6 حكايات مأساوية من «بيت النسا» في بولاق الدكرور.. حاجة تقطع القلب
6 حكايات مأساوية من «بيت النسا» في بولاق الدكرور.. حاجة تقطع القلب
لم يكن الطريق إليهن ممهداً، بضعة كيلومترات كانت تفصلنى عنهن لكنها استغرقت عدة ساعات، ففى منتصف الشارع مطبات صناعية مصبوبة بطريقة عشوائية، مخلفات بناء التصقت بجانبى الطريق، حفر تترسب فيها مياه ضحلة تنحدر من مقاهِ ومحال ممتدة بطول الشارع، وسيارات أجرة على اختلاف أشكالها وأحجامها تتقاطع فى شريط ضيق.. كل ذلك يعطل الطريق نحو الدار.

على بُعد عدة أمتار من موقف «تكاتك» فى شارع الرشاح العمومى، بمنطقة بولاق الدكرور، تظهر شُرفة محاطة بسور حديدى، معلق عليها لافتة «دار روضة الحبيب للرعاية الإنسانية»، وأسفلها عبارة «انتِ مش لوحدك.. إحنا معاكِ»، تعيش خلفها 6 سيدات لهن ظروف خاصة، يجلسن على كراسى متحركة، يترقبن سماع رنين جرس الباب ربما يكون الزائر أحد أقاربهن، ينمن ويستيقظن على حلم واحد، أن يأتى ذووهن «زوج أو ابن أو شقيق» ليصطحبهن من غياهب الوحدة إلى ونس العيلة.
تشغل الدار الطابق الأول فى العقار رقم 1 بشارع محمد فرج الششتاوى، المتفرع من شارع الرشاح، ما إن يُفتح باب الشقة المغلق على هذا المجتمع النسائى، حتى تشم رائحة منظفات قوية مخلوطة بروائح أدوية ومطهرات، ممر صغير يقودك نحو غرف السيدات الست، وخلف كل غرفة حكاية مختلفة مليئة بالمعاناة والألم والتشوهات النفسية والجسدية، عشن كل تفاصيلها فكانت نهايتهن فى الشارع، ومنه إلى هذه الدار التى وفرت لهن مأوى ولقمة و«هِدمة نضيفة».
الأولى: "سوزان" مشردة بولاق: "ولاد الحرام قطعونى"
وجهها نحيف، نظراتها ثاقبة، لسانها لا يتوقف عن الثرثرة رغم ما تعانيه من تشوه وإصابات، هى سوزان عباس، 48 عاماً، تعيش فى غرفة صغيرة بابها مغلق دائماً، ترقد على سرير صغير، ترتدى ملابس تغطى نصفها العلوى فقط أما السفلى فتستره ببطانية ثقيلة لتخفى ما به من تشوهات، فهى مصابة بجرح غائر يشطر ساقها اليسرى نصفين، بخلاف آثار حروق وصعق كهربائى تغطى جسدها، كما تعانى من تشوه نفسى، فما مرت به فى حياتها من قسوة جعلها مضطربة نفسياً، تثرثر كثيراً، تبكى كثيراً، تثور وهى راقدة على سريرها، ولو كانت معافاة لركضت من الدار التى تعيش فيها رغماً عنها.

«خرجونى من هنا، ودونى لابنى حامد، عايزة أرجع لجوزى، انتوا متمسكين بيّا ليه، عايزين منى إيه»، لا تتوقف «سوزان» عن ترديد هذا الكلام، ثم تدخل فى بكاء هستيرى. انتظرتها طويلاً حتى تهدأ لأعرف قصة حياتها، ما الذى عاشته؟ من فعل بها هذه الإصابات؟ أين يعيش ابنها؟ ولماذا انفصلت عن زوجها؟ ووسط كلمات كثيرة ليست مرتبة لم أصل إلى إجابات شافية.
«اسمى سوزان، اتجوزت واحد بحبه وخلفت منه طفل اسمه حامد، ماشفتش يوم حلو فى حياتى، كنت بتخانق مع جوزى عشان بخرج من البيت من غير ما أقوله، كنت بروح أقعد عند صحابى أو ألف فى الشارع، وفى يوم واحدة صاحبتى خدت منى الواد، قالت لى هاتيه أربيه مع ولادى، ولما عرف جوزى قالى حد يعمل كده فى ضناه هو شنطة ولا جزمة بتديها لصاحبتك، حسيت إنها ضحكت عليّا وخربت بيتى، وحسيت إنى عندى مشكلة نفسية، عشان كنت بتعالج فى مستشفى العباسية».
تصمت «سوزان» وتستسلم لنوبة هياج لكنها كانت تحت سيطرة صاحبة الدار والأخصائية الاجتماعية اللتين سارعتا بالالتفاف حولها وتهدئتها لتعود إلى استرسال الكلام الذى يبدو غير مترابط: «أنا زى الفل وأقدر أعيش لوحدى بس انتو سيبونى أخرج من هنا، عايزة أعيش فى شقة مع ابنى بس متكونش صغيرة، أنا مش قليلة، أنا اتخرجت من مدرسة تمريض وأقدر أشتغل وأصرف على نفسى».
قبل عدة أشهر: فى صباح يوم قائظ، اتصل فريق الإنقاذ السريع بوزارة التضامن الاجتماعى، لتسليم مشردة كانت تتخذ من أحد شوارع بولاق الدكرور مأوى لها، تعيش فى أجواء غير آدمية وتعانى من إصابات متفرقة بالغة الخطورة.
لم تتردد سامية سيد عبدالحفيظ، مديرة الدار، فى تسلمها وتوفير الرعاية الإنسانية والطبية لها: «لما جات الدار كانت حالتها مزرية، كان طالع منها ريحة كريهة، وعندها جروح شديدة، منها جرح فى رجلها الشمال بياكله الدود، وحروق وآثار صعق كهربا، مش عارفة مين عمل فيها كده».
لم يكن ترويض «سوزان» سهلاً على مسئولى الدار، فإلى جانب حالتها الصحية الصعبة، كانت أيضاً مصابة باضطراب نفسى، وبدا ذلك عليها بمجرد أن وطئت قدماها الدار: «أول 48 ساعة كان التعامل معها صعباً وشديد التعقيد، تصرخ بهستيرية، بتتكلم كتير بدون انقطاع لدرجة أن باقى النزيلات جالهم توتر وقلق، وبعد ما عملنا لها مجموعة إسعافات أولية عشان جروحها، بدأت تخف وتهدا شوية»، لكنها لم تكف عن عبارتها الشهيرة: «رجعونى الشارع.. انتم ماسكين فيّا ليه».
الثانية: "فتحية": "مفيش فى جتتى حتة سليمة"
خلف باب فى آخر ممر صغير، ترقد الحاجة فتحية محمد طه، 75 عاماً، على مرتبة طبية ذات بروز، عيناها معلقتان على السقف بينما يداها لا تتوقفان عن الحركة، مرة تسحب البطانية حتى عنقها وكأن لفحة برد طالتها داخل الغرفة، ومرة ترفعها وتمسح حبات عرق نبتت على جبينها، شعور غريب بالبرد والحر فى الوقت نفسه، وكأنها تشعر باختناق يجعلها غير قادرة حتى على الكلام، شردت «فتحية» فى ماضٍ قريب تحاول أن تنساه، وبكلمات مقتضبة روت كيف تبدل حالها من «سيدة منزل» ترعى زوجها وأبناءها فى منزل صغير بالإسكندرية، إلى مشردة على رصيف السيدة نفيسة بالقاهرة، تشحذ لقمتها من الركض وراء أصحاب النذور.. وما بين الحالين قصص كثيرة ورجال كثيرون تُحملهم مسئولية ما حدث لها.

«أنا اللى زهقت وسبت البيت، جوزى عمل غلطة كبيرة قوى ماقدرتش أسامحه عليها، شفته بعينى بيخونى، لسانى نشف ماقدرتش أتكلم ولا أتحرك كأنى مشلولة»، تحكى «فتحية» عن زوجها الأخير، رجل مسن كانت تظن أنها ستعيش فى كنفه ما تبقى من عمرها، لامها أبناؤها الكبار على الزواج فى سن كبيرة، لكنها أصرت على إتمام الخطوة ربما تنجو من آلامها وأحزانها وهى معه: «الناس لامونى قالوا لى ده راجل كبير مش قد الجواز، طلع مقطع السمكة وديلها، سبت له البيت وخدت معايا شنطة بلاستيك فيها 13 ألف جنيه، فلوس جمعيتى اللى قبضتها، اتنقلت من رصيف للتانى والشنطة البلاستيك مابتفارقش إيدى، لحد ما فى يوم صحيت ملقتش الشنطة، مشيت أصرخ فى الشارع زى المجنونة، الظابط ما صدقش إن معايا الفلوس دى كلها، فكرنى مجنونة وقالى بطلى يا ست انتى بدل ما أمشيكى من المنطقة خالص».
التزمت «فتحية» الصمت طويلاً، خارت قواها على الرصيف، تكوم لحمها كجبل رمال، ومع ارتفاع حرارة الجو التصق جلدها بالأرض، فاحت منها رائحة كريهة، وأصبحت مصدر قلق وإزعاج استدعى اتصال أحد رواد مسجد السيدة نفيسة بوحدة الإنقاذ السريع التابعة لوزارة التضامن وعلى الفور جرى نقلها إلى دار الرعاية.
امرأة مسنة منهكة القوى، تدخل الدار محمولة على أيدى ثلاثة رجال، جسدها واهٍ ولحمها مترامٍ على الكرسى المتحرك، شعرها أشيب مجعد ومقلتاها منتفختان من طول البكاء، هكذا كانت هيئة «فتحية» عندما دخلت الدار، استقبلتها دعاء خالد، الأخصائية الاجتماعية، وبذلت معها جهداً كبيراً حتى تعرف قصة حياتها وسبب نومها فى الشارع: «هى مشكلتها مع أزواجها، اتجوزت كتير، وعانت مع كل واحد فيهم من مشكلات كتير، مرة اتجوزت عراقى وسافرت معاها، ومرة اتجوزت واحد من دين غير دينها وماكملتش معاه، وآخر مرة اتجوزت واحد كبير فى السن ولما خانها سابت له البيت ومشيت».
هاتف صغير كان بحوزتها، قاد فريق البحث داخل الدار إلى التعرف عليها: «لقينا معاها تليفون مكسر، فكرناه لعبة أو عِدة مش شغالة، ولما حطيناه على الشاحن اشتغل وظهر لنا آخر أرقام هى اتصلت بيها، وكان من بينهم ابنها». وحسب رواية «دعاء»، لدى «ماما فتحية» كما تلقبها، ثلاثة أبناء، اثنان يعيشان فى الإسكندرية والثالث يعمل ويعيش فى القاهرة: «بعد تواصلنا معاهم عرفناهم إن والدتهم عندنا فى الدار، قالوا لنا إنهم بقالهم فترة بيدوروا عليها، لكن حتى الآن محدش جه زارها ولا حتى عرض إنه ياخدها عنده».
الثالثة: "منى" ضحية الزواج المبكر: "بفِش غلّى فى التلوين"
عالمها صغير، عبارة عن كراسات تلوين وأقلام وبراية، لا تكف عن التلوين سواء كانت تجلس فى غرفتها منفردة أو فى الصالة وسط السيدات، كأنها تريد أن تصبغ دنيتها بألوان مبهجة، بابتسامة عريضة تكشف عن أسنانٍ غير متساوية، تمسك بإحدى كراساتها وتسأل بفخر وكأنها تعرف الإجابة مسبقاً: «إيه رأيك فى التلوين ده؟».
هى منى أحمد موسى، 65 عاماً، تبدو من الوهلة الأولى اجتماعية، متفائلة، خفيفة الظل، ضحكتها لا تفارق وجهها حتى لو لم يكن أحد فى صُحبتها، تخرج من غرفتها مع شقشقة الصباح وشروق الشمس وتعود إليها عندما يغالبها النوم لترقد على سريرها دون أن تعكر صفو أيامها بالتفكير فى الماضى، بدون قصد أخذتها فى المساحة التى لا تريدها، سبرت أغوار ماضيها، ذكرتها بابنتها «إنجى» التى اُختطفت من بين أحضانها، نكأت جرحاً قديماً.. فسالت دموعها.

«أنا من مركز فاقوس فى الشرقية، أهلى جوزونى صغيرة لواحد أكبر منى بكتير، كان متجوز وعنده عيال وقعدت معاهم فى بيت العيلة، ضربونى وعذبونى وبهدلونى، كانوا بينادونى بـ(يا هبلة)، وأنا كنت صغيرة وما بسيبش لحد كلمة، لما كان حد يكيدنى فى الكلام أرد عليه من حمقتى، بس فى آخر اليوم أعيط وتصعب عليّا نفسى». رُزقت «منى» بطفلة سموها «إنجى»، كانت بمثابة قطعة السكر التى جاءت لتحلى أيامها، هكذا اعتقدت قبل أن تؤخذ الطفلة الصغيرة من بين أحضانها بينما يُلقى بها فى الشارع: «حرمونى من بنتى، خدوها وأنا ماشبعتش منها، مشيت فى الشارع بالهدوم اللى عليّا، ركبت القطر وفى أول محطة نزلت قعدت فى الشارع، وكل فترة أركب قطر أو أوتوبيس وأنزل فى أى مكان من غير ما أعرف ده فين وأفرش وأقعد، وأهل الخير بيساعدونى بأكل، فلوس، هدوم».
انتقصت «منى» من حكايتها الكثير، ما زال فى خزانة ذكرياتها مآس وأحزان عاشتها، لكن يبدو أنها تخشى الاقتراب منها، حتى لا تسقط القشرة الواهية التى تسند روحها، سألتها عن حياة الشارع، أين عاشت وكيف نامت ولماذا لم تفكر فى العودة إلى أهلها فى الشرقية؟ فكان ردها: «إيه رأيك فى الرسمة دى؟».
ذات صباح وبينما أشهرت سامية عبدالحفيظ دار الرعاية، وأكملت إجراءات ترخيصها لبدء استقبال السيدات المشردات، جاءتها «منى» لتكون أول نزيلة، امرأة فى العقد السادس من عمرها، تبتسم دائماً وكأنها تريد أن تصدر صورة أخرى مناقضة لما يدور بداخلها، ما زالت «سامية» تتذكر ذلك الظرف الكبير الذى كانت تخفيه «منى» تحت إبطها وتظهر منه أوراق بيضاء، ظنت فى البداية أنها أوراق ثبوتية، لكنها عندما فتحته وجدت كراسات تلوين وأقلام: «منى دى فاكهة الدار، على طول مبتسمة ومعندهاش مشكلة مع أى حد، طول الوقت شاغلة نفسها بالتلوين ولما حد ييجى يزورنا من المتطوعين بيجيب لها هدايا عبارة عن ألوان وكراسات تلوين، هى الوحيدة اللى مفيش أى حد بيسأل عليها من أهلها، حاولنا نوصل لهم بشتى الطرق وفشلنا، محدش يعرف عنها أكتر من اللى قالته، وأكيد عندها تجارب مؤلمة من حياة الشارع ما حكتش عنها حاجة».
وكشفت «سامية» عن إصابة «منى» بجلطة فى قدمها، تجعلها منتفخة وشديدة الاحمرار ولا تقدر على المشى إلا باستخدام كرسى متحرك: «محتاجين نعمل لها أشعة عشان نشوف تأثير الجلطة وصل لفين ونشوف هل محتاجة أدوية معينة أو علاج طبيعى».
الرابعة: "آمال".. الباحثة عن مأوى: "السكر هدِّنى"
صراخ يدوى من داخل غرفة تقع فى آخر الدار، بابها الموارب يكشف عمن بداخلها، طفلان صغيران لا يتعدى عمر أكبرهما الـ6 سنوات وفتاة شابة فى مقتبل العمر، هم أفراد أسرة آمال إبراهيم عوض الله، التى تعانى من قدم سكرى وترقد فى تلك الغرفة فاقدة القدرة على الحركة.
تتلوى السيدة فى فراشها، تتأوه من شدة الألم، تساقط الجلد واللحم عن ساقها وبقى العظم مكشوفاً، مجسداً معاناتها مع ثالوث المرض والفقر وقلة الحيلة. جاءت «آمال» من مدينة رأس سدر فى جنوب سيناء، للكشف وتلقى العلاج فى المعهد القومى للسكر والغدد الصماء، هلع الطبيب من منظر ساقها واندهش من قدرتها على التحمل والانتقال من بلدتها، مؤكداً عليها أن تبقى فى القاهرة لحين توفير سرير لها فى المعهد فحالتها تتطلب تدخلاً جراحياً عاجلاً.

خرجت من المعهد متكئة على ذراع ابنتها الوحيدة. تجز بأسنانها على طرف جلبابها لتكتم أنينها عن المارة، وحفيداها الصغيران متعلقان بجلباب والدتهما، جلس الأربعة على رصيف معهد السكر بينما تحاول الابنة البحث عن مأوى مؤقت لصعوبة السفر إلى رأس سدر ثم العودة إلى القاهرة، فحالة أمها لن تتحمل ذلك: «ناس ولاد حلال دلونا على الدار وكلموا مدام سامية عشان تستضيفنا كلنا، لحد ما أمى تكمل علاجها وبعدين نرجع».
هى وابنتها أرملتان ليس لهما أحد فى القاهرة، حسب «سامية» التى رحبت باستضافتهما ووفرت للأم المريضة رعاية كاملة: «وفرنا لها جهاز vac بيساعد على التئام الجروح، من خلال شفط السوائل المتجمعة فى الجرح، اتبرع بيه أهل الخير، وكمان وفرنا لها طبيب يتابعها فى الدار، ولما تكمل علاجها وتعمل العملية وتخف هترجع بلدها».
الخامسة: "فايزة".. لا سحر ولا شعوذة
تبدو هى الأغرب بين النزيلات، تتلفت يميناً ويساراً لتتابع كل شاردة وواردة، تجلس بين سيدات الدار واضعة كمامة على وجهها، تخفى ملامحها لكن عيناها تفضحان خوفها من شىء ما، فايزة إمام، 60 عاماً، تبدو هيئتها سوية ومهندمة، ترتدى ملابس نظيفة، وكأنها لم تكن يوماً مشردة على أحد أرصفة مدينة حلوان.
لا تكون فى أفضل حالاتها عندما يكون هناك زوار، فهى دوماً تخشى العدوى وتبرر ارتداءها الكمامة بخوفها من «أعمال السحر» التى تدبر ضدها، وفى اعتقادها أن زوجها وابنها يحيكان لها مثل هذه الأعمال لإصابتها بأوجاع القدم فلا تقدر على الحركة أو المشى، حتى إنها وحسب روايتها رفعت دعوى قضائية على ابنها تتهمه فيها بمحاولة إيذائها بالسحر.

تتقاضى «فايزة» معاشاً شهرياً، ولديها شقة كانت تعيش فيها قبل أن تتركها وتعيش فى الشارع، وحسب «سامية»: «فايزة جات لنا من التدخل السريع، لقوها قاعدة فى شارع فى حلوان، ومن ساعة ما جات وهى عايزة تمشى، مرة تقول أروح أقبض المعاش، ومرة تقول هروح أتصرف فى الشقة وآجى»، مؤكدة أنها حاولت الوصول إلى أهلها سواء زوجها أو أحد من أبنائها لكنها رفضت متعللة بأنهم يحاولون إيذاءها: «بتقول بيعملوا لى أعمال توجع الرجل، مسيطر على دماغها قوى فكرة السحر والأعمال، وأول يوم جات فيه ماكانش عندها ثقة فى الناس اللى شغالين هنا وكانت بتخاف تاكل وتشرب، لحد ما بدأت تعرف الناس وتثق فيهم»، لافتة إلى أنها تزوجت 3 مرات، الأول والثانى توفيا والثالث تطلقت منه.
السادسة: انفصام "رشا": "الصبح هادية.. وبالليل ما تعرفنيش"
بين الملفات المرتبة بعناية فى خزانة الدار، التى تحوى البيانات الخاصة بالنزيلات وأماكن العثور عليهن ومحاضر تسلمهن وتقاريرهن الطبية، برز ملف مدون عليه اسم رشا حسين صادق، يحوى معلومات مهمة عن نزيلة بالدار، جاءتها عن طريق وحدة الإنقاذ السريع وأقامت فيها شهراً واحداً وبعده حدث ما لم يتوقعه أحد، ليكشف هذا الملف عن قصة أشبه بالقصص الدرامية التى تنضح فى خيال المؤلفين.

الاسم: «رشا حسين صادق»، السن: 45 عاماً، الحالة: مشردة عُثر عليها فى شارع رمسيس ولا تعانى من أى أمراض ظاهرية، وفور دخولها الدار تَجَهز فريق الإنقاذ لإتمام مراسم الاستقبال من تحميم وتلبيس وتهذيب شعر وقص أظافر، ثم مرحلة تعديل السلوك التى تستغرق وقتاً أطول، تحكى «سامية» أن «رشا» فى البداية كانت تبدو طبيعية أكثر من السيدات الأخريات، هادئة، شحيحة الكلام، لا تفتعل الشجار مع أحد، وكانت دائماً ما تدين بالفضل لمسئولة الدار عندما يهاجمها أحد بقولها: «كتر خيرها اللى لمانا من الشارع».
أيام معدودات وتبدل حال «رشا»، هدوؤها تحول إلى عصبية، كلامها القليل أصبح ثرثرة، ودفاعها عن الدار صار سباً وقذفاً فى حق النزيلات، لم تكتف بذلك بل كانت تقف فى شرفة الدار وترهب الأطفال فى الشارع بالنظر إليهم بعينين جاحظتين وهى تشير بعلامة الذبح. ساد القلق والتوتر أرجاء الدار، انكمشت السيدات وتوقفت الفعاليات من حفلات وأنشطة وغيرهما لحين عرض «رشا» على طبيب نفسى، الذى أثبت بعد الكشف والفحص والجلسات أنها تعانى من انفصام فى الشخصية وأن وجودها فى الدار أصبح خطراً على النزيلات.
كان لزاماً أن تغادر الدار وترقد فى مستشفى الصحة النفسية بالخانكة لتلقى العلاج على أن تعود بعد التعافى: «لما ظهرت عليها أعراض غريبة، اتصلت بأختها واستفسرت منها عن حالتها النفسية وبعدها عرضتها على طبيب نفسى ومخ وأعصاب، وبعد ما كشفوا مرضها النفسى دفعت لها اشتراك شهر فى مستشفى الخانكة ولو بقت كويسة هرجعها حسب تعليمات الأطباء».