حسين القاضي يكتب: ربيب العلا.. الشيخ محمد الخطيب النيدي

كتب: أحمد العانوسي

حسين القاضي يكتب: ربيب العلا.. الشيخ محمد الخطيب النيدي

حسين القاضي يكتب: ربيب العلا.. الشيخ محمد الخطيب النيدي

تمر علينا فى هذه الأيام ذكرى وفاة عالم كبير، هو القطب الربانى والعالم الأزهرى والأديب الشاعر الشيخ محمد الخطيب النيدى، الذى ولد فى قرية نيدة بأخميم بسوهاج، يوم 9 مارس 1909، وكان أبوه فقيهاً صالحاً، وحصل الشيخ على الدكتوراه فى اللغة العربية عام 1936م، وقد تلاقت أنوارُه بأنوار النبوة، وأقامه الله مقامَ الوراثة للأنبياء، فنشر الصلاح والهداية، وعُرف بالخلق والمروءة، واتسم بالعطاء السخى، والرفاء الحى، فكان التعريف به والإبانة عن فضائله تأكيداً على تاريخ الأمة المصرية، التى كانت وما زالت تنجب الأدباء والرموز والعظماء منذ فجر التاريخ حتى اليوم.

تأتى ذكرى الشيخ -عليه سحائب الرحمات تترى- يوم 24 أبريل، ويقام له احتفال سنوى فى مسجده العامر بطنطا، حيث أنشئت طريقة صوفية معتدلة تحمل اسمه، ويديرها نجله الشيخ الدكتور محمود، ويحضر حفل ذكراه عدد من العلماء والشيوخ والوعاظ والأعيان، ليستزيدوا من سيرته وأخلاقه وعطائه، ويستمعوا إلى مواقف ارتفعت بالشيخ الجليل إلى مستوى عالٍ، من علم غزير، ومنهجية منضبطة، وصلاح مشهود، وعطاء باذخ، لتتنبه الأجيال إلى الاقتداء بالعالم الجليل، واتِّباع سَنَنه.

والشيخ الجليل أزهرى صوفى على غرار تصوف الأكابر من علماء الأمة، ويحارب التشدد والتزمُّت، ومن أقوله: البدعة الحرام ما لا تدل عليها أصول الدين من كتاب وسنة، والبدعة الحلال ما دلت عليها شواهد الإسلام، وإن لم تكن فى عهد المصطفى عليه الصلاة والسلام.

تعلق الشيخ الخطيب بسيدنا رسول الله، تعلق المحب بحبيبه، واشتهر بلقب شاعر النبى، وله قصائد أثرة فى آل بيت النبى، وفى مدح النبى صلى الله عليه وسلم، ومن أشهر قصائده «نفحة القبول فى مدح الرسول»، و«الصلوات الخطيبية فى مدح خير البرية»، ومن شعره:
بشرى لنا معشر العشاق من قدم ** فقد بلغنا إمام العرب والعجم
وأفضل الخلق فى خَلق وفى خُلق ** عليه أثنى إله الخلق بالعظم

وتجلت الأنوار الخطيبية، تملأ دنيا الناس نوراً ورحمة وهداية ولطفاً وسماحة وتيسيراً وعطاء، ويحكى تلميذه الجليل الشيخ عبدالجواد عبدربه رشيد، على لسان نجلته «إيناس»، أن الشيخ كانت له فراسة مؤمن، فقد كان يعرف المنتمين للنسب الشريف بمجرد رؤيتهم أو مصافحتهم، وبشّر «السادات» بانتصار أكتوبر، وكان ذا علاقة قوية بالشيخ الشعراوى.

وللشيخ «الخطيب» تجليات مبهرة فى تعليقاته على كتاب الحكم العطائية، ففى قول ابن عطاء: (منْ لَمْ يُقْبِلْ عَلى اللهِ بِمُلاطَفاتِ الإحْسانِ قِيْدَ إلَيْهِ بِسَلاسِلِ الامْتِحانِ)، يعلق الشيخ الجليل على ذلك فى بيت نظمه:
إذا أنت لم تقبل على الله بفضله ** يقدك إليه بالذى أنت كاره
ثم يقول: يريد أن سبب الإقبال على الله أمران: إيراد النعم عليه؛ فيشكر الله عليها، ويقبل على خدمته، وإنزال المصائب عليه فى بدنه أو ماله أو عياله؛ فيرجع إلى الله ويتضرع إليه فى دفعها، ومراد العبد من الرب رجوعه إليه طوعاً أو كرهاً.
ومن كلماته: «إذا كانت رحمة الله تتنزل عند ذكر الصالحين، فما بالك بسيدهم وسندهم ومددهم -صلى الله عليه وسلم-، وإن أدنى انتساب له -صلى الله عليه وسلم- يحصل به غاية النفع والشرف».

لقد كان الشيخ النيدى ربيب العلا، وموضع فخر واقتداء، وكان طيب الذكر، متجاوب الأصداء، تجلى الله عليه بغيوث التوفيق، وهواطل المعونة، وبسط له أسباب القبول، فأحبه الناس عن جدارة واستحقاق.. الوصل صافية، العيش طيبة، ذاق المنى، نال الرضا، قرت العينان.

وفى سنة 1986م جاء منعى العالم الكبير، وغربت بوفاته شمس العلم والولاية، وحزن الناس على فقده حزناً شديداً صادقاً، عن حسرة كاوية، وفجيعة كارثة، تسوقهم اللوعةُ الجارفة، والتقدير الحار، لأحد علماء عصره، ورُسم موكبُ الوداع للراحل، ومضى الركبُ إلى مثواه الأخير، وتسمع حينئذ نشيج الباكين، وصلوات الداعين، وتزود الناس بآخر النظرات على ركب الفقيد، وانطفأت بوفاته صفحة عظيمة من صفحات العلم والتصوف والحب والعطاء، وبقيت سيرته تترى، ورنات أعماله تلفت النظر بتسلسلها المطرد مهما بعدت الأيام، وسلامٌ عليه فى الخالدين.


مواضيع متعلقة