الخردة.. كنوز مهملة فى مخازن الشركات

كتب: محمود الجمل

الخردة.. كنوز مهملة فى مخازن الشركات

الخردة.. كنوز مهملة فى مخازن الشركات

«بضاعة أتلفها الهوى».. إحدى المقولات المتداولة عبر عشرات السنين فى مصر، تفسيراً لأشكال ضعف الرقابة والسرقة وغياب الحصر الدقيق لأصول ومخزون راكد وخردة، أو ما يطلق عليه «الكهنة»، فى مخازن الجهات الحكومية.

ويمثل المخزون الراكد بالمخازن الحكومية إحدى ثغرات منظومة الإنفاق العام، وأحد معوقات تحقيق الانضباط المالى والإدارى، ومن ثم ضياع مليارات الجنيهات نتيجة عدم الاستفادة من هذه الأصول. الأزمة الحقيقية التى تواجه ملف الخردة فى مصر ترجع بالأساس إلى غياب الحصر الدقيق لقيمة «الخردة» بجميع الجهات الحكومية، وقد يكون أحد أسباب ذلك زيادة المخزون عن الحدود الاستراتيجية اللازم الاحتفاظ بها.

تقدَّر قيمتها بـ300 مليار جنيه.. وخطة حكومية لحصرها منذ 3 سنوات

شركة «الحديد والصلب» كانت نموذجاً حياً لأزمة حقيقية، بعد اتفاق الشركة على بيع الخردة فى مخازنها بكميات تصل إلى 230 ألف طن، لتكتشف عند تنفيذ التعاقد عدم وجود سوى 41 ألف طن، لتنتهى الأزمة ببلاغ إلى النائب العام، مع إشارة لاحتمالية تعرض المخزن للسرقة، فى وقت قُدرت فيه قيمة المخزون الراكد بمخازن الشركات الحكومية بما يتخطى حاجز الـ300 مليار جنيه، بحسب مصدر مسئول، لـ«الوطن»، وسط مساعٍ حكومية للسيطرة على الخردة، بإحلال قانون التعاقدات الحكومية رقم 182 لسنة 2018 محل قانون المناقصات والمزايدات رقم 89 لسنة 2018.

قرارات "التخريد".. ثغرة التلاعب فى "قطاع الأعمال العام".. وتشديد الرقابة هو الحل

كشف مسئول حكومى بارز أن الحكومة لديها خطة منذ 3 سنوات لحصر وتعظيم أصول الدولة غير المستغلة فى شتى الجهات الحكومية، ومن بينها الأصول الضخمة المملوكة لشركات قطاع الأعمال العام، وأكد «المسئول»، لـ«الوطن»، أن من بين الخطط الفرعية التى تسعى الحكومة لتنفيذها حالياً، خطة تعتمد على السيطرة على سياسات الاستثمار والإنفاق العام، ومن بينها السيطرة على المشتريات الحكومية من الأساس لتقليل الموجودات والخردة بالمخازن الحكومية.

مسئول: بعض الأصناف تدخل المخازن كمنح من جهات أجنبية دون الاستفادة منها

وحول قيمة الخردة بالمخازن الحكومية، قال «المسئول» إن القيمة الحقيقية لا يمكن الوصول لها بدقة، لأن بعض الأصناف «الخردة» كانت تدخل المخازن كمنح من جهات أجنبية، لفترة طويلة دون الاستفادة منها، فضلاً عن انتهاء صلاحية بعض هذه الموجودات. وأضاف أنه بشكل تقديرى يمكن القول إن قيمة موجودات المخازن من الخردة والكهنة قد تتخطى حاجز الـ300 مليار جنيه حتى نهاية العام المالى الماضى، لافتاً إلى أن قيمة الخردة ترتفع من عام إلى آخر، فمنذ 10 سنوات تقريباً لم تكن تتخطى حاجز الـ100 مليار جنيه.

وعن أسباب تراكم الخردة، أكد «المسئول» أن هناك سياسات إدارية خاطئة فى التعامل مع الأصول وخطوط الإنتاج والمعدات والأجهزة الحكومية، وقد يتحول أصل معطل بعد الإصلاح إلى خردة فى لمح البصر، وقد يتلف خط إنتاج بالكامل بسبب عدم الانتهاء من الأعمال الإنشائية وتجهيز المكان الملائم لتركيبه وتشغيله، أو عدم توافر العمالة اللازمة للعمل عليه أو عدم توافر مستلزمات التشغيل أو قطع الغيار، أو عدم مواكبة بعضها للتكنولوجيات الحديثة، وبالتالى عدم الحاجة إليها.

من جانبها، قالت بسنت فهمى، عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، لـ«الوطن»، إن أحد أسباب زيادة المخزون الراكد والخردة بالمخازن الحكومية وتخطى قيمتها مليارات الجنيهات هو ضعف الرقابة على الأعمال المخزنية بسبب عدم تطبيق لائحة المخازن الحكومية بطريقة سليمة.

نائبة: إحدى وسائل النهب

وأضافت «فهمى» أن المخزون الراكد والكهنة والخردة فى مخازن الحكومة والإدارات المحلية أحد أبواب السرقة والفساد، مؤكدةً أن إحدى وسائل النهب والسرقة هو تخريد الأصول، ووقفها عن العمل حتى يسهل الاستيلاء عليها بشكل آخر.

وأكدت «فهمى» أن تلك الأمور الملتوية وغير الشرعية تؤدى إلى تكدس المخازن بالعديد من الأصناف الكهنة والخردة والراكدة المستغنى عنها منذ فترات طويلة، دون اتخاذ إجراءات التصرف فيها، وهى أمور تؤثر بالسلب على مالية الدولة كما تؤدى إلى المزيد من الإسراف والهدر فى المال العام.

وكشفت «فهمى» أن هناك مشاورات تجريها اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب مع بدء دورة الانعقاد التشريعى الجديد لسن قوانين وتشريعات تستهدف السيطرة على الأصول المملوكة للدولة، وتعظيم الاستفادة من الأصول المتداولة والموجودات الحكومية التى تتلف بسبب سوء الاستخدام، قائلةً: «عايزين نبطل نغمة بضاعة أتلفها الهوى من قاموس الموظفين بالمخازن الحكومية».

وأشارت عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، إلى أن هناك عشرات الأساليب والطرق والأسباب، التى تؤدى إلى تراكم هذا المخزون، يأتى على رأسها قيام الأجهزة المعنية بتسلم الأجهزة أو المعدات والآلات رغم وجود بعض العيوب بها أو وجود ملاحظات فنية عليها تحول دون استخدامها، بالإضافة إلى عدم إدراج بعض الأعمال الضرورية ضمن بنود العقود، ومن ثم المغالاة فى أسعارها بعد ذلك، أو عدم تهيئة الموقع للعملية الاستثمارية ما يؤدى إلى تأخر التنفيذ وارتفاع التكلفة والبطء فى العملية، والأمثلة على ذلك عديدة، فضلاً عن عدم إجراء الدراسات الواجبة لبعض المشروعات قبل طرحها للمناقصات العامة، وعدم الدقة فى وضع التصميمات والرسومات، وعدم تحديد المدة الزمنية اللازمة لتنفيذ المشروع، ما يؤدى إلى تعديله بعد إسناده والبدء فى تنفيذه، أو إضافة أعمال أخرى لم تتضمنها الرسومات الأساسية للمشروع، الأمر الذى يترتب عليه أعباء مالية إضافية دون مبرر، فضلاً عن التأخر فى تنفيذ المشروع، مؤكدةً أن هناك طلب إحاطة بـ«المجلس» لتغليظ عقوبة الإهمال فى أصول الدولة.

القانون الجديد يُلزم وحدات الجهات الإدارية بتقدير احتياجاتها السنوية

«الوطن» اطلعت على مواد قانون التعاقدات الحكومية رقم 182 لسنة 2018، وتبين أن القانون ألغى قانون المناقصات والمزايدات رقم 89 لسنة 2018 بهدف تعزيز مبادئ الحوكمة وتنظيم إجراءات تخطيط وتنفيذ التعاقدات العامة لتحقيق كفاءة وفاعلية الإنفاق العام، ونص القانون فى مادته الرابعة على تشكيل لجنة وزارية من الوزراء المعنيين بالاقتصاد لدراسة المؤشرات والتغييرات الاقتصادية، وتختص بدراسة المشروعات والصفقات والتنبؤ والرصد وتحليل القرارات ومتطلبات الجهات الإدارية.

المادة التاسعة من «القانون» شددت على ضرورة أن تقوم الجهة الإدارية، ضمن الجهاز الإدارى للدولة، بوضع خطة باحتياجاتها السنوية بالتزامن مع تقديم مشروع الموازنة العامة للدولة، تشمل العمليات المتوقع تنفيذها خلال السنة المالية وفقاً للنماذج التى تعدها الهيئة العامة للخدمات الحكومية.

أما المادة 87 فأوجبت على الجهة الإدارية إعداد قاعدة بيانات لجميع العقارات المملوكة لها وما تم التصرف فيه منها وأسلوب التصرف وقيمته والبيانات الكافية عن المتصرف إليهم، وعلى الجهة أن تخطر الهيئة العامة للخدمات الحكومية بصفة دورية بجميع ما يثبت من بيانات بتلك الجهات لإثباتها بقاعدة البيانات المركزية المنشأة لديها.

واشترطت المادة 88 لشغل وظائف التعاقدات بالجهات الخاضعة لأحكام هذا القانون أو الاستمرار فى شغلها اجتياز التدريب اللازم لذلك، على أن يحدد وزير المالية بداية تنفيذ ذلك ومراحله، وأن تضع الهيئة العامة للخدمات الحكومية لمقدمى الخدمات التدريب والمراكز التدريبية وبرامج هذا التدريب ومناهجه.

يشترط تمثيل "المالية" فى لجان التعاقد على أى مشتريات

وشدد «القانون» على ضرورة أن تتولى الهيئة العامة للخدمات الحكومية مزاولة المهام والاختصاصات ذات الصلة بالتعاقدات العامة، ومن بينها الإعداد والإشراف على بوابة التعاقدات العامة وتحديثها باستمرار، وأيضاً تمثيل وزارة المالية فى اللجان التى تدعى إليها لضمان التحقق من سلامة إجراءات التعاقد التى تقوم بها الجهات الإدارية وفقاً لأحكام القانون ولائحته التفيذية، علاوة على بحث وإبداء الرأى فيما يقدم إليها من الجهات الإدارية حول ما يُثار بشأن تنفيذ أحكام القانون وهذه اللائحة، واقتراح وتطوير السياسات والتشريعات المتعلقة بالتعاقدات وإعداد تقارير بشأنها وتقديمها إلى وزير المالية، كما تتولى هيئة الخدمات الحكومية مراجعة إجراءات التعاقد بالجهات الإدارية للتأكد من سلامتها وفقاً لأحكام القانون من خلال زيارات ميدانية وفقاً لخطة عمل سنوية أو متى استدعى الأمر ذلك، على أن يتم إعداد تقارير بنتائج المراجعة فور إتمامها وإخطار السلطة المختصة بالجهات الإدارية بها لاتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها ومتابعة تنفيذها إذا تطلب الأمر ذلك، على أن ترفع الهيئة تقريراً ربع سنوى بشأن ما تسفر عنه تلك المراجعات لوزير المالية للتقرير بشأنها، وأخيراً جمع البيانات المتعلقة بالتعاقدات التى تقوم بها الجهات الإدارية بشكل منتظم وتحليلها واستخراج التقارير والمعلومات الخاصة بها ونشر نتائجها على بوابة التعاقدات العامة.

واقرأ أيضاً:

الدولة تتصدى بـ"التعاقدات العامة" للسيطرة على "الكُهنة"

وقائع استنزاف 189 ألف طن خردة من مخازن "الحديد والصلب"


مواضيع متعلقة