى.. حكمتك يا رب.

_قضا أخف من قضا.. مين عارف كان هيحصل إيه؟

لم يملك نفسه من الضحك على هذا المشهد الكوميدى وخطوات الرجل تتعثر بقبقاب ضخم وقد ضاعت فرصة عمله، ليردد:

_كان هيحصل إيه يعنى؟.. وأى حكمة تلك التى يتحدثون عنها.. وهل أصبح حرامى الأحذية صاحب رسالة إلهية؟

ركب سيارته الأنيقة، وفى الطريق وقعت فجأة من سيارة نقل أمامه صناديق كثيرة، وتجمع الناس للمساعدة، بينما أمسك السائق بتلابيب التباع وهو (يفلفص) منه مقسماً أنه ربطها جيداً، مثلما يفعل دائماً، ليصيح أحدهم:

- معلش يا أسطى.. أمر الله.

أمر الله؟ يسخر من سذاجة العبارة، وتلك الشماعة العجيبة لتبرير الأخطاء وكأن قوة فوقية فعلتها، بينما التحليل العلمى للموضوع أنه لم يتقن الربط، أو أن الحمولة زائدة.

بعد 10 دقائق تعطيل.. ينطلق أخيراً ليفاجأ بتزاحم آخر بعد مسافة صغيرة.. يطلق نفير الغضب.

يبادره أحد المارة:

- الحمد لله يا بيه ربنا ستر، ليقاطعه منفجراً:

ودون انتظار رد، يغلق نافذة سيارته المكيفة وسط غبار كثيف.. ويمضى دون أن يرى آثار انهيار منزل قديم منذ 10 دقائق وقد كان كفيلاً بقتل راكبى كل السيارات المارة أمامه، ولكن لم يصب أحد بسوء.

يصل أخيراً لطبيب الأسنان.. يسلم نفسه ليد صديقه.. الذى يستعين بأحدث وأعقد وسائل التعقيم.. وأثناء تناوله لإحدى الآلات الحادة التى تصل إلى مجرى الدم بمجرد لمسها للثة.. تقع عليها ذرة تراب غير مرئية كانت عالقة بملابس بطلنا محملة بفيروس الالتهاب الكبدى سى، كاحتمال يمكن أن يحدث فى أى مكان فى العالم.. ينفتح الباب فجأة، وتستأذن السكرتيرة فى عرض أمر طارئ على الطبيب.. يرفض بإصرار مستجدياً طبيبه، فيعود بآلته الحادة لفمه فإذا برنات الهاتف لمكالمة مهمة كان ينتظرها، توقفه ملقياً الآلة فى سلة التعقيم دون أن تلامس فم مريضه.. قائلاً:

- معلش لازم أرد.. وربنا يسهل ونخلص بسرعة.

يتنهد فى سخرية من تلك القوة الغامضة التى نتخذها مبرراً ونحشر ذكرها فى كل أخطائنا.

يصل أخيراً إلى الجامعة فى موعد محاضرته تماماً، والتى يتقاضى مقابلها بالعملة شديدة الصعوبة.

يبدأ حديثه عن مقارنة الأديان.. مستجمعاً آراء أشهر الفلاسفة والمفكرين منحازاً لبعضهم: أرسطو، سارتر، ساجان، ماركس.. امتدت يده لجهاز العرض المصور والذى سقط منه لتوه، فأعاده مكانه.. وهو يوشك أن يلامس زر التشغيل الذى أصبح مكهرباً نتيجة السقوط.. يعلن:

- الإنسان يملك زمام كل شىء، وما تلك الأوهام إلا أساطير اخترعها القدماء وصدقها البلهاء.

يرن جرس انتهاء المحاضرة.. فيسحب يده قبل أن تلمس الزر ويرحل..

أثناء العودة لمنزله يجد أحد الشوارع مغلقاً، فيتوجه إلى شارع بديل دون أن يعبأ بمعرفة السبب، بينما يقوم عمال الإطفاء بمكافحة حريق اندلع فى مصنع الأخشاب الكبير بالجوار بعد الظهيرة، وراح ضحيته كل من بداخله.. يعود إلى منزله يملؤه شعور بالزهو والإحساس بالسيادة والفوقية.. ليرى من شرفته آخر من يتوقعه.. ذلك الرجل الذى فقد حذاءه فى الظهيرة يدخل الجامع للصلاة، ولكن هذه المرة متأبطاً حذاءه الجديد المتواضع بحرص شديد، وهو لا يزال يأمل فى العمل فى المصنع الكبير بالجوار.. وترحل شمس يوم آخر شاهدة صامتة.. وتستمر الحياة.. والحمد لله.