مدرسة «واصف» الإعلامية.. من المجتمع إلى «الشاشة» والعكس
مدرسة «واصف» الإعلامية.. من المجتمع إلى «الشاشة» والعكس
تركت الإعلامية فايزة واصف إرثاً إعلامياً واجتماعياً ثرياً لمتابعى برامجها فى التليفزيون المصرى لأكثر من 3 عقود، إذ بدأت مسيرتها الإعلامية بدخول الإذاعة المصرية عام 1963، ثم انتقلت للتليفزيون لتقدم من خلاله برنامج «حياتى»، الذى يعد من أشهر برامج حل المشكلات الاجتماعية، فبرعت بأسلوبها السلس الجرىء فى مناقشة القضايا والمشاكل الاجتماعية عن طريق عرض المشكلة فى شكل تمثيلى فى حلقة مدتها نصف الساعة، مع الاستعانة بعلماء دين وأساتذة علم نفس واجتماع لتفند المشكلة من كل جوانبها وصولاً إلى الحلول، إضافة إلى تقديمها برنامج «حياتى معاك»، وبرنامج «ربيع العمر» الذى يناقش قضايا كبار السن.
وكان للإعلامية فايزة واصف آراء مهمة ووجهات نظر فى كثير من القضايا الاجتماعية، عبرت عنها خلال مسيرتها الإعلامية واللقاءات التليفزيونية، ومن ضمن الموضوعات الاجتماعية التى تناولتها؛ الخرس الزوجى، الذى بينت أن سبب حدوثه هو إساءة استخدام التكنولوجيا الحديثة من أجهزة التليفونات والاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعى فى التواصل بين أفراد الأسرة الموجودين فى نفس المنزل، كما تناولت العلاقات الإنسانية السوية بين أفراد الأسرة والمجتمع، وما الذى يعكر صفوها ويؤدى إلى حدوث المشكلات.
أستاذ اجتماع: البرامج التليفزيونية لها دور كبير فى حماية المجتمع من التفكك الأسرى وزيادة وعى المواطن
ومن أهم الموضوعات الاجتماعية التى ناقشتها فايزة واصف فى أحد لقاءاتها التليفزيونية هو ازدياد حالات الطلاق والخُلع عن الماضى، مشيرة إلى الفرق بين تجارب الزواج بين الماضى والحاضر، إذ أوضحت أن حب المظاهر وعقد المقارنات مع الآخرين هو السبب الرئيسى فى فشل كثير من الزيجات، وحدوث التفكك الأسرى، بما يجعل المجتمع يقر بأن هناك كثيرين ممن يحتاجون إلى العلاج والتأهيل النفسى قبل الزواج.
وانتقدت «واصف» فى أحاديثها تفاخر الفتيات بجلب عريس المستقبل، مؤكدة أن زواج الصالونات هو الأنجح، خاصة إذا كان الرجل والمرأة لديهما شىء من الثقافة نتيجة الاختلاط فى حدود الاحترام والأدب.
وفى ضوء نشوب صراع الأجيال بين الماضى والحاضر، اهتمت «واصف» بتناول العلاقة بين الآباء والأبناء، مشيرة، خلال حواراتها التليفزيونية، إلى أن الحب هو مفتاح الحياة، وبه تتلاشى كل السلبيات والمشكلات بين الأجيال، ويحدث ذلك باحتواء الجيل الأكبر للأصغر، وتجنب اللجوء للعنف والضرب مع الأبناء؛ لأن ذلك يخلق حالة من العداوة بينهم، ما يجعل الأبناء يجدون ملاذهم فى الصحبة السيئة ومشاهدة الأعمال الدرامية والفنية السيئة، والاستماع للأغانى المبتذلة، كما تناولت الإعلامية القديرة مشكلة الانفجار السكانى معتبرة إياها السبب فى زيادة المشكلات الاجتماعية، ما جعلها تدعو المرأة العربية والمصرية للتخلص من ثقافة ربط الرجل بكثرة الإنجاب.
وكان للقراءة نصيب كبير فى أحاديث «واصف»، فقد قدمت نصائح عديدة للشباب بضرورة القراءة وتثقيف النفس، لأهميتها فى صقل الشخصية وتوسيع مدارك الإنسان فى مناحى الحياة، كما دعت الشباب إلى ضرورة استشارة أصحاب الخبرة والاستماع للنصيحة دون استعلاء وتكبر.
وأوضحت الدكتورة إنشاد عز الدين، أستاذ علم الاجتماع بجامعة المنوفية، أن البرامج الاجتماعية لها دور كبير فى حماية المجتمع من التفكك الأسرى، فضلاً عن دورها فى طرح القضايا والمشكلات التى تشغل بال المواطن وتقديم الحلول المتنوعة التى تتوافق مع مختلف الفئات والطبقات الاجتماعية، مؤكدة أن المجتمع فى تسعينات القرن الماضى كان يحتاج لنموذج الإعلامية فايزة واصف ليتلقى منه المعلومات الصحيحة والحلول السديدة للمشكلات من خلال أسلوبها البسيط المنمق.
وتابعت: «فى هذا الوقت لم يكن لوسائل التواصل الاجتماعى وجود، ولم يعرف المواطن تعدد القنوات الفضائية، لذا كان اعتماده على تلك البرامج بشكل كبير فى البحث عن حلول لمشكلاته بوعى ودراسة».
وأضافت «عز الدين»: «برامج الإعلامية فايزة واصف كانت تركز على الشق الوقائى قبل العلاجى؛ بمعنى أنها كانت تحلل المواقف الاجتماعية المختلفة قبل وقوع المشكلة، لذا يمكن اعتبار تلك البرامج بمثابة النور الذى يجعل المواطن على دراية ووعى بما يواجه من مشكلات فى المجتمع ويصل معها إلى الحل المناسب».
وأكدت الدكتورة سهير عثمان، الأستاذ بكلية الإعلام - جامعة القاهرة، أن زيادة وعى المواطن تجاه القضايا الاجتماعية والحياتية المختلفة، هو الهدف الأساسى من تقديم البرامج التليفزيونية الاجتماعية: «تحقق تلك البرامج النجاح عندما نرى الفرد على دراية كاملة بجوانب المشكلات وأسبابها، حتى يستطيع أن يصل للحل الذى يناسب ملابسات المشكلة التى تواجهه بنفسه»، مؤكدة أهمية أن تبتعد البرامج الاجتماعية عن الجرى وراء «التريند» الذى يحقق مشاهدات دون تحقيق قيمة اجتماعية وثقافية تذكر، ما يجعل المشاهد ينظر للمشكلة نظرة سطحية لا تحقق له الاستفادة عند مواجهة مشكلة مشابهة فى حياته.
وتابعت «عثمان»: «المجتمع بحاجة إلى برامج اجتماعية مؤثرة كبرامج فايزة واصف، التى كانت تسعى لدعم قيم ومبادئ وأخلاقيات المجتمع، كما نحتاج أن نرى تجمع الشباب والكبار والأطفال حول مائدة واحدة كما كان يحدث لمشاهدة برنامج يناقش قضاياهم بعمق ووعى ويقدم لهم حلولاً واقعية».