دينا عبدالفتاح تكتب.. ما زال العمل الإداري يسيطر!
دينا عبدالفتاح تكتب.. ما زال العمل الإداري يسيطر!
كما حكى لنا التراث.. أن يوماً كان هناك والٍ على مدينة أمر فى مكان ما بوضع «زير» ليشرب منه الناس.. ونفذ وزيره الأمر واشترى زيراً ووضعه فى المكان المطلوب.. وبعد فترة مر الوالى على الزير بالصدفة وسأل وزيره ما هى أحوال الزير؟!
قال له الوزير نحن دائماً فى تطور وأنشأنا إدارة متكاملة تحت اسم «إدارة عموم الزير».. فتعجب الوالى وقال لماذا؟!!.. رد الوزير وقال تشتمل الإدارة على مراقب على الساقى الذى يأتى بالماء للزير.. ومسئول عن عهدة الساقى.. ومحاسب لكى يحصل منه الساقى على راتبه.. ومدير عام لكى يضمن سريان عملية ملء الزير بالشكل الأمثل!
فى هذه الحكاية التراثية أود الحديث عن أمرين ما زلنا نعانى منهما إلى الآن؛ العنصر الأول وهو البطالة المقنعة فى الكثير من الأجهزة وزيادة عدد الموظفين والوحدات الإدارية بشكل لا يتناسب مع المهام المطلوبة منها.. وهذا الأمر لن أستفيض فيه فقد قتل بحثاً.. وسارت فيه الدولة خطوات جادة بتحديد أعداد الموظفين ومنع التعيينات الجديدة والإصلاح الإدارى الذى يشرف عليه رئيس الوزراء شخصياً.
أما الأمر الثانى والذى لا يرتبط بالحكومة وحدها وإنما يرتبط بنا كمواطنين.. وهو رغبتنا فى أن نجد لأنفسنا أى موقع عمل بداخل «إدارة عموم الزير».. وهنا أقصد الأعمال الإدارية التى غالباً لا ترتبط بتقديم منتج معين أو خدمة معينة ولكنها ترتبط بـ«التخديم» على الأعمال الإنتاجية الحقيقية.
بمعنى أن الجميع عندما ينهى دراسته العلمية يبحث أولاً عن الوظيفة المكتبية.. المتعلقة بمباشرة العمل الإدارى.. وأن أغلبنا لا يفضل العمل الفنى أو المنتج.. أى لا يفضل الذهاب للمصانع أو مواقع إنتاج الخدمات.
وتفضيل العمل الإدارى أو حتى العمل التجارى الذى يأخذ أغلبه الطابع الإدارى غير المنتج يؤدى إلى تعدد قنوات البيع التى يمر بها المنتج الصناعى أو الخدمى وصولاً للمستهلك النهائى.. وهذا الأمر له تأثيرات بالغة الصعوبة على الاقتصاد والمواطن معاً.
فمن ناحية يؤدى تعدد قنوات البيع التى يمر بها المنتج إلى ارتفاع السعر النهائى.. فعلى سبيل المثال فى حالة شرائك لمنتج من المصنع نفسه تجده بسعر وفى حالة شرائه من تاجر جملة تجده بسعر أكبر وفى حالة شرائه من تاجر تجزئة تجده بسعر أكبر من السعرين السابقين.. وبالتالى تعدد القنوات التجارية يرفع الأسعار ويخفض من القدرات الشرائية للمواطن.
كما أن تعدد الأعمال التجارية والإدارية واتجاه الأفراد إليها يقلص من الفئة المنتجة فى الاقتصاد، وبالتالى تتأثر قطاعات الاقتصاد الحقيقى وبالتحديد الصناعة والزراعة، نتيجة غياب الفنيين والمزارعين وتوجه الأفراد للأعمال الإدارية.
وهنا قد تجد مليون فرد يعملون بالنشاط الصناعى كعمل فنى مباشر يرتبط بخروج منتج صالح للاستهلاك إلى النور، بينما تجد 5 ملايين عامل يعملون فى تسويق المنتج وإدارته وبيعه وخدمة ما بعد البيع وغيرها من القنوات، الأمر الذى يحجم من الإنتاج الصناعى ويرفع من الأسعار ويخفض من تنافسية المنتج المصرى فى السوقين المحلى والخارجى.
لذا علينا عندما نفكر لأبنائنا أو لأنفسنا -إن كان هناك إمكانية للتعديل- أن نفكر فى الأعمال الفنية أولاً لأنها الأكثر طلباً والأكثر ارتباطاً بالخبرة والأعلى تحقيقاً للدخل المستقبلى.. وعلى مستوى التخصصات العلمية يوجد التخصص الفنى فى كليات الهندسة والحاسبات والذكاء الاصطناعى والتكنولوجيا والتعليم الفنى والتعليم الصناعى والزراعة على حساب الكليات التى ترتبط أكثر بالنمط الإدارى للعمل مثل كليات التجارة والحقوق.
وينبغى أن نبنى ثقافة لدى أبنائنا تعتمد على اكتساب الخبرة الفنية فى تخصص معين ثم بناء مشروع فى نفس التخصص.. فالصانع المتعلم تعليماً جيداً هو أفضل من يقوم بالاستثمار الصناعى.. والمهندس الزراعى أفضل من يقوم بالاستثمار الزراعى.. لأن هذه الفئات يتوافر لديها المعرفة الفنية الكافية وينقصها فقط اتخاذ القرار بالاستثمار والمغامرة. وتوسيع نطاق الحلم.. فلكى نتمكن من تحقيق إنجازات كبيرة علينا أن نحلم أحلاماً كبيرة.