د. محمود خليل يكتب: أيام «متجددة» في تاريخ «الوطن»
د. محمود خليل يكتب: أيام «متجددة» في تاريخ «الوطن»
لا أصدق أننى أكتب عن ماضٍ.. لأننى أشعر أن ما أحدثك عنه وقع للتو.. فبالأمس القريب انطلقت اجتماعات تأسيس جريدة «الوطن» الورقية وموقعها الإلكترونى، الكل متحلق حول طاولة تضم وجوهاً يرتسم عليها الطموح والتوثب إلى بناء تجربة مهنية جديدة وفريدة: مجدى الجلاد ومحمود الكردوسى ومحمود مسلم وأحمد محمود ومحمد البرغوثى وعلاء الغطريفى والعبد لله.
كان ذلك أوائل سنة 2012، وهى واحدة من أكثر السنوات سخونة فى تاريخنا السياسى المعاصر، والأشد حيوية على مستوى المهنة خلال العقدين الأول والثانى من الألفية الجديدة.
وقتها كنا نستعد لأول انتخابات رئاسية بعد رحيل «مبارك» عن الحكم، وهى الانتخابات التى فاز بها مرشح «الإخوان»، ولعلك تذكر كم الحيرة التى استقبل بها الشعب النتيجة، وحالة اللخبطة التى أحدثها النظام الجديد فى حياة الناس، والإحساس السريع بالتململ الذى بدأ يتسرّب إلى أعصاب المصريين من أداء رئيس الإخوان العاجز عن السيطرة على الدولة وعلى أدوات الحكم، ثم كان نزول المصريين فى 30 يونيو 2013، وما أعقبه من تحولات شهدتها بلادنا.
فى ذروة هذه الأحداث صدرت جريدة «الوطن» وانطلقت على الفضاء الافتراضى وعالم التواصل الاجتماعى فى سوق مهنية كانت تعيش حالة من المنافسة العاتية بين الكثير من النوافذ الصحفية التى تتسابق على انتزاع اهتمام القارئ.
كان من الطبيعى فى ظل الظروف المواتية وتوافر أدوات النجاح أن تُشكل الجريدة رقماً مهماً على خريطة الصحافة المصرية منذ أن نادى «الباعة» باسمها فى الشوارع. فمنذ اليوم الأول لصدورها اعتمدت «الوطن» على معادلة مهنية تُعلى قيمة «التميز» فى إنتاج المحتوى الصحفى الورقى، عبر الأخبار الحصرية، والموضوعات الصحفية الاستقصائية، والمحتوى الخاص الذى لا تجده إلا فيها، وتمكّنت بذلك من إحياء الآمال فى منح الصحافة الورقية حياة أطول، وقدّمت عبر نوافذها الإلكترونية تجربة جديدة فى الصحافة الرقمية تعكس استيعاباً عميقاً لطبيعتها وخصوصية فنونها، وقدرتها على الوصول إلى مستخدمى الإنترنت والتواصل الاجتماعى بالصوت والصورة والبث المباشر وجميع أشكال الصحافة التليفزيونية.
جانب مهم من جوانب التميّز فى تجربة «الوطن» ارتبط بالكوادر الشابة التى كانت تتزاحم داخل غرفة الأخبار بها، والتى قدّمت نموذجاً للصحفى المتكامل القادر على إنتاج محتوى تذوب فيه الحدود الفاصلة بين الورقى والمسموع والمرئى.
كل من عاش تجربة العمل بـ«الوطن» لا يشعر بمرور الأيام والسنوات، لأنه يندمج فى تجربة قادرة على التجدّد باستمرار، فكل جيل يحمل راية العمل بها يدخل إلى مربع المسئولية، وهو مشبع بما تعلمه من الأجيال السابقة، ويخوض العمل بنفس الطموح والتوثب الذى امتاز به «الجيل المؤسس»، ويضيف إليه من المعالم المهنية للزمن الجديد، الذى تتطور فيه أساليب العمل الصحفى وسُبل نشر المحتوى بإيقاع بالغ السرعة.
«الوطن» الجريدة «نفحة» من وطننا مصر فى القدرة على التجدد، فمصر خالدة بهذه القدرة التى مكنتها من أن تُبلى الزمان دون أن تبلى، لأن أبناءها قادرون على التكيّف مع ظروف كل زمن يطل عليهم، وامتلاك أدوات العيش فيه والتفاعل معه.
«الوطن» (الجريدة) أيضاً يعرف صانعوها قيمة الأدوات وأهمية التطور للتواؤم مع الاحتياجات التى تجد فى حياة الأجيال المتعاقبة من القراء، إنها الحيوية المهنية التى امتد خطها المستقيم من جيل مجدى الجلاد «جواهرجى الصحافة المصرية» إلى جيل مصطفى عمار المجتهد «الباحث عن التميّز».
ظنى أن «الوطن» تأسست على فكرة «التجدد» وعاشت طوال السنوات الممتدة وحتى الآن بقدرتها على تجديد محتواها وعصرنته وتقديمه عبر المنصات القادرة على الوصول إلى القارئ، ويقينى أنها لو منحت فرصتها كاملة فسوف تستطيع -عبر معادلة التجدّد- استعادة الوجه المهنى الحقيقى للصحافة المصرية، وتطوير المحتوى الصحفى -شكلاً ومضموناً- بحيث يصبح قادراً على المنافسة، بغض النظر عن طريقة تدفّقه إلى القارئ، سواء عبر النسخة الورقية أو المنصات الإلكترونية المتعدّدة.
المحتوى المتجدّد كان وسيظل سر «خلطة النجاح» التى امتلكت «الوطن» سرها.