ما بعد التوقيع على اتفاق ليبيا

وفاء صندى

وفاء صندى

كاتب صحفي

بعد تحركات دبلوماسية مكثفة من قبل الدول الغربية وأمريكا، المدفوعة جميعها بالمخاوف من تنامى تنظيم «داعش»، تم التوقيع فى الأسبوع الماضى على الاتفاق السياسى الليبى من طرف ممثلين عن البرلمانين المتصارعين، طبرق وطرابلس، بحضور أكثر من 200 شخصية ليبية.

وبالرغم من الانفراجة التى عبر عنها العالم بعد التوقيع على الاتفاق الذى لعب فيه الضغط الأوروبى الدور الأكبر، حيث كان هذا الأخير يسعى بالأساس لتنصيب حكومة وحدة وطنية بعدما تكاثرت المخاوف من صعود «داعش» فى ليبيا، فإنه يجب الاعتراف بأن هذا الاتفاق لم يكن بالنضج الكافى ولن يكون المصباح السحرى الذى يحل كل مشاكل ليبيا ويعيد إليها الأمن والاستقرار بمجرد تشكيل الحكومة.

بدايةً، يجب الاعتراف بأن الظروف التى وُقع فيها الاتفاق الليبى لم تكن معبدة بما فيه الكفاية لتسمح بتشكيل حكومة قوية وقادرة على مواجهة كل التحديات الداخلية والمخاطر الأمنية والتهديدات الإرهابية. فمن ناحية إعلان رئيسَى البرلمانَين المتصارعَين فى طبرق وطرابلس، عقيلة صالح ونورى أبوسهمين، فى اجتماع مالطا، عن أنهما لن يوقعا على الاتفاق، ومطالبتهما فى المقابل بمزيد من الوقت حتى يكون هناك توافق بالإجماع حول المرشحين الذين سيتولون المهام على رأس السلطة التنفيذية فى المرحلة الانتقالية، الشىء الذى لم يقف عنده كثيراً المبعوث الأممى لأسباب مختلفة وبعضها موضوعى، حيث تم الاتفاق فى غياب رئيسَى البرلمانين. من ناحية أخرى، تم توقيع الاتفاق مع استمرار رفض البعض اعتماد خطة روما التى تم التوقيع عليها من قبل 17 دولة بما فيها مصر والمغرب.

بالتالى فإن الاتفاق لا يتمتع بتأييد كافٍ، خصوصاً من قبل بعض الفصائل الأكثر تأثيراً وقوةً فى ليبيا، مما يطرح بعض التساؤلات بخصوص مستقبله، بالإضافة إلى السؤال المحورى وهو مقر الحكومة التوافقية التى يصعب نقلها حالياً للعاصمة طرابلس لما تشهده من أعمال عنف، ولما سيبتدعه الرافضون للاتفاق من عراقيل لمنع وصولها إلى العاصمة، مما سيجعل الحكومة فى هذه الحالة ضعيفة وغير مجدية، وأسئلة أخرى تتعلق بآليات تنفيذ الاتفاق، وكيفية التعامل مع الميليشيات.

فى المقابل، وفى حال تمكنت الحكومة فعلاً من الاستقرار فى طرابلس بعد 40 يوماً من الاتفاق كما تنص على ذلك خطة روما، فإن الجماعات الإرهابية ستعمل على إضعافها، وسوف تُصعّد من عملياتها بعد إعادة تمركز المؤسسات الشرعية فى العاصمة، وهذا سيكون أصعب امتحان أمام الحكومة الليبية الجديدة، خصوصاً أن ميليشيات تنظيم «داعش» قد تمكنت فعلاً من ليبيا على طول السواحل وبدأت بالاقتراب من العاصمة بفضل التعزيزات المقبلة لها من نيجيريا وسوريا واليمن.

وهنا يجب الإشارة إلى أن الحديث عن حملة أوروبية ضد مقاتلى «داعش» ستشكل عبئاً آخر على ليبيا إذا تم تنفيذها فعلاً دون وجود خطة أمنية واضحة ودون تفعيل الحوار بين مختلف الميليشيات المسلحة فى ليبيا ودون التأكد من أن بإمكان الحكومة العمل بشكل آمن فى طرابلس.

التحديات، إذن، أمام الحكومة التوافقية الليبية كبيرة وعوامل فشلها أيضاً متنوعة، لكن الرهان الحقيقى هو فى توافقها فى تشكيل ظهير شعبى يلتف حولها ويدعمها ويحميها حتى تتمكن من تجاوز كل الصعاب وتحقيق تطلعاتها المتعلقة خاصة بالمشكل الأمنى وتبنى استراتيجية واضحة لمحاربة «داعش»، وإعادة النازحين والمهاجرين لوطنهم وبيوتهم، بالإضافة إلى تحديات الجيش والسلطة وبناء المؤسسات وفتح المطارات والطرق والتى تعتبر كلها مهام ثقيلة وصعبة التحقيق فى مدة عام أو عامين، فى حالة التمديد، وهو عمر هذه الحكومة.

والتحدى الآخر هو وقف سفك الدماء ووقف التدمير الذى تتعرض له ليبيا، وإعادة اللحمة الوطنية لليبيين وأن تعود العاصمة طرابلس وتعود لها كل الأطياف الليبية، وأن يتعايش الليبيون بسلام وأن يُعلوا راية الوطن أولا ويَعوا بما يشكله الإرهاب من خطورة ليس فقط على أمن الليبيين وثرواتهم ولكن على أمن المنطقة والعالم. أما بخصوص من يستطيع أن يقود التناقضات الموجودة اليوم داخل المجتمع الليبى، ومن يستطيع أن ينظر بعينيه الاثنتين لكل الأطراف وأن يوفق بينهم وأن يقود الجميع بشكل عادل ومتساوٍ، فذلك هو التحدى الآخر فى هذه الفترة، وتلك هى مسئولية كل من وقّع على الاتفاق فى الصخيرات، كما أن مسئوليتهم تأمين الحكومة وحمايتها وحماية طرابلس إلى أن تتخطى ليبيا هذه المحطة المفصلية التى إما أن تخرجها من النفق المظلم أو سيكتب عنها التاريخ صفحات أكثر سواداً.