«الوثائق السرية» لـ«تل أبيب» تكشف: كواليس أيام «الدم والثأر»

كتب: محمد مجدى

«الوثائق السرية» لـ«تل أبيب» تكشف: كواليس أيام «الدم والثأر»

«الوثائق السرية» لـ«تل أبيب» تكشف: كواليس أيام «الدم والثأر»

كشفت لقاءات «المشاورات»، التى أجرتها رئيسة الوزراء الإسرائيلية إبان حرب أكتوبر 1973، مع قيادات الجيش الإسرائيلى بقيادة موشيه ديان، وزير الدفاع، ودافيد إلعازار، رئيس الأركان، حجم التقديرات الإسرائيلية الخاطئة تجاه حرب أكتوبر المجيدة، واستهانتهم برجال قواتنا المسلحة، ثم حجم الخسائر الضخمة التى لحقت بهم.

وكانت التقديرات الإسرائيلية قبيل الحرب، كما تحدث «ديان»، فى محضر المشاورات، والذى ظل تحت بند «سرى للغاية» فى أرشيف الجيش الإسرائيلى لما يقترب من نصف قرن من الزمان، أن القوات الإسرائيلية الموجودة على «الجبهة» ستستطيع التصدى للجيش المصرى، وأن الرئيس المصرى الراحل أنور السادات، لا يريد الحرب لأنه يعلم أنه «سيخسر»، كما كان يتصور قادة الجيش الإسرائيلى قبل بدء الحرب.

ساعات ما قبل «الحرب»: القادة الإسرائيليون يخاطبون بعضهم بـ«أسماء دلع» فى اجتماع رسمى.. و75% من الجيش فى إجازة

تُسجل الوثائق الإسرائيلية «السرية للغاية»، التى قُدمت إلى لجنة التحقيق الإسرائيلية فى الحرب «لجنة أجرانات» وأزيلت السرية عنها مؤخراً، نجاح أجهزة المخابرات المصرية فى إخفاء نية الهجوم قبل بدء العمليات بوقت كبير وفق خطة الخداع الاستراتيجى المصرية فى تحقيق عنصر المفاجأة؛ فحينما تأكد الجانب الإسرائيلى من نية مصر لشن الهجوم صبيحة «يوم الغفران»، وهو يوم عيد دينى إسرائيلى يُؤخذ كيوم «إجازة رسمية»، لم تستطع رئيسة الوزراء الإسرائيلية التواصل سوى مع 3 من وزراء حكومتها، والباقون كانوا «فى إجازة»، حتى استطاعوا التواصل معهم فى وقت لاحق.

أول الاجتماعات، وسُجل فى الوثائق الرسمية الإسرائيلية باعتباره «محضر مشاورات مع رئيسة الوزراء»، جرى فى تمام الساعة الثامنة و5 دقائق صباح يوم «6 أكتوبر»، وشارك فيه كل من «جولدا ميئير»، و«ديان»، والفريق دافيد إلعازار، رئيس الأركان، واللواء إلياهو زعيرا، رئيس المخابرات العسكرية، والفريق تسفى تسور، مساعد وزير الدفاع، والوزير يسرائيل جاليلى، ونائب رئيس الوزراء الإسرائيلى يجال ألوان، الذى انضم للاجتماع فى وقت لاحق.

تحدث «ديان»، فى أول الاجتماعات، عن وضع «عرب الضفة وغزة»، فى ظل نية مصر وسوريا شن هجوم، لم يُؤكد بعد تجاه إسرائيل، ليتحدث عن ترك الوضع على ما هو عليه، وعدم منعهم من الذهاب للعمل، مضيفاً: «وإذا أرادوا الهروب؛ فليهربوا»، كما تحدث عن إجلاء الأطفال من هضبة الجولان، وجنوب سيناء، والنساء أيضاً إذا رغبوا فى الرحيل.

ويشير وزير الدفاع الإسرائيلى إلى أن الأمريكيين لا يرون حتى الآن، يقصد فى الثامنة من صباح يوم 6 أكتوبر 1973، أن هناك «تأهباً للحرب»، وأنهم ليس لديهم تفسير عن «ترحيل عائلات الروس» من مصر وسوريا، مشيراً لأهمية إجراء «مناظرة مخابراتية» مع «واشنطن» حول موضوعات كثيرة، لتُعقب «جولدا ميئير»، بأنها طلبت إرسال برقية إلى «شاليف»، وهو مفوض السفارة الإسرائيلية بواشنطن، بأن «سيمحا» السفير الإسرائيلى لدى أمريكا، سافر الليلة، وطلبت وضع الترتيبات للاتصال بمسئولى البيت الأبيض فى أى وقت عند الحاجة.

موشيه ديان: هناك تأهب لـ«حرب».. وتبادل مكثف لـ«برقيات مشفرة» بين مصر وسوريا

واستعاد «ديان» أطراف الحديث، قائلاً إن ترحيل الروس من مصر وسوريا يجرى «على قدم وساق»، مشيراً إلى أنهم «يُرحَّلون بالآلاف»، ومن الضرورى القيام بمحاولات للتوافق مع الأمريكان مخابراتياً، كما وجد تبادل مكثف لـ«برقيات مُشفرة» بين مصر وسوريا، وبين مصر والأردن.

وشدد وزير الدفاع الإسرائيلى على جاهزيتهم لقصف الرادارات الأردنية حال بدء عملها، ملوحاً إلى قدرتهم على تدمير هذا الرادار خلال «5 دقائق فقط»، مؤكداً أهميته لمصر، وأن «القاهرة» تضغط على ملك الأردن بشأنه.

وتحدث «ديان» عن إمكانية شن «ضربة وقائية» لإجهاض الهجوم «المصرى - السورى» عليهم، قائلاً: «لن نستطيع توجيه ضربة وقائية حتى لو قبل الهجوم بخمس دقائق.. هذا مستحيل».

سنجلى الأطفال من الجولان وجنوب سيناء

وتابع: «لو حدث وكانت مصر هى البادئة وحدها، سيكون فى مقدورنا أن نضرب سوريا أيضاً»، مضيفاً: «مبدئياً، إذا لم يبدأوا هم بإطلاق النار؛ فلن نُطلق النار».

ويلفت «ديان» إلى وجود قرابة 300 دبابة إسرائيلية فى سيناء، و180 دبابة فى هضبة الجولان، مشيراً إلى أن رئيس الأركان الإسرائيلى دافيد إلعازار، الذى تحدث عنه بـ«اسم دلع»، حين قال «دادو»، يريد التعبئة العامة، لكنه يريد أن يستدعى احتياطى سلاح الطيران، وفرقة مدرعة فى الجولان وسيناء بما يُناهز قرابة 60 ألف مقاتل، مشيراً إلى أن «التعبئة» يُمكن أن تكون حقيقة فى الساعة السادسة مساء يوم 6 أكتوبر 1973، وأنهم فى حاجة لمزيد من الدبابات فى الجولان وسيناء، وأنهم يجب أن يتأهبوا، لكن لا داعى للتأهب على الجبهة الأردنية.

دافيد إلعازار: أغلب الجيش لن يكون جاهزاً للقتال.. وقواتنا تستطيع «صد الهجوم» لكن نريد الهجوم المُضاد

وهنا التقط رئيس الأركان الإسرائيلى أطراف الحديث، متحدثاً عن رئيس «الموساد» بـ«اسم دلع» أيضاً، حين قال عن تسفى زامير «تسفيكا»، مشيراً إلى وجود تحذير مقتضب جداً من «عميل تسفيكا» عبر برقية، مضيفاً: «لو هاجموا خلال 10 ساعات؛ فنحن متأهبون لأقصى درجة فى الجيش النظامى»، ولكن لم يتم استدعاء أى احتياط بعد، موضحاً أن الجيش الإسرائيلى مكون من 25% قوات نظامية، و75% قوات احتياطية، مضيفاً: «ونتيجة لذلك يجب زيادة عدد القوات فوراً، ونحن فى حاجة إلى 24 ساعة على الأقل من أجل استدعاء الاحتياط».

«إلعازار»: الهجوم لو حدث سيتم 6 مساءً 

وقال «إلعازار» إنه يحتاج 200 ألف رجل عبر «التعبئة العامة»، وليس 60 ألفاً فقط كما يريد «ديان»، مشيراً إلى أنه حال طلب التعبئة الآن، يقصد 8 صباح يوم «6 أكتوبر» سيكونون مستعدين للقتال صباح أو ظهيرة يوم «7 أكتوبر».

ورأى رئيس الأركان الإسرائيلى أنه فى الوضع الحالى لقواته دون «قوات احتياط» فإنه فى مقدورهم «صد الهجوم»، ولكن موقفهم سيكون «دفاعياً»، فى حين أنه حال استدعاء الاحتياطى؛ فسيكون هناك قدرة على الصد، والتحول إلى «هجوم مُضاد».

وأوضح أنه فى حال بدء الحرب قبل استدعاء الاحتياط؛ فإن ذلك سيقلل من معدل «سرعة التهيئة»، كما أن التعبئة وتحرك القوات ليلاً ستجعلها مكشوفة بشكل أقل، وهو أفضل كثيراً.

«زعيرا»: «السادات» غير مضطر لدخولها لعلمه بأنه سيخسر لكن مصر وسوريا فى وضع هجوم

واقترح الإعلان عن «التعبئة» ليعلم العرب أنهم «فقدوا ميزة المفاجأة»، لكن من جانب آخر ستدين التعبئة إسرائيل، وسيقول العرب إننا «أعلنا التعبئة كى نشن حرباً»، لكن فليقولوا ما يقولون، مقابل أن نحقق النصر، فيما قال إن «الضربة الوقائية» ستكون «ميزة هائلة»، ولديه يقين أنهم سينجحون فيها، ثم ينتقلون إلى الهجوم باعتبارهم اتخذوا قراراً سليماً بـ«حرب جادة».

وافترض «إلعازار» أن تكون نية الهجوم فى الساعة السادسة مساءً وليس 2 ظهراً كما حدث، مشيراً لوجود وقت للحديث مع الأمريكان لإقناعهم بأن العرب يريدون مهاجمة إسرائيل، معتبراً أن الهجوم سيكون مكسباً للعرب لوجود «عنصر المفاجأة»، ويحتمل حتى الظهيرة أن يتأكد الأمريكيون من الهجوم المؤكد، ليصبح فى مقدور إسرائيل «توجيه ضربة وقائية»، مشيراً للقدرة على اختراق القوات الإسرائيلية ومهاجمة أهداف كبرى.

وهنا التقط الفريق تسفى تسور، مساعد وزير الدفاع، أطراف الحديث معرباً عن خوفه من إصابة الاقتصاد الإسرائيلى بالشلل حال إعلان «التعبئة العامة»، وأن الأمور الروتينية ستتعطل، وتحدث رئيس المخابرات العسكرية، قائلاً إن القوات المصرية والسورية فى وضع يمكنهما من شن هجوم فى أى لحظة؛ حيث إن قوات المقدمة جاهزة للدفاع والهجوم، مع وجود دلالات أن القوات «فى وضع الهجوم».

كما تحدث رئيس الأركان الإسرائيلى، مشيراً لدفع السوريين بالمدفعية متوسطة المدى، ما يعنى أنهم فى «وضع هجومى»، وليس «دفاعياً»، ليعود اللواء إلياهو زعيرا، رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية، للحديث ليقول، إنه على الرغم من الاستعداد؛ فإن السادات ليس مضطراً لخوض الحرب حالياً، مضيفاً: «كل شىء جاهز لديه، لكن ليست الضرورة للحرب، كما أنه يعلم أن ميزان القوى لم يتحسن».

وتتحدث «جولدا ميئير»، لتتساءل: «لقد سبق أن حدد تواريخ، وأصدر تصريحات، هل الأمر مختلف هذه المرة؟»، ليرد «زعيرا» أن الأمر مختلف لأنه لم يصدر بعد أوامر الهجوم، وربما يتراجع فى اللحظة الأخيرة، مطالباً بالتأثير على السادات عبر إعلان التعبئة، وإخباره بواسطة الأمريكيين أنهم يعلمون نيته للحرب ويحذرونه من ذلك.

وتحدث رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية، قائلاً إن الوضع مختلف عن 1967، وأنه متأهب، لكن يستحوذ عليه شعور بأنه سيخسر، ليتحدث «الوزير جاليلى»، ويقول إن «عميل تسفيكا» يقول إن تسريب معلومات عن الحرب سيجهضها، ومن ثم يمكن إعلان كل المعلومات لديهم، دون إعلان معلومات تبديل أماكن مقر الرئيس ومساعديه.

مساعد وزير الدفاع: الاقتصاد سيُصاب بـ«شلل» حال إعلان التعبئة العامة

وتحدث المشاركون فى الاجتماع عن إبلاغ أمريكا بنية مصر وسوريا للهجوم، ورفضوا إبلاغ دول أخرى، ووافقت «ميئير» على إعلان التعبئة بلا تردد، مشيرة إلى أن العالم لن يصدق إسرائيل إذا وجّهت ضربة وقائية وتحدثت عن نية للهجوم.

ووجّه «ديان» بعدم تنفيذ عمليات استطلاع جوى لدى الجبهة المصرية لكى لا يقال إنهم بدأوا الحرب، وتحدثت رئيسة الوزراء عن إبلاغ الهولنديين والإيطاليين وآخرين عن تحركاتهم، ثم يتم طلب إبلاغ الأمريكان فقط وهو ما يتم.

وقال رئيس الأركان إن التعبئة الجزئية ممكنة لكن مع استدعاء 4 فرق مدرعة، وكل احتياطى الطيران، مشيراً إلى أن جميع فرضياته كانت تقوم على بدء الحرب فى الساعة السادسة مساءً.

وتحدث «ديان» عن رغبتهم فى نصف العدد الذى يتحدث عنه رئيس الأركان، بأن يستدعى قرابة 60 ألفاً، لأنه يضع فى الحسبان احتمال «عدم شن حرب»، وتحدث رئيس الأركان عن ضرب دمشق فى حال تقدم السوريون إلى الجولان، لتتحدث «ميئير» بأنه لو نشبت حرب لا بد أن تكون بأقل خسائر، ثم تم اختتام الاجتماع بإعلان التعبئة العامة وفق اقتراح رئيس الأركان.


مواضيع متعلقة