أنامل تحمل البركة.. «صبحى الطيب» آخر صانعى «الكسوة»

كتب: آية المليجى

أنامل تحمل البركة.. «صبحى الطيب» آخر صانعى «الكسوة»

أنامل تحمل البركة.. «صبحى الطيب» آخر صانعى «الكسوة»

تجاوز الثمانين من عمره، وما زال «صبحى الطيب» يجلس بين تلامذته «الأسطوات» يورّثهم خبراته فى المهنة التراثية كأب حنون، فيما تلتقط أصابعه أحياناً تلك الأوتار الذهبية لينسج بها لوحاته الفريدة، منسجماً مع ذكريات الماضى عندما كان يصنع كسوة الكعبة التى شارك فى حياكتها وتطريزها على مدار سنوات طويلة إلى أن توقفت، إلا أن حبه لمهنة «التقصيب» لم يتوقف، فواصل العزف على لوحاته بأوتاره الذهبية داخل ورشته العتيقة التى تصل إليها عبر شوارع وأزقة خلف الجامع الأزهر فى القاهرة القديمة.

فى عام 1955 كان «صبحى» لا يتجاوز الـ17 عاماً حين ذهب مع والده الذى شرف بحياكة كسوة الكعبة مع أمهر الصنايعية داخل دار الكسوة بالخرنفش، على مدار سنين طوال، وقتها بدأ الابن مساعداً لوالده. وقال لـ«الوطن»: «كنت باجمع الخيوط وألضم الإبر أو أعمل الحشوات».

على مدار عدة أشهر، يجتمع العاملون بدار الكسوة لأجل حياكة أطهر كسوة فى العالم. يصف «صبحى» الأجواء التى كانت سائدة: «كنا بنشتغل بحب وفخر، إحنا بنصنع كسوة الكعبة وهتتحط على أحسن وأشرف مبنى فى العالم».

قماشها حرير وستان طبيعى وآياتها بالخيوط الذهبية.. ومهنتنا كانت مهمة مقدسة

مراحل متعددة لا تخلو من التفاصيل الدقيقة لأجل حياكة الكسوة والانتهاء منها قبل موسم الحج، يسردها «صبحى»، بداية من اختيار قماش الكسوة من الحرير والستان الطبيعى، ثم الخيوط الذهبية لكتابة الآيات القرآنية التى اتسمت بالدقة الشديدة، إذ يُرسم تصميم الآية على ورق شفاف، ثم يجرى ثقبه بطريقة دقيقة ووضعه على القماش، وتليها مرحلة رش الحبر فوق الثقوب، ومن ثم تبدأ مرحلة الحشو التى يقوم بها القصبجى، لحياكة الثقوب المرسومة على القماش بالخيوط الذهبية.

بمجرد أن تنتهى المهمة المقدسة فى حياكة الكسوة، وفقاً لـ«صبحى» تبدأ تجهيزات نقلها على المحمل الشريف، استعداداً لحفظها فى كشك المحمل بميدان القلعة، ثم إقامة احتفالات ضخمة تشهدها الجموع لرؤية خروج الكسوة من الدار: «الناس بتقف بالصفوف تتفرج عليها فى منتهى الاعتزاز، وجلالة الملك ورئيس الوزراء وكبار رجال الدولة كانوا بيشاركوا فى الاحتفالات».

يذكر «صبحى» جيداً تلك المرة التى رأى فيها الملك فاروق مشاركاً فى الحفل المهيب: «الكلام ده كان سنة 1951، وكان واقف قدام الجامع الأزهر، وقتها كنت صغير فى السن بس كنت قريب منه».

اشتغلنا القطعة الأخيرة سنة 1962.. وخبر الاحتفاظ بها فى متحف القلعة وقع علينا كالصاعقة

من عام إلى آخر استمرت الدار فى حياكة الكسوة حتى جاء عام 1962، ليصنع العمال القطعة الأخيرة من الكسوة.. فى بداية الأمر لم يعلم أحد بهذا النبأ الحزين: «كنا شغالين عادى زى كل سنة وفاكرين الموضوع مستمر»، حتى وقع الخبر علينا كالصاعقة حين تم الاحتفاظ بالكسوة الأخيرة داخل متحف القلعة: «لما عرفنا أنها آخر مرة واتصفت، زعلنا كلنا خاصة والدى لأنه شغال فيها من سنة 1910».

ظل قلب «صبحى» معلقاً بأستار البيت العتيق، يحن إلى كسوتها، كلما رأى الكعبة المشرفة خلال تأدية مناسك العمرة، يجلس على مقربة منها متذكراً تفاصيل اشتاق إلى عودتها: «ببقى قاعد مربع بينى وبين الكعبة حوالى 7 متر، بشوف فيها عمر أبويا وزمايله كل حاجة كانت بتتصنّع إزاى، ومين كان مميز فى الزخرفة.. بياخدنى حنين شديد للكسوة ونسيجها».

ورغم توقف المهمة المقدسة، لكن «صبحى» ظل يتمتع بنسمات الخير من اشتراكه فى حياكة الكسوة، فذاع صيته بين رؤساء الدول وأمرائها، باعتباره ضمن المشاركين فى تصميم القطعة الأخيرة بمصر، ففوجئ بطلب سلطان بروناى عام 1992، بمحاكاة باب الكعبة، ليثبت «صبحى» كفاءته من جديد.

قبل قرابة الأربعين، افتتح «صبحى» ورشته الخاصة بمهنة التقصيب خلف الجامع الأزهر، حيث أتى بالعمال وزرع بداخلهم حب المهنة التراثية للحفاظ عليها من الاندثار «إحنا قصبجية ولسة مكملين مش هنوقف.. بنعمل أشكال مختلفة زى أسماء الله الحسنى والصمدية.. شغلانتنا وهنفضل مكملين فيها».

 


مواضيع متعلقة