خالد منتصر يكتب: مطلوب ثورة لتجديد اللغة العربية
خالد منتصر يكتب: مطلوب ثورة لتجديد اللغة العربية
اللغة العربية لها جمالها وجرسها وإيقاعها الخاص، وأنا من عشاقها، لكننا لا بد أن نجيب عن سؤال مهم: لماذا أصبح التواصل بها ضعيفاً؟ وهل كل الخطر يكمن فى المتحدثين بها فقط، أم أننا لا بد أن ننتبه إلى أن هناك عيوباً كامنة تمنع تلك اللغة من مواكبة العصر، ومن النمو مثلها مثل لغات العالم الأخرى التى نجت من التكلس والتحنيط والجمود؟ اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هى مرآة لحضارة كاملة، وانعكاس لتقدم مجتمعاتها وتطور عقلهم الجمعى، ولعل «الثورة» التى تحتاجها اللغة العربية اليوم يمكن تلخيصها فى ما يلى:
1. الفجوة بين الفصحى والعامية
اللغة الفصحى بعيدة عن لغة الناس اليومية، مما يجعلها تبدو غريبة على الأذن، خاصة لدى الأطفال والمتعلمين الجدد، هناك فجوة كبيرة بين كلام الشارع العادى وكلام القواميس والمعاجم، وكأن الهيكل العظمى للجسد ينمو ولكن الجلد باقٍ على حاله يرفض النمو، فتكون النتيجة تمزقاً وشروخاً.
2. الجمود وعدم التطوير
لا توجد آلية مرنة ومؤسسات فعالة لتوليد مفردات جديدة تلائم التغيرات التكنولوجية والعلمية، بعكس ما يحدث فى الإنجليزية مثلاً، فنجد كل يوم مصطلحاً جديداً ومفردات جديدة تحتاج اجتماعات يومية لمجمع اللغة العربية الذى تتلبسه الحيرة فيصك مصطلحات مهجورة فى الشارع لا يقترب منها أحد، فتسكن تقارير المجمع فقط.
3. ضعف المحتوى العربى الرقمى
المحتوى العربى على الإنترنت ضعيف كماً ونوعاً مقارنة باللغات الأخرى، مما يُضعف من حضور اللغة فى العالم الرقمى، وكل اللغات تتفاعل مع الإنترنت وترجمتها سهلة، إلا محتوى الإنترنت العربى.
4. عدم الانتشار الأكاديمى والعلمى
الجامعات العربية لا تنتج كثيراً من العلوم بلغتها الأم، ومعظم النشر العلمى يتم بالإنجليزية أو الفرنسية، مما يُفقر اللغة أكاديمياً، وهذا بالطبع راجع للتأخر العلمى لأصحابها للأسف، وضعف حصيلة الأبحاث العلمية المنشورة فى مجلات محكمة.
5. التعقيد النحوى والصرفى
اللغة العربية تحتوى على قواعد معقدة تُرهق المتعلم والمستخدم، خصوصاً فى زمن السرعة والبساطة، ومحاولات التطوير قليلة وضعيفة وخائفة من التجديد، بل مرعوبة من ردود الفعل الرجعية، التى تعتبر قواعد النحو القديمة مقدسة.
6. ضعف التعليم المدرسى للغة
طرق تدريس اللغة العربية قديمة وتقليدية، وتعتمد على الحفظ بدل الفهم، مما ينفّر الطلاب، وموضوعات القراءة رديئة ومستهلكة، والشعر المقرر غير جذاب للطلاب.
تلك كانت المشكلات، وهذا كان التشخيص، لكن ما هى الثورة التى تحتاجها اللغة العربية لكى تقف نداً بند للغات العالم المتطورة؟، نحن نحتاج لتبسيط الفصحى وتحديثها مثلما فعلت تركيا مع اللغة التركية أو ألمانيا مع قواعد الإملاء، يجب تطوير نسخة فصحى مبسطة أقرب إلى الواقع، ولا بد من إطلاق مؤسسات حيّة لتوليد المصطلحات الجديدة، نحن نحتاج إلى مؤسسات فاعلة، مرنة، تتابع العلوم وتولّد مصطلحات تُعتمد بسرعة، بدلاً من انتظار «مجمع اللغة العربية» لسنوات، ليس عيباً أن ندمج الذكاء الاصطناعى فى تطوير اللغة، عن طريق أدوات تصحيح لغوى، تحويل النصوص إلى لغة مبسطة، ترجمة فورية احترافية، تعليم الأطفال بالذكاء الاصطناعى... إلخ، من الضرورى إحداث ثورة فى تعليم اللغة والتحول من أساليب التلقين إلى التعليم التفاعلى الإبداعى، واستخدام القصص، والمحتوى المرئى، والألعاب اللغوية، تجديد الخطاب اللغوى والإعلامى.
يجب أن تكون الفصحى حاضرة فى الإعلام بشكل حى ومحبب، لا مصطنع أو فج، ترجمة العلوم الحديثة إلى العربية بشكل سريع ومنهجى، احتضان العامية لا محاربتها، بتقنين أشكال من العامية فى التعليم المبكر أو فى بعض وسائل الإعلام لا يعنى قتل الفصحى، بل تقريبها إلى الناس، وكما تساءل الشاعر الراحل عبدالرحمن الأبنودى لماذا تلك الكراهية وذلك العداء للعامية، فهى لغة ثرية وتتطور بسرعة.