فخ الابتزاز داخل الألعاب الإلكترونية.. حيل وبرامج خبيثة تحول المُتعة إلى كابوس

كتب: محمد عبد العزيز

فخ الابتزاز داخل الألعاب الإلكترونية.. حيل وبرامج خبيثة تحول المُتعة إلى كابوس

فخ الابتزاز داخل الألعاب الإلكترونية.. حيل وبرامج خبيثة تحول المُتعة إلى كابوس

«مستنيكي تبعتيلي الفلوس خلال يومين»، بهذه الكلمات انقلبت حياة إيمان السيد رأسًا على عقب، بعد تعرضها للابتزاز عبر لعبة إلكترونية، كانت مصدر متعة لها، لكنها تحولت إلى كابوس كبير، بعد أن تتبعها أحد الشباب وبدأ في ابتزازها بصور شخصية ومكالمات هاتفية بينهما. لكن كيف بدأ الأمر؟.

استخدم الشاب كلامًا معسولًا وطريقة لبقة لإقناع «إيمان» بالحديث معه عبر اللعبة الإلكترونية، فوافقت بعد أن أظهر نية طيبة تجاهها وبدأ بمشاركة تفاصيل يومه، ثم أعطته رقم هاتفها لمزيد من خصوصية التواصل، لكنها لم تكن تعلم أن سلوكياته تلك كانت مجرد «طُعم»، كما روت حكايتها لـ«الوطن».

فبعد أشهر من الحديث، أحبته إيمان، لتقع في النهاية ضحية لـ«ابتزازه الإلكتروني»، ورغم صعوبة الموقف، إلا أنها لجأت في النهاية إلى أسرتها، التي حاولت تهدئتها ومساعدتها في الخروج من الأزمة.

الابتزاز عبر الألعاب الإلكترونية والجرائم السيبرانية

قصة هذه الفتاة من أبرز نماذج الابتزاز الإلكتروني المرتبطة بالألعاب في مصر، حيث يُهدَّد الضحايا بنشر صورهم أو بياناتهم الشخصية مقابل المال أو خدمات معينة، ويُصنّف هذا النوع من الابتزاز ضمن الجرائم السيبرانية (وتشير إلى أي جريمة تتضمن الحاسوب أو الشبكات الحاسوبية)، وتحديدًا تحت بند «التصيد الاحتيالي والخداع»، إذ يعتمد على خداع الضحية لاستدراجها لمشاركة معلومات حساسة، ثم استغلالها لاحقًا.

ومن أبرز الجرائم السيبرانية داخل الألعاب أيضًا زرع برامج خبيثة داخل اللعبة في روابط معينة، أو إقناع المستخدمين بأنه عند النقر على الرابط سيحصل على ميزات عديدة داخل اللعبة مثل شخصيات جديدة أو ملابس أو دروع لتحسين مهارات اللاعب، وهي أكثر عمليات الخداع شيوعًا في الألعاب، وفقًا لتقرير موقع «كاسبرسكي»، المتخصص في الأمن السيبراني.

وهذا ما تعرض له أحمد إبراهيم، أحد مستخدمي الألعاب، الذي يؤكد أنه تعرض للاحتيال حين أرسل له أحد المستخدمين رابطًا للحصول على «سلاح خارق» داخل اللعبة، وما أن ضغط عليه حتى سُرقت بياناته، بما في ذلك كلمة المرور، والبريد الإلكتروني، وحتى بيانات بطاقته البنكية التي كان يستخدمها لشراء مميزات داخل اللعبة.

الابتزاز

منصات الألعاب تتعامل مع كميات هائلة من المعلومات الحساسة

ومع استمرار نمو الألعاب، يرى القراصنة والمبتزون على الإنترنت فرصًا سانحةً أيضًا لاصطياد مزيد من الضحايا من خلالها، وفقًا للخبراء، إذ تتعامل منصات الألعاب الإلكترونية مع كميات هائلة من المعلومات الحساسة، بدءًا من تفاصيل الدفع، وصولًا إلى بيانات تسجيل الدخول وبيانات اللاعبين الشخصية، ومع تخزين هذا الكم الهائل من المعلومات القيّمة رقميًا، أصبحت الألعاب أهدافًا رئيسية للتهديدات الإلكترونية.

ويستخدم المهاجمون غالبًا أساليب تصيد احتيالي وخداع ذكية، لدفع اللاعبين للكشف عن بيانات تسجيل الدخول أو معلومات حساسة أخرى، من قبيل العروض الترويجية المزيفة، التي تقدم مكافآت معنوية أو مالية داخل اللعبة، وتغري اللاعبين بالنقر على روابط ضارة ومزيفة، تؤدي للكشف عن بيانات حساسة أو تفاصيل مالية تخص اللاعب، بحسب موقع «كاسبرسكي»، ولكن ماذا تحديدًا عن سوق الألعاب الإكترونية في مصر؟

40 مليون مستخدم للألعاب الإلكترونية في مصر

وارتفع عدد المستخدمين الذين يستهدفهم القراصنة والمحتالون أو ما يعرفون بـ«المجرمين السيبرانيين» عبر استخدام الألعاب الإلكترونية بمعدل 30% خلال النصف الأول من عام 2024 مقارنة بالنصف الثاني لعام 2023، حسب خبراء موقع «كاسبرسكي».

وينمو ويزدهر سوق الألعاب الإلكترونية في مصر، ومن المتوقع أن تصل إيراداته إلى 2.13 مليار دولار أمريكي خلال العام الجاري، بينما يصل عدد اللاعبين في مصر إلى 40 مليون، ومن المتوقع أن يصل هذا العدد إلى 44 مليون بحلول عام 2029، وفقًا لموقع «Statista» للإحصائيات والبيانات حول العالم، وهي شركة ألمانية شهيرة متخصصة في بيانات السوق والمستهلكين.

وأكثر الفئات العمرية استخدامًا للألعاب الإلكترونية من سن 25 لـ 34 عامًا، يليها الفترة العمرية من سن 18 لـ24 عامًا، وتأتي في المرتبة الثالثة المرحلة من 35 إلى 44 عامًا، بينما الفئة الأقل من سن 55 لـ64 عامًا، بحسب الموقع نفسه.

لكن الدراسة أغفلت فئة الأطفال الأقل من 18 عامًا والتي تمثل نسبة كبيرة بين مستخدمي الألعاب في مصر، بحسب ما أكده خبراء التكنولوجيا والمعلومات، لـ«الوطن»، لكن لا توجد نسبة واضحة لعددهم في ظل غياب أو شح الدراسات والإحصاءات العلمية في هذا الصدد.

وأظهرت دراسة لمنصة «ديجيتال توربين - Digital Turbine» - وهي منصة مستقلة متخصصة في مناقشة نموّ الهواتف المحمولة - أن 71% من المستخدمين في مصر يلعبون يوميًا عبر الهاتف، وتصل نسبة من يتخطى مدة اللعب على الهاتف ساعة أو أكثر يوميًا إلى 37%.

واحتلت مصر المرتبة الثانية عربيًا بعد السعودية في الإنفاق على الألعاب الإلكترونية في عام 2023، بإجمالي إنفاق بلغ 1.71 مليار دولار أمريكي، أي 80.71 مليار جنيه مصري، بزيادة قدرها 17% عن العام السابق، وفقًا لتقرير صادر عن المنصة نفسها.

وأجرت شركة «نيكو بارتنرز» المتخصصة في أبحاث سوق ألعاب الفيديو، دراسة استقصائية شملت أكبر ثلاثة أسواق للألعاب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وهم، السعودية، ومصر، والإمارات، وخلصت إلى أنه في عام 2023، بلغ عدد اللاعبين في أسواق الشرق الأوسط نحو 68.4 مليون لاعب، شكلت مصر 58.5% منهم.

وقام الخبراء والباحثون في موقع «كاسبرسكي» المتخصص في الأمن السيبراني، بتحليل مخاطر الألعاب الإليكترونية على الأطفال حول العالم، واكتشفوا استهداف المجرمين السيبرانيين لأكثر من 132 ألف منهم، كما اكتشفوا أكثر من 6.6 مليون محاولة هجوم، حيث استخدم المجرمون السيبرانيون العلامات التجارية لألعاب الأطفال كـ«طُعم».

ويجمع الابتزاز عبر الألعاب الإلكترونية بين ضعف الوعي الرقمي عند بعض المستخدمين خاصة الأطفال والمراهقين، وضعف التأمين في بعض منصات الألعاب، وغياب رقابة حقيقية على مجتمعات الألعاب والدردشات، واستخدام أدوات سيبرانية مثل التصيد الاحتيالي.

ابتزاز

خبير: انتشار الابتزاز عبر الألعاب سببه غياب الوعي

ويؤكد الدكتور إسلام غانم، خبير تكنولوجيا المعلومات، أن انتشار الابتزاز عبر الألعاب الإلكترونية يعود في المقام الأول إلى غياب الوعي لدى المستخدمين بخطورة الأمر، وعدم إلمامهم بأساليب الاستخدام الآمن للإنترنت، وهذا يجعل من السهل استدراجهم، والتواصل معهم، ثم إجبارهم على الاستجابة لطلبات الشخص المبتز.

يستغل المُبتز الألعاب الإلكترونية لممارسة أساليب الخداع والتصيد الاحتيالي، من خلال تجميع المعلومات الموجودة على وسائل التواصل الاجتماعي أو الحديث المباشر مع الضحية لاستهدافه ثم ابتزازه، كما يمكنه سرقة بيانات المستخدمين عبر رابط خبيث يتم إعداده مسبقًا، وبمجرد النقر عليه، يُفتح مسار تواصل مباشر بين جهاز الضحية وجهاز المبتز، وفقًا لـ«غانم» الذي يؤكد أن مسؤولية حماية المستخدم تقع على عاتق الشركة المطورة والمستخدم نفسه معًا، فالشركة مسؤولة عن حماية بيانات المستخدمين وإغلاق الثغرات الأمنية داخل اللعبة، كما يتعين على المستخدم التحلي أيضا بالوعي الكافي، وتجنب الضغط على روابط مشبوهة، واستخدام أدوات الحماية المناسبة.

تأثيرات سلبية على الضحايا

ويؤدي الابتزاز عبر الألعاب الإلكترونية إلى تأثيرات سلبية على الضحايا من كافة النواحي النفسية والاجتماعية، قد تدفع أحيانًا للانتحار، بحسب الدكتور أحمد بدر، مدير وحدة البحوث بمركز تدوين لدراسات النوع الاجتماعي.

وأشار «بدر» إلى أن أساليب الابتزاز موجود منذ بدء التوسع في استخدام التكنولوجيا والتواصل الاجتماعي الإلكتروني، لكنها خفية أو يتعايش معها الكثيرون، مؤكدا أنه على كل مستخدم لأي لعبة إلكترونية أن يحرص على حماية خصوصية بياناته وسريتها، لأنه يتعامل داخل مجتمع افتراضي مجهول الهوية.

ومن أبرز حالات الابتزاز عبر الألعاب الإلكترونية مؤخرًا، حالة وقعت في بريطانيا، حيث أنهى طفل اسمه كريستوفوروس نيكولاوس يبلغ من العمر 15 عامًا حياته، بعد أن تعرض لأسابيع من الابتزاز النفسي من قِبل مجهول على منتدى على شبكة الإنترنت المظلمة «ديب ويب».

جاء ذلك بعد أن تلقى الطفل رسائل مزعجة بعد النقر على رابط منبثق ظهر أثناء لعبه لألعاب الفيديو، وكان الرابط يغريه بالحصول على رصيد مجاني داخل اللعبة، وأدخل بياناته الشخصية بالكامل، وبعد لحظات تلقى رسالة تهدد بقتل عائلته إذا لم يكمل سلسلة من التحديات التي وضعها الشخص المجهول.

ولم تكتشف أسرة الطفل ما حدث، إلا بعد وفاة الطفل بقراءة دردشته مع هذا الشخص المجهول عبر الإنترنت، حين اطلعت الأسرة على هاتف الطفل الشخصي، بحسب صحيفة «إندبندنت» البريطانية.

تطبيقات الألعاب المجهولة.. حيلة جديدة

وتنتشر ظاهرة الابتزاز عبر الألعاب الإلكترونية، سواء تلك الشهيرة أو غير المعروفة، إذ توجد تطبيقات تم تصميمها خصيصًا لجذب أكبر عدد ممكن من المستخدمين، بهدف الحصول على بياناتهم ومعلوماتهم، ثم استغلالها لاحقًا، إما في الابتزاز بمختلف أنواعه أو بيعها لأطراف أخرى.

ويؤكد اللواء محمود الرشيدي، مساعد وزير الداخلية الأسبق لأمن المعلومات، أن ظاهرة الابتزاز عبر الألعاب الإلكترونية، سواء الشهيرة منها أو غير المعروفة، منتشرة بالفعل، إذ توجد تطبيقات صُممت خصيصًا لجذب أكبر عدد ممكن من المستخدمين، بهدف الحصول على بياناتهم ومعلوماتهم، ثم استغلالها لاحقًا، إما في الابتزاز بمختلف أنواعه أو بيعها لأطراف أخرى.

ويضيف «الرشيدي» في تصريحات لـ«الوطن» أن «قلة الوعي لدى كثير من مستخدمي الإنترنت تؤدي إلى وقوعهم ضحايا لهذه التطبيقات، والمبرمجون غير الموثوقون يسعون لاختراق الحسابات الشخصية والحصول على معلومات المستخدمين، ثم استغلالها، سواء ببيعها أو بابتزازهم جنسيًا أو ماليًا أو حتى معنويًا».

واقعة ابتزاز عبر لعبة إلكترونية مجهولة

ويروي مساعد وزير الداخلية الأسبق، واقعة ابتزاز عبر لعبة إلكترونية تعامل معها في الماضي، كاشفًا أنه بعد استدراج فتاة للعبة ما، بدأ المبتز في استمالتها بتقديم أموال لها، ثم إقناعها بإرسال صور شخصية لها بأوضاع معينة.

وأضاف «استخدم المبتزون صورة الفتاة من خلال الديب فيك أو التزييف العميق، وتغيير الصورة تمامًا وتحويلها إلى صورة جنسية، ثم ابتزازها والحصول على أموال منها، وعندما بدأنا التصدي لهذه الجريمة واجهنا مشكلة لأن التطبيق كان يعمل من خارج البلاد، وكنا بحاجة إلى التعاون الدولي وفقًا للاتفاقيات الدولية، لكن داخل مصر يمكن لمباحث الإنترنت تحديد عنوان IP (وهو الرقم المميز لكل جهاز كمبيوتر أو أي جهاز آخر يتصل بالإنترنت) الخاص بالشخص المُحتال، حتى من خلال اللعبة».

ويقول محمد اليماني، مؤسس مبادرة قاوم لمحاربة الابتزاز والتحرش الإلكتروني، إنه تعامل مع مئات من حالات الابتزاز عبر الألعاب الإلكترونية خاصة سرقة البيانات، لأن الألعاب تتيح التواصل المباشر بين المستخدمين، وهي كارثة كبرى لأن معظم الضحايا من الأطفال والمراهقين، وكانت معظم الحالات التي تعامل معها تقع أعمارهم بين 7 سنوات و17 سنة. ويتم استدراج الأطفال داخل اللعبة الإلكترونية من خلال إقامة المحتال علاقات اجتماعية داخلها، وإقناعهم بأنه ينافسهم، ثم استدراجهم للحصول على رقم الهاتف والمعلومات الشخصية.

ويضيف مؤسس المباردة: «يتم توطيد العلاقات فيما بينهم، ثم يبدأ في استدراج الضحية وابتزازه، أو الدخول إلى اللعبة بحساب وهمي».

ويتعامل «اليماني» ومؤسسة «قاوم» مع حالات الابتزاز عبر الألعاب الإلكترونية بمحاولة طمئنة الطفل وأسرته وتقديم الدعم النفسي لهم والتواصل معهم طوال الفترة التي تلي الواقعة تجنبًا لفقدان الضحية السيطرة على حياته وإنهائها، ثم التنسيق مع الجهات المتخصصة ونجدة الطفل، مشيرًا إلى أن الأهم في الأمر هو التوعية داخل المدارس ومختلف المؤسسات لاستخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية بشكل آمن.

الألعاب الإلكترونية.. بيئة خصبة للمحتالين

ويرى «اليماني» أن زيادة نسبة الابتزاز عبر الألعاب الإلكترونية له أسباب عديدة أهمها سهولة انتشار الألعاب، فهي أسهل عامل للترفيه في الوقت الحالي، كما تزداد أيضًا بسبب غياب الوعي والرقابة الأسرية، مؤكدًا أن إضافة خاصية الدردشة الكتابية أو الصوتية داخل الألعاب أعطى فرصى أكبر لإقامة علاقات تحت مُسمى الصداقة، مما يسهل عملية الاستدراج.

ويلجأ المُبتز إلى الألعاب الإلكترونية، وفقًا لـ«اليماني»، لأنها تُعد بيئة جذابة تشبه المغناطيس، واسعة الانتشار ولا تخضع لأي نوع من الرقابة، كما توفر هذه الألعاب فرصًا للاختفاء من خلال خيارات متنوعة داخل اللعبة، مما يجعلها وسيلة فعالة للمبتزين لاستغلال الضحايا دون ترك أي أثر خلفهم.

وكانت واحدة من أبرز الحالات التي تعاملت معها مبادرة «قاوم» قد وقعت داخل لعبة إلكترونية، حيث تم استدراج طالب في فصل بإحدى المدارس من قِبَل شخص مجهول داخل لعبة، وأُجبر الطالب على إقناع زملائه في الفصل بلعب نفس اللعبة والتواصل معه، وبدأ المبتز في تهديد الطالب بنشر صور خاصة له، وأجبره على الضغط على أصدقائه لتصوير أنفسهم بصور غير لائقة مقابل وعود بالفوز أو تحقيق مكاسب داخل اللعبة.

%90 من ضحايا الابتزاز إناث

مؤسسة «سبيك آب - اتكلم/ي» نشرت دراسة عن حالات الابتزاز الإلكتروني في مصر، بما في ذلك الابتزاز عبر الألعاب الإلكترونية، وشارك فيها نحو 3176 شخصًا، وأظهرت الدراسة أن 90% من الضحايا كانوا إناثًا، بينما 10% من الذكور، أما بالنسبة للمقابل الذي طلبه المبتز، فكان 47% جنسيًا، و19% ماديًا، و34% مقابل آخر، كما تبين أن النسبة الأكبر من المعرضين للابتزاز كانوا من طلاب الجامعات.

تقول جهاد حمدي، مديرة ومؤسسة مبادرة «سبيك آب - اتكلم/ي»، لـ«الوطن»، إنهم واجهوا عددًا كبيرًا من حالات الابتزاز عبر الألعاب الإلكترونية، بالإضافة إلى سرقة البيانات واستدراج القُصر، لكنها لا تتذكر العدد المحدد من الحالات التي تم التعامل معها عبر الألعاب بشكل خاص.

وأكدت أن معظم الحالات كان تتعلق باستدراج الأطفال عن طريق الدردشة داخل اللعبة سواء بالكتابة أو الصوت، مشيرة إلى أن معظم الضحايا لا يكون لديهم وعي بالابتزاز.

وحتى الآن، لا توجد إحصائيات رسمية دقيقة حول نسبة الابتزاز الإلكتروني في مصر، ومع ذلك، تشير دراسات المبادرات المجتمعية مثل «قاوم» و«سبيك آب» و«تدوين»، إلى أن الظاهرة في تزايد ملحوظ، مما يطرح تساؤلات حول الإطار القانوني المنظّم لهذه الجرائم في مصر، وكيفية التعامل مع مرتكبيها.

الابتزاز

القانون المصري يُجرم الابتزاز الإلكتروني بكل أنواعه

وتنص المادة 327 من قانون العقوبات على تجريم أي تهديد ضد النفس أو المال أو الشرف، بشرط أن يكون التهديد مرتبطا بطلب واضح من الجاني، مثل الحصول على أموال أو خدمة معينة.

ويقول مصطفى جمال، محامي متخصص في تكنولوجيا وأمن المعلومات، إن العقوبة تنطبق أيضًا حتى ولو ينفذ الجاني تهديده، فمجرد توجيه التهديد مصحوب بطلب يُعتبر ذلك جريمة قائمة بذاتها.

ومع تطور استخدام التكنولوجيا، تم إصدار قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، والذي ينظر له الخبراء باعتباره خطوة كبيرة على طريق مواجهة الجرائم الإلكترونية في مصر.

وتنص المادة 25 من هذا القانون على تجريم أي اعتداء على الحياة الخاصة عن طريق استخدام وسائل إلكترونية، مثل نشر صور أو تسجيلات أو معلومات شخصية بدون موافقة صاحبها، ويعاقب القانون على ذلك بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر، وغرامة مالية تبدأ من 50 ألف جنيه.

ومع ذلك، يقول «جمال» إن القانون المصري لا يوجد به نص صريح يناقش الابتزاز عبر الألعاب الإلكترونية، ولكن ذلك لا يُعني أن الابتزاز عبر الألعاب لا يخضع للقانون فالعبرة ليست بالوسيلة، لكن بالفعل ذاته.

ويضف: «استخدام شات أو خاصية تواصل داخل اللعبة للتهديد أو الابتزاز يتعامل معه القانون بنفس طريقة الابتزاز الإلكتروني، لأن اللعبة مجرد وسيلة فقط، وبالتالي، القانون المصري يشمل الابتزاز أيضًا عبر الألعاب طالما أركان الجريمة متوفرة».

وأكد المحامي المتخصص في الجرائم الإلكترونية وأمن المعلومات، أن الأدلة الرقمية تكون العنصر الأهم والأساسي في تحريك دعاوى المجني عليهم وتتبع الجاني، وكل ما يحدث داخل اللعبة يمكن أن يتحول إلى دليل قوى، لكن بشرط توثيقها بشكل سليم من البداية، مثل لقطات الشاشة المتوفر بها المحادثات أو التهديدات.

وتتم أيضًا عملية تتبع المبتز أو الجاني عبر الألعاب الإلكترونية عن طريق اسم المستخدم أو رابط حسابه والذي يتم منه التهديد، والأهم أيضًا الوصول لبيانات فنية مثل عنوان الـIP أو السجلات التي توضح تاريخ وساعة دخوله اللعبة، والتي تكون موجودة في سيرفرات الشركات المطورة، وهو دور الجهات المختصة في مصر، مثل مباحث الإنترنت أو النيابة العامة، والتي تتولى مخاطبة الشركة المالكة للعبة بشكل رسمي للحصول على بيانات الحساب المشتبه فيه.

لكن «جمال» يقول إن الأصعب في الأمر هو أن معظم الألعاب الإلكترونية تكون «سيرفراتها» خارج مصر، وهنا يأتي دور التعاون الدولي.

وكانت مصر انضمت لاتفاقية بودابست للجرائم السيبرانية، والتي تمكن الدول من تبادل المعلومات والمساعدة القانونية بسرعة في حال كانت الجريمة عابرة للحدود.

وبحسب «جمال»، فمن خلال تلك الاتفاقية، يُمكن للجهات المصرية تقديم طلب للشركات الأجنبية بتسليم بيانات فنية مُهمة تساعد في الوصول للمبتز، وهو ما يحدث في قضايا حقيقية.

ويؤكد «جمال» أن الأجهزة الأمنية المصرية استطاعت أكثر من مرة الوصول لمبتزين بدأت علاقتهم بالضحايا من خلال لعبة أو تطبيق، وتم تتبعهم من خلال حسابات البريد الإلكتروني التي استخدموها أو تحويلات مالية تمت عبر وسائل دفع إلكترونية.

البل

شركات الألعاب وخلق بيئة آمنة للمستخدمين

وتؤكد شركات تطوير الألعاب الإلكترونية أنها تولي اهتمامًا متزايدًا بخلق بيئة آمنة للمستخدمين، خاصة مع تزايد التحديات المرتبطة بالمضايقات الإلكترونية والمحتوى غير اللائق داخل الألعاب، ويؤكد عددًا من الرؤساء التنفذين لشركات الألعاب التزامهم بتوفير بيئة آمنة للمستخدمين، خاصة وأن العدد الأكبر منهم دون سن 15 عامًا، بحسب صحيفة «جارديان» البريطانية.

يقول محمد عواد، مطور ألعاب ومؤسس إحدى شركات الألعاب الإلكترونية في مصر، إن المستخدم هو المسؤول عن تصرفاته أيًا كانت على أي وسيلة ترفيهية، سواء ألعاب أو غيرها، وإذا تم استخدامها بشكل خاطئ أو سيء فستؤدي إلى مشكلات عديدة سواء لنفسه أو لأسرته.

لكن، هل تقع مسوؤلية حماية المستخدمين على عاتق شركات تطوير الألعاب أم أن الأمر في يد المستخدم؟.. يجيب «عواد» قائلًا إن هناك بعض البيانات تسجلها الشركات عن اللاعب مثل الصور والاسم وتاريخ الميلاد، وهي بيانات مطلوب حمايتها بواسطة الشركة وعلى المستخدم اختيار ألعاب موثوقة لمشاركة بياناته معها، كما يجب على الشركات الحفاظ على سرية بيانات مستخدميها.

نصائح لتجنب الوقوع في فخ الابتزاز عبر الألعاب الإلكترونية

ولتجنب الوقوع في فخ الابتزاز عبر الألعاب الإلكترونية، يقول اللواء محمود الرشيدي، مساعد وزير الداخلية الأسبق لأمن المعلومات، إن التعامل على الإنترنت غير آمن، ولا يجب الثقة إطلاقًا بأي طرف لا تعرفه بشكل شخصي، لأن ذلك قد يكون بابًا خلفيًا للكثير من الأمور السيئة.

يؤكد «الرشيدي» إن التوعية بمخاطر الإنترنت والتكنولوجيا الحديثة وكيفية استخدامهما بطريقة آمنة، وعودة دور الأسرة التوعوي، هو الأهم للحماية من فخ الجرائم السيبرانية.

بينما يرى محمد اليماني، مؤسس مبادرة «قاوم لمحاربة الابتزاز»، أن دور المجتمع بكافة مؤسساته تجاه حالات الابتزاز عبر الألعاب الإلكترونية هام ومحوري للتصدى لكافة أنواع الجرائم الإلكترونية: «يجب البُعد عن خطاب التحذير والمنع، ويجب مُصادقة الأطفال والتقرب منهم وتدريبهم على كيفية استخدام التكنولوجيا بشكل آمن وتدريب الأهل على كيفية مُتابعة أبنائهم دون خوف أو ترهيب أو انتهاك للخصوصية، وتغيير سلوك وتربية أولياد الأمور لأبنائهم».

وللتصدى لظاهرة الابتزاز بكافة أشكاله، أوصى إسلام غانم، خبير تكنولوجيا أمن المعلومات، باستخدام أداة جديدة اسمها «StopNCII»، وهي أداة تُتيح للمستخدمين حماية خصوصيتهم، وتعمل عن طريق رفع الصور التي يستخدمها المحتال للابتزاز، ثم تحويلها إلى بصمة رقمية مشفّرة تُرسل إلى المنصات الاجتماعية المختلفة لمنع نشر المحتوى والتعامل معه على أنه «ابتزاز».


مواضيع متعلقة