علي الفاتح يكتب: الإيجار القديم.. مهمة الحوار المجتمعي الصعبة

كتب: أحمد فكري

علي الفاتح يكتب: الإيجار القديم.. مهمة الحوار المجتمعي الصعبة

علي الفاتح يكتب: الإيجار القديم.. مهمة الحوار المجتمعي الصعبة

يحتاج مشروع قانون الإيجار القديم إلى دراسة دقيقة لا تهمل انعكاساته السياسية وجوانبه الاقتصادية والاجتماعية، كونه يرتبط بأحد أبعاد الأمن القومي المهمة.

السلام الاجتماعى والاستقرار السياسى قضايا تفرض نفسها عند مناقشة إشكالية أو تحدٍّ وثيق الصلة بمصالح ملايين المواطنين، لا سيما فى ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة، التى يتعين أخذها فى الاعتبار عند طرح قضية حساسة مثل قضية «الإيجار القديم».

مجلس النواب شرع فى مناقشة مشروع القانون المقدم من الحكومة التزاماً بحكم المحكمة الدستورية العليا الصادر فى نوفمبر ٢٠٢٤، والقاضى بعدم دستورية ثبات القيمة الإيجارية.

ما يهمنا فى هذا السياق تشديد رئيس الوزراء دكتور مصطفى مدبولى على عرض مشروع القانون للحوار المجتمعى عبر آلية البرلمان قبل أن تتم عملية صياغته النهائية ومن ثم إصداره.

المؤكد أن خبراء الإسكان والقانون، إضافة إلى ممثلين عن فئتى الملاك والمستأجرين، سيكونون على قائمة المدعوين للحوار المجتمعى.

وأعتقد أنه من الأهمية بمكان مشاركة مختلف الأحزاب السياسية بتعدد رؤاها عبر أوراق عمل منضبطة تراعى مصلحة الطرفين المخاطبين بهذا القانون، وأن تنخرط فى النقاشات مع خبراء القانون والإسكان.

وجود الأحزاب السياسية باختلاف مواقفها إزاء سياسات الحكومة سيساعد على تغطية العديد من الجوانب، لذلك من المهم أيضاً أن يشارك فى الحوار المجتمعى خبراء الاقتصاد ومراكز الأبحاث والدراسات الاقتصادية والسياسية حتى يقدموا تصوراً دقيقاً للقيمة الإيجارية الأنسب، ومدة المرحلة الانتقالية الأمثل، بما يتناسب مع معدلات التضخم ومستوى الدخول، خاصة لأصحاب المعاشات والتوقعات بشأنها على مدى السنوات العشر القادمة.

ما قدَّمته الحكومة يبقى مجرد مشروع قانون، وما به من مواد ليست نصوصاً نهائية، وجميعها يحتاج إلى المراجعة فى ضوء بيانات وإحصاءات دقيقة خاصة لأعداد شقق الإيجار القديم وتوزيعها الجغرافى فى المحافظات والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لساكنيها، فعلى سبيل المثال من الصعب مطالبة شخص على المعاش بإيجار ١٠٠٠ جنيه كحد أدنى فيما كل ما يتقاضاه لا يتجاوز ثلاثة آلاف جنيه. لا بد وأن تراعى النقاشات الارتفاع المهول لأسعار الأدوية التى يزداد طلب المواطن عليها مع تقدمه فى العمر بحكم أمراض الشيخوخة ناهيك عن أسعار السلع الغذائية.

الحوار المجتمعى يحتاج إلى مداخلات علماء الاجتماع وأوراقهم العلمية بعد أن يطلعوا على الحلول المقترحة من جانب الحكومة، ومنها إتاحة وحدات سكنية للإيجار أو التمليك فى مشروعات الإسكان التى تملكها الدولة.

هل سيكون هذا الحل مناسباً لمن اقترب من السبعين وقد ارتبطت كل حياته ومصالحه بعيادة الطبيب وقرب أبنائه وأقاربه بخلاف جيرانه القدامى؟! ألا تطرح هذه القضية بعداً إنسانياً لا بد من مراعاته؟! لماذا لا تمتد المرحلة الانتقالية من ١٠ إلى ١٥ سنة؟! وعلى أى أساس حددتها الحكومة فى مشروع القانون بـ٥ سنوات فقط؟!

لا بد، خلال جلسات الحوار المجتمعى، من عرض تجارب الدول الأخرى ودراسة ما يتوافق منها مع الحالة المصرية من كافة الأبعاد، خاصة الاقتصادية، فى ظل اتجاه الحكومة لتحرير أسعار الطاقة وانعكاسات ذلك على معدلات التضخم وسعر صرف العملات الأجنبية.

وبالتوازى مع عملية دراسة مشروع قانون الإيجار القديم استعداداً لإصداره، يتعين على الحكومة مراجعة موقفها من أسعار شقق الإيجار الجديد والذى تركته كلية لمبدأ العرض والطلب، فقد كان ذلك مقبولاً قبل أن تصبح مصر مقصداً للملايين من طلاب الملاذ الآمن. لكن، وبعد ما شهدناه من ارتفاعات خارج نطاق العقل أدت إلى طرد بعض الأسر المصرية واضطرارها للسكن فى أماكن شديدة البؤس، لا بد من تدخل حكومى حاسم يجرم طرد الساكن المصرى لصالح الأجنبى ويحظر رفع القيمة الإيجارية لأكثر من ٣٠%، وذلك أسوة بما فعلته حكومات أخرى مرت بظروف مشابهة. هذا التدخل من شأنه ضبط أسعار السوق إلى حد ما.

ظنى أن لجنة الحوار المجتمعى لا بد أن تضم بين أعضائها خبراء فى الأمن القومى على أن يقدموا رؤيتهم بعد الاستماع إلى جميع الأطراف والاطلاع على جميع أوراق العمل وكافة البيانات الخاصة بشقق الإيجار القديم وساكنيها.

أظن أن الحكومة قد تكون مطالبة بتقديم الدعم للكثيرين من أصحاب المعاشات الضعيفة أو أولئك الذين لا دخل لهم حفاظاً على كرامتهم وصوناً لحق المالك، وعلى الحوار المجتمعى أن يجد السبيل لتحقيق هذه المعادلة الصعبة.


مواضيع متعلقة