حكاية القرية المدفونة في الرمال بالوادي الجديد.. «ما زالت عامرة بنخيلها»

كتب: هدير محمود

حكاية القرية المدفونة في الرمال بالوادي الجديد.. «ما زالت عامرة بنخيلها»

حكاية القرية المدفونة في الرمال بالوادي الجديد.. «ما زالت عامرة بنخيلها»

قرية رحل أهلها وظلت وحيدة وسط الصحراء تواجه زحف الرمال، لتحتفظ بذكريات قاطنيها، إنها قرية جناح أو ما يطلق عليها القرية المدفونة، التي تقع في محافظة الوادي الجديد.

على بعد من العاصمة مركز الخارجة بـ 40 كيلو متر، لتدخل في شريط أسفلتي يختفي تارة ويظهر أخرى حتى تجد نفسك في طريق غير ممهد وتظهر من بعيد علامات لمجموعة من المنازل والأراضي الزراعية لتصل إلى أول قرية في مصر غطتها الكثبان الرملية بفعل الرياح. 

عواصف ترابية شكلت الحياة في القرية المدفونة

شكلت العواصف الرملية العنيفة التي تهب على قرية جناح جنوب مدينة الخارجة بالوادي الجديد، كارثة طبيعية أدت إلى أن قرية بأكملها هجرها أهلها مع مرور الزمن، فتجد تلالا من الرمال زحفت على البيوت والمنازل التي هجرها معظم سكانها وظلت بقايا من مزارع المواطنين وأطلال بعض من منازل أهالي القرية التي عفى عليها الزمن. 

آخر ما تبقي من الأهالي 

وقال جمال العو أحد أقارب سكان أهالي القرية المدفونة في تصريح خاص لـ «الوطن»، إن الأهالي كانوا يعيشون في هذه القرية منذ سنوات طويلة ومنازلهم كانت عامرة دائماً بالتجمعات العائلية القديمة والتي توارثوها عن أجدادهم، كانوا يجلسون ليلاً ويتسامرون، على المصاطب المفروش عليها البورش والمصنوع من سعف النخيل وهي موجودة داخل منازلهم في منطقة تسمى «بالملقة»، وهي عبارة عن بهو كبير وسط المنزل، ويجلس عليها أهل المنزل من الرجال ويتحدثون في شئونهم من مشاكل الأراضي الزراعية الخاصة بهم ويبدأون في حلها في تلك الجلسات. 

«عم حسن» آخر مزارع موجود من القرية المدفونة 

وأضاف عم حسن آخر ما تبقى في القرية المدفونة «جناح »، رغم ثقل لسانه وصعوبة التحدث معه، إلا أنه عبر عن نفسه قائلاً إنه يعيش في هذه القرية المهجورة بمفرده ولم يعش أحد فيها حيث هجرها سكانها، عقب أن زحفت عليها الكثبان الرملية وأنهم يأتون إلى القرية فقط لفلاحة ما تبقى من أراض زراعية بالقرية. 

تاريخ القرية المدفونة بناها الرومان

ولفت محمد جابر، مفتش آثار في الوادي الجديد، في تصريح خاص لـ« الوطن» إلى أن تاريخ قرية جناح يرجع إلى العصور الرومانية حيث تمركز سكانها في منطقة تسمى بعين الديب، ويذكر لنا  فرانك بليس عالم الأنثروبولوجيا الألماني، أن القرية القديمة تأسست بين عامي 1730 و1750 من قبل الأبروسي من قبيلة بنو غازي وهذا ما ذكره عمدة القرية والشيخ أحمد نوار رضوان من عائلة الأبروسي، وحتى قبل عام 1800 ميلادية انتقلت المزيد من العائلات من دلتا النيل ومن صعيد مصر إلى الواحات.

وتابع: كما استوطن البعض منهم في جناح القديمة، وقد بنيت قرية جناح على مصدر مياه عين «استخرب» والتي زرعت عليها حقول أشجار النخيل الأكثر انتاجا للتمور في الواحات وذات جودة عالية ويقول السكان المحليون إنه في المساء كانت تتجمع الذئاب لمطاردة الحيوانات الأليفة للقرية وتم تسميتها لأجل ذلك بعين الديب لذلك سميت بهذا الاسم قديماً.

وأوضح، أنه ذكرت اسم قرية جناح لأول مرة منذ حوالي عام 1820 في مؤلفات الإيطالي برناردينو دروفيتي (1776-1852)، الذي اكتشف أنه كان يمكن الوصول إليها بعد ساعة سيراً على الأقدام من منطقة تسمى النسيمة، كما أن البريطاني هوسكينز، الذي زار الواحات في عام 1832، كان أكثر اهتماما بالمواقع الأثرية حول قرية جناح.

وأضاف: ووصف شوارع القرية بإنها كانت صغيرة ومفتوحة من الأعلى أي ليس بها سقائف كما في واحة الخارجة، وغطت ظلال الأشجار والنخيل بعض من أزقتها ودروبها بحيث لم يكن تمر بها الجمال والإبل وهي محملة، وذكر هوسكينز أن تعداد القرية 250 شخصًا، بينهم 50 رجلاً، كان الرجال يرتدون ملابس مصنوعة من الصوف البني المصنوع يدويا، مع أحذية حمراء.

وذكر رسام الخرائط البريطاني هيو جون ليولين بيدنيل  (1874-1944)، الذي كان له أبحاثا في الواحات عام 1898، حيث ذكر أن بالقرية مصدرين رائعين للمياه هما في منطقة عين الاستخراب وعين مقرين، وأن هذه العيون هم الأكثر إنتاجية في الصحراء الغربية وتخرج منها المياه عذبة منذ مئات السنين، إن لم يكن آلاف السنين،  وقدرت كمية المياه آنذاك من هذه العيون من 700 إلى 800 جالون في الدقيقة الواحدة.

وقال جهاد متولي رئيس الوحدة المحلية لمركز الخارجة: محافظ الوادي الجديد اللواء محمد الزملوط قرر إعادة إحياء قرية جناح الجديدة التي تم بناؤها تعويضاً للأهالي عن القرية المهجورة منذ سنوات طويلة، ليتم استغلالها والاستفادة منها، حيث تم توصيل الكهرباء بالقرية بأكملها وجاري طرحها من جديد على المواطنين للاستفادة منها. 


مواضيع متعلقة