رحلة المسيحيين من «الضفة» لـ«القدس»: تعقيدات وتحرش وتفتيش
رحلة المسيحيين من «الضفة» لـ«القدس»: تعقيدات وتحرش وتفتيش
50 عاما عاشها «يوسف فرنسيس»، مسيحى فلسطينى من مدينة رام الله، عاصر خلالها الكثير من أعياد القيامة، والتى شهدت تدرجاً فى التضييقات الإسرائيلية، حتى وصلت إلى حد غير مسبوق، على حد قوله، حيث يأبى الاحتلال أن يترك حتى لحظة الفرحة بالأعياد تمر بسلام.
يقول «فرنسيس»، وهو اسم مستعار لتفادى بطش الاحتلال: «أنتمى لواحدة من أعرق العائلات المسيحية فى المدينة، وهو ما يعنى أنى وعائلتى متجذرون فى تلك المدينة منذ سنوات طويلة، منذ طفولتى وأنا أرافق والدى فى هذه الأيام نحو القدس، نتجه معاً لنصلى فى كنيسة القيامة، كنت بعمر العاشرة عندما رأيت نور القبر المقدس لأول مرة، شعرت أن قلبى طار، كان الأمر وقتها أسهل بكثير مما يبدو عليه اليوم، وبعد مرور 40 عاما، لا أزال أنتظر تلك اللحظة، لكن الاحتلال بات يجعلها شبه مستحيلة، وهو ما عايشته خلال زيارتى للمدينة يوم أحد الشعانين الماضى».
«فرنسيس» تحدث لـ«الوطن» عما يصفه بـ«مسلسل القهر» الذى يمارسه الاحتلال على مسيحيى الضفة الغربية، أو بمعنى آخر رحلة الحصول على تصريح أمنى لزيارة كنيسة القيامة فى مدينة القدس والبلدة القديمة، ومن ثم تفاصيل الدخول والمعاناة.
فالطريق إلى القدس، التى لا تبعد سوى 15 كيلومتراً من رام الله، باتت تحتاج اليوم إلى تصاريح أمنية، وبطاقات ممغنطة، واستجوابات، وانتظاراً على الحواجز، وأحياناً الرفض دون أسباب، وهو ما يتحدث عنه «فرنسيس» قائلاً: «لكى يحصل مسيحى أو حتى مسلم من الضفة على تصريح لزيارة القدس، يحتاج أولاً إلى ما يُعرف بالبطاقة الممغنطة التى يمكن لسكان رام الله الحصول عليها من معسكر بيت إيل العسكرى الإسرائيلى، حيث نقف طويلاً فى انتظار موعدنا، ونمر بعدها بمقابلة واستجواب، ثم انتظار الموافقة الأمنية، وفى حال الموافقة يتم أخذ بصمتَى اليد والعين.. ونحصل على البطاقة».
يتذكر «فرنسيس» أن تلك البطاقة التى احتاج للوجود داخل معسكر الاحتلال لأكثر من 5 ساعات للحصول عليها، تكون غير مُفعلة، قائلاً: «رغم حصولى على تلك البطاقة لكنها تبقى بلا قيمة، فهى يتم تفعيلها فى أوقات محددة تعلنها وسائل الإعلام العبرية، وغالباً ما ينتظر المسيحيون فى الضفة تفعيل البطاقة قبيل أسبوع الآلام بأيام قليلة فقط، وكأن العلاقة بيننا وبين مقدساتنا مؤقتة ومشروطة».
وقبيل أيام من أسبوع الآلام أعلنت وسائل الإعلام العبرية بدء تفعيل البطاقات، والتقديم للحصول على تصاريح الدخول للقدس والبلدة القديمة، فيبدأ سباق آخر للحصول على التصاريح عبر تطبيق يطلق عليه «المنسق»، حيث يقول: «نفتح التطبيق فى الوقت المعلن، ويتم إدخال البيانات بالكامل التى تتضمن الهوية، والموافقة الأمنية ورقم البطاقة الممغنطة»، ثم يكون عليك الانتظار لمدة تتراوح ما بين يوم ويومين لمعرفة موقف الطلب، ما بين القبول أو الرفض.
تصريح زيارة الأماكن المقدسة فى القدس، يتضمن العديد من المعلومات التى يجب التقيد بها بشكل كبير، بداية من مدة التصريح «تبدأ من يوم وحتى 7 أيام»، وهناك قائمة طويلة من الشروط التى يتلوها «فرنسيس» قائلاً: «ممنوع المبيت، ممنوع العمل، ممنوع البقاء بعد وقت معين يختلف من شخص لآخر، ويجب تأكيد تسجيل الدخول والخروج من القدس ببصمة العين حتى لا يتعرض حامل التصريح لمشكلة».
بعد إصدار التصريح يبدأ فصل جديد من المعاناة، حسبما يروى «فرنسيس»، فالتوجه إلى مدينة القدس هو رحلة «عذاب» أخرى: «على حاجز قلنديا، وفى ساعات الانتظار، يتعرض الزوار لتفتيش مهين، وتحرش، ونظرات احتقار، وتعامل نفسى قاسٍ من قبل الجنود، وتفتيش للجسد وكأنهم متهمون».
ويضيف: «عند الحاجز يجب إظهار التصريح والبطاقة الممغنطة وتسجيل الدخول ببصمة العين واليد، ويبدأ بعدها التفتيش، الذى يستمر حسب الحالة النفسية لجنود الاحتلال، ففى بعض الأوقات كانوا يتركوننا ننتظر لساعات (مع العلم أنها تقع ضمن ساعات الزيارة)».
حاجز قلنديا رسميا هو الحاجز الوحيد، إلا أنه على أبواب المدينة القديمة تنتشر حواجز إسرائيلية أخرى، تبدأ معها جولة جديدة من الفحص والإهانات والانتظار لساعات، كما يقول «فرنسيس»: «أحياناً لا نجد وقتاً حتى لزيارة القبر المقدس بهدوء.. نركض بين الأزقة، تحت عيون الشرطة والمستوطنين، نتفادى نظراتهم وعدوانهم، ثم نعود أدراجنا»، مضيفاً أن تلك الأحداث تتكرر فى رحلة العودة، ومن ثم تتكرر أيضاً فى اليوم التالى.
ويضيف فرنسيس: «أحياناً نشعر أن العيد اختُزل فى دقائق عند القبر المقدس. أين تلك الأيام التى كنا نمشى فيها بحوارى القدس القديمة، نشترى الهدايا، نأكل من الباعة، نضحك؟ اليوم نحن مراقبون، غرباء فى أرضنا».
مأساة عائلة «فرنسيس» مستمرة رغم حصولها على تصريح لزيارة المدينة القديمة وكنيسة القيامة، فقد تقدم مع أسرته (زوجته وأولاده الأربعة) بطلب التصريح، فحصلوا عليه جميعاً.. عدا ابنه الأصغر، صاحب الثمانية أعوام، وعندما تواصل مع المختصين: «قالوا لى إنه صغير، وقد يعبر الحاجز من دون تصريح يوم سبت النور»، لذا فإن «فرنسيس» لم يستخدم التصريح الممنوح له أو لأسرته، رغم أنها فرصة نادرة، لأنه لا يستطيع التضحية بابنه ليكون عُرضة لرفض الجنود على الحاجز.
يقول: «لا طعم للزيارة وحضور مناسبات العيد من دون أن نمسك بأيدى أبنائنا وندخل كعائلة واحدة».