عمار علي حسن يكتب: عن أصحاب الكرامات

كتب: أحمد فكري

عمار علي حسن يكتب: عن أصحاب الكرامات

عمار علي حسن يكتب: عن أصحاب الكرامات

يعود أهل قريتنا من الموالد قابضين على الفرح والحكايات، يتحدث الصغار عن الألعاب والأهازيج والبهجة، ويشاطرهم الكبار فى هذا، لكن حديثهم يمتد إلى كرامات الأولياء، أو «أهل الله» كما يروق لهم أن يطلقوا عليهم. كانوا متفقين فى هذا، يرددونه فى يقين عجيب، إلى أن عرف أولادهم طريق المدارس والجامعات، فاختلفوا معهم على مصاطب السمر، وفى السير الليلى على الجسور، وأثناء الكدح فى الغيطان.

راحت الأفكار الواردة جديداً على القرية تهز كثيراً مما كان يعتقد فيه السابقون، بعد أن سمعوا حكايات تتردد هنا وهناك، بعضها قد يكون قد انطلق من شىء حقيقى، لكن كل صاحب رأس أضاف إليه من مخيلته ما يشاء، وبعضه لم يزل محض اختلاق، فصار كله من منابع التسرية عن النفوس، والتعلق بأى أهداب تقربها من السماء.
من بين هؤلاء المتعلمين، طالب يدرس الفلسفة فى جامعة «المنيا»، قال ذات ليلة، بعد أن سمع حكاية عن شيخ له كرامات نافذة:
- لا أتعجب من أن يكون لإنسان طاقة روحية جبارة، مثلما نرى بشراً لهم طاقة جسدية جبارة، مثل ذلك الذى يشد شاحنة بشعره، أو يثنى الحديد الصلب بين أصابعه، أو يقدر على مصارعة عشرة رجال أشداء.
هزَّ طالب كلية العلوم رأسه، وقال:
- عموماً ما نعرفه عن الكون، حتى الآن، ليس سوى جزء ضئيل جداً، والعلم يقف أحياناً عاجزاً عن اكتشاف الكثير مما نجهله.
وقال ثالث يدرس الشريعة فى جامعة الأزهر:
- إنها أقوال الباطنية، الذين يزعمون أن الحقيقة مقدمة على الشريعة، وبعض هذا قد يكون من أعمال السحر، وكثير منه صنعته المخيلات الجامحة.
وقال رابع يدرس علم النفس:
- لا يمكننى إنكار حاجة كل فرد إلى ردم الهوة بين ما يعرفه، وهذا قليل، وبين ما هو من قبيل الغيب، وهذا كثير، حتى يقلل الإنسان من قلقه وتوتره الذى لا يتوقف.
وأمعن دارس الاجتماع فيما سمع، ثم قال: أوافقكم الرأى، لكن لا يمكننى إنكار المبالغات التى تحاط بالكرامات، ولا اختلاق كرامات لمن لا يختلف الناس على عدم صلاحهم.
تطلعوا إليه، فواصل فى ثقة:
- دراسة الاجتماع الدينى والأنثربولوجيا تعطى بعض مفاتيح التعامل مع هذه الحكايات، وبت مقتنعاً أن إيالة مشيخة الطرق الصوفية إلى الابن الكبير، صنعت الكثير من الكرامات المكذوبة، فيمكن لشيخ الطريقة أن يكون رجلاً صالحاً بالفعل، وله إلهامه، وأعماله التى تخرق بعض النواميس، لكن ليس هناك ضمان لتوريث الورع، ورأينا بعض من آلت إليه المشيخة من كانت بينهم وبين الدين مسافة واسعة، فصنع له المريدون كرامات، وهم يتكئون على أن فى النسل وراثة للصلاح والطيبة والخير، وليس هذا صحيحاً فى كل الأحوال.
لكن أهل قريتنا لم يتوقفوا طويلاً عند آراء هؤلاء الطلاب، واستراحوا أكثر لترديد الحكايات التى ورثوها، وتحمل أفعالاً خارقة، تعلو فوق النواميس.
قال أحدهم:
- نُقل عن جدى.
وقال آخر:
- سمعت أبى يحكى.
وقال ثالث:
- رأيت بعينى وسمعت بأذنى.
يشنف الجميع آذانهم، بمن فيهم من التحقوا بالجامعات، ومنهم الذين يبحثون عن تسلية وسلوى، ومنهم الذين يُحلّون من اعتقدوا فى أنهم ليس بينهم وبين الله حجاب، ومنهم الذين يرون أن الإيمان بوجود كرامات الأولياء يفتح أمام كثيرين طريقاً يسلكونه إلى الله، وهذا أفضل بالطبع من ترديد خرافات عن الجن والعفاريت. وهنا ينبرى له من يقول فى ثقة:
- شتان بين الأولياء والأدعياء، وبين أهل الله وأتباع الشيطان.
فيقول آخر فى امتنان:
- هناك من أهل الله الذين رأيناهم بأعيننا، وسمعناهم بآذاننا، أو سمعهم ورآهم بعض آبائنا وأجدادنا ممن نحن واثقون فى صدقهم، ولا سبيل لتكذيب ما وصل بعضه إلى كل حواسنا.
قهقه دارس الفلسفة، وقال:
- بعض الحكايات تفسد الأفكار العميقة، وبعضها يغذيها بما لا يخطر على بال.


مواضيع متعلقة