رفعت رشاد يكتب: هدر الغذاء جريمة إنسانية
رفعت رشاد يكتب: هدر الغذاء جريمة إنسانية
في عالم يتزايد فيه عدد الجوعى وتتناقص فيه الموارد، يبدو هدر الطعام وكأنّه مفارقة مؤلمة وجرح أخلاقي عميق في ضمير البشرية، فمن جهة، تُلقى ملايين الأطنان من الغذاء الصالح للاستهلاك في القمامة، ومن جهة أخرى، يعاني أكثر من 800 مليون إنسان من الجوع وسوء التغذية، هذا التناقض الفادح يسلّط الضوء على أزمة إدارة الموارد الغذائية عالميًا، ويدعونا إلى وقفة تأمل وإصلاح.
تشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» إلى أنّ حوالي ثلث الغذاء المنتج عالميًا يُهدر، أي ما يعادل 1.3 مليار طن سنويًا، وتُقدّر القيمة الاقتصادية لهذا الهدر بنحو 940 مليار دولار سنويًا، يحدث الهدر في جميع مراحل سلسلة الغذاء، من الإنتاج والتخزين والنقل، إلى التوزيع والاستهلاك، سواء في الدول الغنية أو الفقيرة، وإن كانت نسبته تتفاوت بينهما.
تتعدد أسباب هدر الطعام باختلاف البلدان والثقافات، ومن أبرزها: الإفراط في الإنتاج من قبل الشركات الكبرى دون تقدير دقيق للاستهلاك الفعلي، والعادات الاستهلاكية السيئة، مثل شراء كميات كبيرة من الطعام ورمي الفائض، وسوء التخزين والنقل في البلدان الفقيرة، حيث تتلف كميات ضخمة من الغذاء قبل أن تصل للمستهلك، والاشتراطات التسويقية الصارمة، كرفض المتاجر بيع الخضروات والفواكه ذات الشكل غير المثالي رغم صلاحيتها، والجهل أو التهاون في فهم تواريخ الصلاحية، حيث يُهدر الكثير من الطعام الجيد فقط لأن تاريخ «الأفضل قبل» قد مضى.
هدر الطعام لا يُعد مجرد ضياع لمورد غذائي، بل له تبعات عميقة تمس البيئة، إذ يُعد إنتاج الطعام المهدر مسؤولًا عن 8% من الانبعاثات الكربونية العالمية، ناهيك عن استنزاف المياه والطاقة والتربة.
كما يمس هدر الغذاء الاقتصاد، حيث تخسر الحكومات والشركات والأسر مبالغ طائلة نتيجة شراء وتلف الغذاء، ويؤثر هدر الغذاء على العدالة الاجتماعية، ففي حين يُهدر الغذاء في الدول الغنية، يعاني سكان البلدان الفقيرة من الجوع المزمن، ما يفضح خللا أخلاقيًا وإنسانيًا.
الحل لقضية هدر الغذاء يبدأ من الوعي الفردي وينتهي بتشريعات دولية صارمة، ومن أهم الاستراتيجيات المقترحة: تعزيز التوعية المجتمعية بأهمية الحفاظ على الطعام وتشجيع ثقافة «الاستهلاك الرشيد» وتشجيع التبرع بالفائض من الطعام الصالح عبر بنوك الطعام أو الجمعيات الخيرية، وتطوير سلاسل الإمداد في البلدان الفقيرة للحد من التلف أثناء التخزين والنقل، وتحسين التخطيط الغذائي في البيوت والمطاعم والأسواق، وسنّ قوانين ملزمة لمنع التخلص من الطعام الصالح وتحفيز إعادة توزيعه، وتحويل المخلفات الغذائية إلى سماد طبيعي أو طاقة بيولوجية بدلًا من رميها في المكبات.
لو استُخدم فقط ربع كمية الطعام المهدر عالميًا، لأمكن إطعام أكثر من 870 مليون جائع في العالم، هذا الرقم ليس نظريًا، بل واقعيًا، وهو دليل على أنّ القضاء على الجوع ليس مستحيلًا، بل ممكن إن تم توجيه الموارد بشكل عادل وإنساني.
إن الحكومات، والمؤسسات، والمزارعين، والتجار، والمستهلكين، جميعهم شركاء في هذه المعركة ضد الهدر والجوع. فكل خطوة نحو تقليل الفاقد، وكل لقمة يتم الحفاظ عليها، تعني إنقاذ حياة، وتعني احترامًا للنعمة، وإنصافًا لإنسان جائع في ركن ما من هذا الكوكب.
لن يكتمل معنى الإنسانية ما دام الطعام يُلقى في القمامة بينما الجياع يتضورون، الحل لا يكمن فقط في زيادة الإنتاج، بل في ترشيد الاستهلاك، والعدالة في التوزيع، والرحمة في التعامل مع الموارد، فلنحوّل فائض الطعام إلى رسالة حب وأمل وعون للمعوزين، ولنصنع من «اللقمة الضائعة» بابًا نحو إنقاذ الأرواح وصناعة المستقبل.