خالد منتصر يكتب: «السجارجى» وعيد العمال

كتب: أحمد العانوسي

خالد منتصر يكتب: «السجارجى» وعيد العمال

خالد منتصر يكتب: «السجارجى» وعيد العمال

«السجارجى» هو اللفظ الذى كان يُطلق على العامل الذى يلف السجائر، ففى أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، كما ذكرت صحيفة «الأهرام»، كان مصنع «لف السجائر» يُسمى «فاوريقة»، أو «فابريكة» كما ينطقها العامة، وهذه الصناعة دخلت مصر مع الجاليات البريطانية واليونانية والأرمينية فى عام 1868، وبدأت على يد أفراد من عائلات أرمينية ويونانية، ثم استقدموا أقاربهم ومواطنيهم، ومنحوهم فرص عمل إشرافية على العمال المصريين. بدأت صناعة لف السجائر يدوية قبل ظهور الآلات، وسُمِيَت شركة لف السجائر باسم صاحبها الأرمنى «ماتوسيان»، وكان خبيراً فى تلك المهنة.

فى تحقيق للصحفى محمود عوض عبدالعال ذكر أن استهلاك المصريين من «سجائر اللف» كان محدوداً، ويزيد فى الأرياف بعد بيع المحاصيل الزراعية والنقود فى أيديهم، ثم ينحصر استهلاكهم فى المعسل والجوزة أو دخان (المضغ)، تبعاً لضيق ذات اليد، وكان على «السجارجى» انتعال القبقاب، حيث لا يُسمح له بأن يعمل حافياً، وكان أجره اليومى «ثلاثة قروش»، وأجر الصبى «قرشاً واحداً»، وأجر العامل الماهر كان يصل إلى «ثمانية قروش»، أما أجور العمال الأجانب فكانت أضعاف أجور العمال المصريين، وساعات العمل اليومية كانت 12 ساعة يومياً، من السابعة صباحاً إلى السابعة مساءً، مع ساعة راحة للغذاء والجلوس على مقهى داخل حوش المصنع دون مغادرته لأى سبب.

لكن لماذا نذكر «السجارجى» اليوم بمناسبة احتفالاتنا بعيد العمال، لأنه صاحب أول إضراب عمالى فى تاريخ مصر، ومنه وُلدت فكرة التجمعات أو النقابات للدفاع عن مصالح العمال، وتذكر بوابة «الاشتراكى» أن أول نقابة عمالية أنشئت فى مصر كانت نقابة لفافى السجائر العاملين فى شركات الدخان عام 1899.

ونشأت هذه النقابة إثر إضرابات متتالية قام بها العمال رداً على خفض أجورهم، وكانت فى الأساس نقابة عمال مهرة أجانب، مما جعلها أقرب إلى نقابة حرفيين ذات طابع محدود وضيق. وقد اندثرت هذه النقابة عندما فقد لفافو السجائر وضعهم المتميز مع التطور التكنولوجى الذى لحق بصناعة الدخان.

وكتب الصحفى حسام حربى فى جريدة «الوطن» عن تلك الفترة قائلاً: «خلال عام 1897 قاد عمال الدخان والسجائر بالقاهرة والإسكندرية الكثير من الإضرابات، واتبعوا أسلوباً ذكياً، فعندما كان عمال مصنع يضربون عن العمل كان عمال المصانع الأخرى يجمعون لهم من التبرّعات ما يعينهم على الاستمرار فى الإضراب حتى تُجاب لهم مطالبهم، ومن هنا عرف العمال المفاوضة الجماعية».

وأسفرت الإضرابات عن تأسيس «جمعية لفافى السجائر» بالقاهرة والإسكندرية، ابتداءً من ديسمبر 1899، وخلال هذه الفترة بدأت شركات السجائر وصناعة الدخان فى مصر بنحو 40 شركة ضمّت نحو 30 ألف عامل كانوا يعانون ظروف عمل سيئة للغاية.

ونشرت جريدة «الأهرام» فى عددها 18 يونيو 1894 خبراً مطولاً عن عريضة وقّعَهَا كل عمال السجائر.

ووصفتها بـ«شكوى ينفطر لها القلب»، من تدّنى الأجور، رغم رواج سوق الدخان، وتعنّت أصحاب المعامل وإصرارهم على تجميد رواتب العمال عند حد معين، وإجبار العمال أنفسهم على تحمّل رواتب العاملين فى مقهى المصنع وعمال النظافة، وأن يكون الشاى والسجائر والطعام على حسابهم، والمصنع هو الذى يتحكم فى كل هذه الأشياء، فى ظل مناخ عمل لصناعة يدوية تُتلف الصحة، ووصفتها «الأهرام» بـ«شر الحرف».

وبدا واضحاً من تعليق «الأهرام» أنها وقفت بجانب «عمال لفيفة السجائر»، وظلت تتابع نشاطهم وتحركهم الوطنى دفاعاً عن حقوقهم، كما انتقدت سلوك الحكومة «باستخدام العنف ضد العمال، مع أنهم الطرف الأفقر، الذى يُظلم عادة مع كونه الأحق بالإنصاف».

ونشرت «الأهرام» نسخة من كراسة «الجمعية المتحدة للفَّافى السجائر»، وطالبت أصحاب الشركات بإنصاف العامل، وتخفيض «حد لف السجائر» للعامل الواحد من «ألف» إلى «ستمائة» سيجارة فى اليوم. وهو أقصى ما يقدر عليه لاستحقاق أجره، وبالمقابل كوّن «أصحاب شركات الدخان» جمعية سموها «جمعية أصحاب فاوريقات الدخان فى مصر»، وكلهم من اليونانيين والإنجليز والأرمن، واختاروا اليونانى «نستوجنا كليس» رئيساً لها.

وفى كتابه «الأهرام ديوان الحياة المعاصرة» سجل المؤرخ الراحل «د. يونان لبيب رزق» فصلاً كاملاً عن «الجمعية المتحدة للفَّافِى السجائر»، كأول نواة لنقابة عمالية مصرية، بعد الإضراب الشامل الذى قاموا به عام 1899 - 1900، وكانت صناعتهم قد توسّعت، وأصبحت تضم خمسة معامل بالقاهرة، ولها عدد آخر منها بالإسكندرية، وكان ضرورياً أن تلبى هذه المصانع احتياجات جنود الجيش الإنجليزى دون نقصان.

وفى يوم 9 يناير 1900 نفّذ «أصحاب الفاوريقات» إنذارهم، وأغلقوا كل المصانع، وشرّدوا نحو «ألف وخمسمائة» عامل يعولون الألوف من النساء والأطفال، وكان أغلب العمال من الشباب الذين يكرهون البطالة ويحبون العمل، وهكذا لم يكن كفاح عمال لف السجائر دخاناً ضائعاً فى الهواء، بل أثمر كيانات عمالية مصرية وطنية قوية، لهم كل التهنئة فى عيدهم.


مواضيع متعلقة