طارق ربيع المسعف الفلسطيني: تعمدوا تركنا نواجه الكلاب والجوع والموت وحدنا
طارق ربيع المسعف الفلسطيني: تعمدوا تركنا نواجه الكلاب والجوع والموت وحدنا
بجسد هزيل ونظرات شاردة، خرج طارق ربيع صافى من سجن الاحتلال الإسرائيلى، حاملاً فى ثناياه مشاهد لا تفارقه، وذاكرة مليئة بالوجع، لم يكن خروجه مجرد تحرر، بل ولادة جديدة من قلب الجحيم. يحكى طارق، 39 عاماً، مأساته: «أنا أب لطفلين، وأعمل مسعفاً طبياً من مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة.. عشت فى سجن سدى تيمان، أربعة أشهر كاملة من التنكيل والتجويع والتعذيب، لم يكن هناك طعام بالمعنى الإنسانى، لا علاج، لا ماء صالح، فقط الضرب والإهانة والشتائم»، قالها طارق وهو يحاول ترتيب أنفاسه.
اختُطف طارق من منزله فى مدينة حمد يوم 3 مارس، ليبدأ رحلة قاسية من الألم استمرت لأشهر، قبل أن يُفرج عنه ضمن صفقة تبادل أسرى مؤخراً، يتذكر كيف تُرك مكبّل اليدين لأيام، وكيف هاجمته كلاب مدربة دون رحمة، وكيف كُسرت يده دون أن يحصل على أى علاج: «كنا نموت ببطء.. لا أحد يسأل، لا أحد يهتم».
يروى طارق مشهداً لن ينساه: «فى نفس الغرفة كان مصعب هنية.. شاب شجاع لا يُنسى، كان يقاوم، لكن الجوع وقلة العلاج قتلاوه أمام أعيننا، مات بهدوء فى الزاوية ونحن عاجزون، لم نستطع حتى مناداة أحد»، ما رآه ومرّ به، كما يقول، لم يكن مجرد اعتقال، بل موت ببطء، مؤكداً أن المعاملة التى تلقاها داخل المعتقل لا تمت للإنسانية بصلة، وأنها سياسة ممنهجة وليست أخطاء فردية: «كل شىء كان محسوباً.. حتى التعذيب له توقيت».
داخل سجن سدى تيمان، كان التعذيب يتم تحت غطاء «القانون العسكرى»، وتقييد الأسرى لساعات وأيام دون طعام أو ماء كان أمراً اعتيادياً، حسبما أكده نادى الأسير الفلسطينى، الذى وثّق شهادات صادمة لعدد من الأسرى المفرج عنهم: «أُجبرنا على الاستسلام لألمنا.. كانوا يراقبوننا ننهار، ولا يحركون ساكناً»، يروى طارق، وهو يلمس بيده أثر الجبس الذى لا يزال على معصمه المكسور وصمته أحياناً كان أبلغ من كل الكلمات.
رغم كل ذلك، لا يشعر طارق بأنه نجا تماماً: «خرجت من المعتقل، لكنى تركت ورائى أرواحاً معذبة ووجوهاً لا تُنسى.. وبعض منى ما زال هناك»، يقولها قبل أن يغالب دموعه، وبالنسبة له، فالعودة لأطفاله وزوجته هى بداية جديدة، لكنها لا تُنهى الألم: «سأحتاج وقتاً لأشفى، ولأفهم كيف صمدت، لكننى فخور بأنى لم أنكسر، رغم كل ما حاولوا فعله بى».