«القتل على الطريقة الحديثة».. الذكاء الاصطناعي في الحروب سلاح مدمر أم مُقاتل محترف؟

كتب: نرمين عزت

«القتل على الطريقة الحديثة».. الذكاء الاصطناعي في الحروب سلاح مدمر أم مُقاتل محترف؟

«القتل على الطريقة الحديثة».. الذكاء الاصطناعي في الحروب سلاح مدمر أم مُقاتل محترف؟

كتبت:- نرمين عزت

في سراديب مظلمة تحت الأرض، يحدّق جندي في شاشة تعرض أهدافًا حية، لكن القرار لا يُتخذ بيده، بل بخوارزمية ذكية تتبع الضحية بدقة وتجمع البيانات وتلاحق الضحايا وتقتل في أقل من ثانية، عمليات معقدة ومرعبة يقوم بها الذكاء الاصطناعي لم يتخيل عقل كانت في الماضي خيال علمي حتى أصبحت بين يوم وليلة واقع مخيف في ساحات الحروب والصراعات، جعلت من الطرف الأكثر تطورًا هو المتحكم في زمام المعركة، ومع الانتشار والتطور يتساءل العالم: كيف غيّر الذكاء الاصطناعي قواعد الاشتباك؟

وأظهرت التجارب التي حدثت في الحرب الروسية الأوكرانية أو تلك المستمرة في قطاع غزة أن الأسلحة المدعومة بالذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون أكثر دقة من تلك التي يُوجّهها البشر، لكنها أيضًا قد تتسبب في أضرار جانبية، تشمل سقوط ضحايا مدنيين، وارتفاع عدد القتلى والجرحى من الجنود، نتيجة احتمال ارتكاب أخطاء كارثية.

تقنيات الذكاء الاصطناعي في الحروب

يلعب الذكاء الاصطناعي دورا حاسما في المجال العسكري في تعزيز القدرات وتحسين الأداء الاستراتيجي أثناء الحروب وبعدها، فهو يُمكّن التحليلات، ويُعطّلها، ويُضاعف قوتها، مما يؤثر في نهاية المطاف على الأمن الدولي عبر تحويل ميزان الدفاع إلى الهجوم، ومن أكثر استخدامات الذكاء الاصطناعي شيوعًا في الحروب، وفقًا لموقع «The Bulletin»، ما يلي:

يُمكن الاستفادة من هذه التقنيات لتطوير قدرات الاستطلاع والاستشعار عن بُعد، مما يُتيح جمع المعلومات والبيانات من البر والبحر والجو.

يُسهم الذكاء الاصطناعي في تطوير قدرات التشفير والأمن السيبراني، سواء في حماية البيانات والمعلومات الحساسة من الاختراق، أو في تنفيذ هجمات سيبرانية مدمّرة للبنى التحتية من قِبل أحد أطراف النزاع.

يُستخدم أيضًا في رصد وتحليل منصات التواصل الاجتماعي، فضلًا عن النصوص والمقالات الإخبارية، والصور، ومقاطع الفيديو المرتبطة بالحرب.

يُساعد في فهم الرأي العام تجاه الأحداث العسكرية وتوجيهه نحو مواقف معيّنة.

الذكاء الاصطناعي

محمد الحارثي، استشاري التكنولوجيا وأمن المعلومات، قال في تصريحات لـ«الوطن» إن تقنيات الذكاء الاصطناعي تستخدم في التحليل والتسليح العسكري، حيث تُساعد في تحليل بيانات الميدان وإرسالها إلى مراكز العمليات، وإصدار الأوامر العسكرية، لكنها قد ترتكب أخطاء تجعل الحرب غير عادلة للطرف الأضعف تكنولوجيًا.

وأضاف الحارثي أن من أمثلة التقنيات المستخدمة في الحروب: الرؤية الحاسوبية، والطائرات المسيّرة المسلحة والمدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتي تنفّذ أحيانًا عمليات اغتيال مباشرة دون الرجوع إلى العنصر البشري، بالإضافة إلى أنظمة تحليل البيانات للمستخدمين على وسائل التواصل الاجتماعي، وهناك تقنيات تساعد الأطراف في الوصول إلى الصحفيين وتنفيذ عمليات اغتيال، كما حدث في الحرب الإسرائيلية على غزة.

وتابع: «من أبرز الشركات الداعمة لإسرائيل شركة مايكروسوفت، حيث يوجد تعاون واسع بينها وبين الاحتلال في مجال الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك شراكة مع OpenAI، وكذلك شركة أمازون تُعد شريكًا كبيرًا لدولة الاحتلال».

ومن جهته قال الدكتور أحمد حنفي، خبير تكنولوجيا المعلومات لـ«الوطن»، إنه في ظل التطور السريع الذي نشهده في تقنيات الذكاء الإصطناعي أصبحنا نرى مشاهد كنا نراها في الخيال العلمي والأفلام الأجنبية، أصبحت واقعا ملموسا، مثل الدرونز الذكية التي ترصد وتضرب أهدافها بشكل مستقل دون تدخل بشري، والروبوتات المقاتلة التي تنفذ مهام استطلاع ومهام ذكية، تحليل استخباراتي كامل بـAi يعالج بيانات ضخمة بسرعة، أنظمة الدفاع الذكية التي تتعامل في أجزاء من الثانية، الهجمات السيبرانية المتقدمة حاليًا المستخدمة لاختراق شبكات حساسة بالذكاء الاصطناعي، وغيرها من الاستخدامات المرعبة.

وتابع «حنفي» أن الخطورة في فكرة ترك الذكاء الاصطناعي دون رقابة بشرية أنه يمكن أن يتخذ قرارات قاتلة، واستخدام تقنيات من دول أجنبية تجعلنا معرضين للاختراقات و التلاعب، والمعلومات المزيفة مثل الديب فيك أصبحت سلاحا نفسيا وإعلاميا ويشعل الحروب، والسباق بين الدول في التسليح الذكي يمكن أن يسبب فوضى تكنولوجية، وهو سلاح ذو حدين، فمن ناحية يوفر دقة عالية أمان أكثر للجنود ويقلل الخسائر البشرية، لكن من ناحية أخرى دون تنظيم يمكن أن يخرج عن السيطرة.

وبحسب «حنفي»، فالأفضل حاليًا وهي نقطة محورية للسيادة الرقمية، أنه لا يجب أن تكون كل الأجهزة مستوردة من الخارج، لضمان الوقاية والابتزاز السياسي، في حال أي خلاف بسيط مع دولة مصنعة يمكنهم وقف تحديثات وتدمير البنية التحتية بضغطة زر، لذا يجب دعم الاقتصاد والتعامل مع التقنيات وتطوير، خلاصة الموضوع استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب ليست مجرد رفاهية او تطور وهو عنصر أساسي في حماية أي دولة.

حنفي

الذكاء الإصطناعي في الميدان.. أسلحة بلا ضمير

اعتمدت أوكرانيا على الذكاء الاصطناعي لتحقيق تفوق ميداني، حيث تستخدم منصة Palantir لتحليل صور الأقمار الصناعية، وبيانات المصادر المفتوحة، ولقطات الطائرات بدون طيار، والتقارير الميدانية، وتوفر هذه التقنية للقادة العسكريين خيارات دقيقة للاستهداف، وتُعد مسؤولة عن معظم عمليات الاستهداف في أوكرانيا، بحسب موقع «futureuae».

كما استخدمت أوكرانيا بيانات Palantir في مشروعات أخرى تتجاوز الاستخبارات الميدانية، مثل جمع أدلة على جرائم الحرب، وإزالة الألغام الأرضية، ومساعدة اللاجئين النازحين، وشاركت شركات تكنولوجيا كبرى مثل مايكروسوفت، وأمازون، وجوجل في دعم هذه الجهود.

كذلك استفادت أوكرانيا من استخدام «ستارلينك» في حماية نفسها من الهجمات الإلكترونية الروسية، ونقل البيانات الحكومية المهمة إلى خوادم سحابية، والحفاظ على الاتصالات.

وفي المقابل، ورد أن روسيا استخدمت ذخيرة ZALA Aero KUB-BLA، وهي ذخيرة موجّهة بالذكاء الاصطناعي من طراز كلاشينكوف، بينما استعانت كييف بطائرات Bayraktar TB2 التركية، ذات قدرات التحكم الذاتي.

هكذا تقاتل الخوارزميات في غزة

تشير تقديرات متعدّدة إلى أن دولة الاحتلال الإسرائيلي استخدمت الأتمتة في حربها المستمرة على غزة، من خلال نظام ذكاء اصطناعي يُدعى «لافندر» في عملياتها العسكرية داخل غزة، وصُمم لتحديد الأهداف المحتملة، وقد ساعد هذا النظام، وقد ساعد خلال الأسابيع الأولى من الحرب، في تحديد نحو 37,000 هدف.

ويضم برنامج «لافندر» مكوّنين إضافيين:

-«أين والدي؟» الذي يَتتبّع الأفراد المُستهدفين أثناء وجودهم في منازلهم.

-«الإنجيل» الذي يهدف إلى تحديد المباني والمنشآت المطلوب استهدافها.

الحرب الذكية استهدفت الصحفيين الفلسطينيين

في حرب الاحتلال على غزة، تعاملت إسرائيل بوحشية في استخدام الذكاء الاصطناعي، حيث قال الدكتور تحسين الاسطل- نائب نقيب الصحفيين الفلسطينيين لـ«الوطن» إن الإحتلال الإسرائيلي مارس على الشعب والصحافة حربًا إلكترونية مرعبة، واتبع عدة أساليب من أجل منع الصحفيين من العمل وإيصال رسالتهم سواء من خلال تدمير شبكة الاتصالات أو قطاع الانترنت.

وبحسب «الأسطل»، فمنذ أكثر من سنة يتصل الإحتلال مباشرة على الصحفيين ويقوم بتهديدهم وكذلك يجبرهم على النزوح وترك منازلهم، كما أن العمل الإعلامي أصبح محفوف بالمخاطر في ظل القصف المستمر الذي لا يتوقف، الاحتلال لم يعد بحاجة للتجسس هو يقتل ويدمر ويرتكب جرائم بحق الإنسانية، لن يعود مضطرا لاستخدام أساليب التخفي والتجسس، إذ يتم اغتيال الصحفيين وعائلاتهم يشكل مباشر.

وبحسب «الأسطل» وصل عدد ضحايا الاحتلال في مجال الإعلام لـ210 صحفيين وتدمير 88 مؤسسة إعلامية، وعشرات وعشرات العشرات من المصابين، وكذلك استهداف خيامهم التي ينزحون منها بالطائرات وارتكاب المجازر بشكل يومي، ومنعهم من التغطية والتهديد المباشر أصبح الحديث عن العدوان الذكي مثل الحجب والهكر واختراق الهواتف لا يذكر.

..وقال أجيث سونغاي، مدير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، إن المكتب سجل ارتفاعا هائلا في عمليات القتل والاعتقال والرقابة ضد الصحفيين منذ 7 أكتوبر 2023 في الأرض الفلسطينية المحتلة، موضحًا أن عدد القتلى في المجال الإعلامي وصل إلى 200 صحافي وعامل في مجال الإعلام بحلول أبريل 2025 منهم، 27 امرأة على الأقل.

وأضاف: «شهدنا تدمير مكاتب ومقرات وسائل الإعلام بالكامل. وفي كل من غزة والضفة الغربية، تم اعتقال العديد من الصحفيين الفلسطينيين أيضا، وسجلنا وتلقينا تقارير عن سوء معاملة قد تصل إلى حد التعذيب للصحفيين المعتقلين، بالإضافة إلى تهديدات مزعجة بالعنف الجنسي ضد الصحفيات، وكذلك الرجال والنساء على حد سواء».

من يضغط على الزر.. الإنسان أم الآلة؟

التطور السريع لشكل الحرب في ظل التقدم التكنولوجي، يفرض السؤال الأهم في المستقبل: «من يضغط على الزر الإنسان أم الآلة؟» وهو سؤال جاءت إجابته في مقال بعنوان «حرب الذكاء الاصطناعي وكيفية الفوز بها» على موقع «alexw»، للكاتب الصيني ألكسندر وانغ الذي قال، إنه حتى مع الذكاء الاصطناعي، ستُخاض الحروب بشريًا، تستثمر الولايات المتحدة على سبيل المثال بكثافة لضمان حصول جيشها على أفضل المعدات والتدريب والقيادة في العالم، ولا ينبغي أن يكون الاستثمار في الذكاء الاصطناعي استثناءً.

وبحسب «وانغ » من الناحية التكتيكية، يُختزل الذكاء الاصطناعي دائمًا في البيانات، وتُظهر النتائج الحديثة أن حتى نماذج اللغات الكبيرة، تعاني من نقصٍ في البيانات، كما يعتمد نجاح تحديث الذكاء الاصطناعي على بناء تفوق البيانات والحفاظ عليها، لذا؛ ينبغي على الدول تدريب القادة والأفراد على استخدام الذكاء الاصطناعي كعنصر أساسي في جعل الحرب متعددة المجالات واقعًا ملموسًا، يجب أن يعرف القادة كيفية استخدام البيانات كأصل عسكري لتعزيز تفوق الذكاء الاصطناعي.


مواضيع متعلقة