عمار علي حسن يكتب: أصحاب الأيدي الخشنة

كتب: أحمد العانوسي

عمار علي حسن يكتب: أصحاب الأيدي الخشنة

عمار علي حسن يكتب: أصحاب الأيدي الخشنة

قبل ثمانى سنوات تعطلت سيارتى، وهى من طراز «دايهاتسو تريوس». التهب محركها، وكاد يحترق، فأخذها السائق إلى «التوكيل» فى منطقة العبور. دفع 2500 جنيه رسوم فحص، وأدخلها، ثم أوصلنى بالمختص هناك، فسألته عن التكلفة فأبلغنى أنه سيعرفها لاحقاً، فقلت له: أريد التقدير المبدئى، فقال: سيصل إلى أربعين، وربما يكون ستين ألفاً (أى حوالى 155 ألف جنيه بسعر اليوم قياساً بالدولار).

تحت ضغط الحاجة كدت أوافق، لكنه قال لى عبارة جعلتنى أقرر سحب السيارة فوراً، إذ إن طريقة العمل عندهم هى أن يقوم بفك المحرك، ويفحص السيارة، ثم يُبلغ صاحبها بالتكلفة، فإن وافق حجز السيارة للعمل، وإن رفض فالتوكيل غير ملزم بالتركيب.

ضحكت يومها، وقلت له: هذا فرض لأمر واقع، ولا يمكننى قبوله، مهما كان. وطلبت من السائق أن يستعيد الرسوم ويأتى بالسيارة على مهل، بعد أن أبلغنى صديق بأن هناك مركز إصلاح سيارات يمكن أن يتقاضى خمسة آلاف جنيه فقط. وبينما السائق فى الطريق، هاتفت رجلاً أعرفه جيداً، كان جارى فى الشقة القديمة بـ«حى المنيل»، وهو موظف ويعمل سائق تاكسى بعد الظهر منذ ثلاثين عاماً، لم يغيِّر فيها سيارته، وشرحت له المشكلة، فوصف لى «ميكانيكى ريدياتير» قريباً من بيتى، فجاءت السيارة إليه، وفحصها، ثم قال:

- المشكلة هى أن غطاء الردياتير مشروخ.

وغيَّرناه بمائة جنيه فقط، وقام الرجل بتركيبه وتنظيف المحرك تماماً، وحصل على مائتى جنيه لقاء هذا.

لمثل هذا العامل الماهر، وزملائه من أرباب الحرف، وكل العاملين فى المصانع والورش، وكل منفذ إنتاج يحتاجه بلدنا الآن، أتوجه إليكم جميعاً بتهنئة حارة فى عيدكم «عيد العمال» الذى يصادف اليوم.

وبالمناسبة نفسها أتوجه إلى أصدقائى من العمال الذين برعوا فى مجالات أخرى: القاص والناقد صاحب العشرين كتاباً فى القصة والنقد والتراجم، ابن الدقهلية عامل النسيج الطيب الأستاذ فرج مجاهد عبدالوهاب، الذى تشرفت بتأليفه كتاباً عن أعمالى صدر مؤخراً بعنوان «صناعة الدهشة».

وإلى عم فتحى عبدالحميد الذى تشرفت بمناقشة سيرته الروائية «غزل 6» قبل شهور فى دار المرايا وسط القاهرة، وكتب فيها عن حياته بمصانع الغزل والنسيج بالمحلة الكبرى، وإلى المناضل حمدى حسين، ابن المحلة، الذى يواصل كفاحه من أجل أن يجد بلده فى أفضل حال ومقام.

وإلى الصديق العزيز الكاتب الصحفى هشام فؤاد، الذى كرَّس حياته مخلصاً للعمال، وأصدر مؤخراً عنهم كتاباً بعنوان «عمال على طريق يناير.. قراءة لثلاث معارك عمالية مع نشرات الحركة»، صادر عن «دار المرايا» أيضاً، رصد فيه تاريخهم المعاصر وأحوالهم.

يبين الكتاب كيف حقق نضال العمال المصريين الكثير من الانتصارات لصالحهم، رغم العوامل المعوِّقة، والأسباب القاهرة، من بينها إقرار الحد الأدنى للأجور، رغم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، والنزوع اليمينى الرأسمالى المتوحش فى العالم كله.

يضعنا الكتاب المهم فى ثلاث حكايات ترسم ملامح نضال الطبقة العاملة المصرية خلال الفترة المتراوحة بين 2006 و2011، كان المؤلف شاهداً عليها، ولا أبالغ إن قلت إنه كان منغمساً فيها، بحكم انتمائه الفكرى أولاً، ومتطلبات مهنته ومهمته ثانياً.

فأعطى الوعى إطاراً تحليلياً مهماً، يحيل قضايا العمال إليه، فينجح فى رؤية جزئياتها وتفاصيلها فى سياق الكليات، ويضع الواقع فى وجه الينبغيات، ويفتح الآمال بلا حد كى تكون فى مصر طبقة عاملة منتجة، حاصلة على حقوقها كاملة غير منقوصة، لا سيما فى وقت نحن فيه فى أشد الحاجة إلى تعزيز الإنتاج.

الحكاية الأولى فى الكتاب تخص كفاح عمال المحلة فى سبيل الحصول على أجر عادل ونيل حقوقهم من أى ثمار للتنمية، والثانية عن موظفى الضرائب العقارية الذين تظاهروا أمام مجلس الوزراء وقتها لتسمع الحكومة صوتهم المنادى بتأسيس نقابة مستقلة.

أما الثالثة فأبطالها هم عمال شركة طنطا للكتان، الذين نادوا بعودتهم إلى رحاب القطاع العام، رافضين الأضرار التى تُلحقها بهم سياسات اقتصادية تنزع إلى يمين جامح.

لكل هؤلاء أقول: كل سنة وأنتم فى خير وسلام، لا تكل أيديكم الخشنة ولا تمل، فى سبيل تحصيل القوت، فتبقى مصر واقفة على أكتاف أولادها الشقيانين.


مواضيع متعلقة