عمار علي حسن يكتب: صورة على جدار قديم  (1)

كتب: أحمد العانوسي

عمار علي حسن يكتب: صورة على جدار قديم  (1)

عمار علي حسن يكتب: صورة على جدار قديم  (1)

نادرة هى الأعمال الأدبية التى جعلت مكانها القاهرة والجزائر والعكس، ووزعت أبطالها بين مصريين وجزائريين، لترصد مرحلة مهمة من تاريخ العرب الحديث، بُنيت فيها علاقة بين بلدين عربيين على أفضل ما يكون، حين ساعدت مصر حركة تحرير الجزائر، مادياً ومعنوياً، ثم أرسلت عشرات الآلاف من المعلمين ليخوضوا معركة أخرى بعد استقلال الجزائر، وهى «التعريب» لإزالة سنوات من الفرنسة، وأرسلت دعاة ووعاظاً إسلاميين على رأسهم الشيخ محمد متولى الشعراوى، والشيخ محمد الغزالى.

ذهب يوسف إدريس إلى الجزائر منضماً إلى الثوار، وأبدع مصريون قصائد فى تحيتهم، وكتبت مقالات كثيرة جداً لمساندتهم، وصنعت مصر فيلم «جميلة بوحيرد»، لكن ظل السرد المصرى، قصصاً كانت أو روايات، بعيداً عن هذه المنطقة، أو لم ينفعل بها على قدر ما تموج به من مواقف سياسية واجتماعية، وروابط إنسانية، وتجارب مختلفة خاضها مصريون وجزائريون معاً، أو بشكل مستقل.

فى رواية «وليمة لأعشاب البحر» للكاتب السورى حيدر حيدر أتى على ذكر حال المدرسين المصريين فى الجزائر، بشكل عابر وقع فى غواية الصورة النمطية، ولم يخل من بذاءة. وانتظرنا سنوات طويلة حتى جاء الكاتب الصحفى والروائى الأستاذ محمد غزلان ليجعل من تجربة المدرسين المصريين فى الجزائر عالماً ثرياً لروايته الجديدة «صورة على جدار قديم» الصادرة عن «دار الحسينى للثقافة»، لا يقف على معالمه وملامحه من الخارج، إنما يغوص إليه غوص العارف به، الذى وقع بالفعل على حكاية واقعية، أو منحها من خياله الكثير، ثم دفع إليها حصيلة معرفية اكتسبها من زيارات وقراءات للجزائر، فلم يجعل هذا التخييل معلقاً فى فراغ، يخاصم الحقيقة، إنما هو واقع فى قلبها.

وجد بطل الرواية جمال شعراوى، المدرس، صعوبة فى البداية فى الاندماج سواء مع زملائه بالمدرسة أو الناس، ثم لم يلبث أن انفتح أمامه المجتمع، بعد أن اقترن بـ«فاهيمة»، وأنجب بنتاً منها، لكنها الزوجة/ الحبيبة لم تأتِ معه إلى مصر، وفى الوقت نفسه رفضت الطلاق منه، واتفقا على أن يعود هو إلى القاهرة وتبقى هى فى الجزائر، ويتبادلان الزيارات والرسائل، التى انقطعت من طرفها، فلم يطق على هذا صبراً، وسافر إلى الجزائر العاصمة، ومنها إلى وهران، ثم باريس بحثاً عنها، لكنه لم يعثر عليها، فعاد قابضاً على الذكريات.

هذا الغوص تدل عليه أشياء كثيرة، أولها رمزى إذ يجعل الجزائر مستيقظة فى قلب مصر، قدر بقاء الوله والحنين فى قلب «جمال عثمان شعراوى»، المدرس المصرى العائد من الجزائر، لزوجته الجزائرية «فاهيمة رابح»، لكن ظل «شعراوى» بعد عودته إلى القاهرة متواصلاً مع أصدقائه الجزائريين، بل مع الفرنسية، زميلته فى المدرسة وصديقة زوجته، التى عادت إلى بلدها مارسيليا.

وأدى هذا الحرص على استمرار العلاقة بين الجانبين إلى اجتماع شمل العائلة فى النهاية، لحظة أن تلقى الابن من الزوجة الجديدة رسالة على الماسينجر من أخته التى أنجبتها زوجة أبيه الأولى:

ـ دكتور شعراوى، هل أنت من مصر؟

ـ هل أنت من القاهرة، من السيدة زينب، من منطقة قلعة الكبش؟

ـ هل اسم والدك جمال عثمان شعراوى؟

ـ أرسل لى عنوانك بالتفصيل وكيفية الوصول إليك.

سأنزل إلى القاهرة قريباً.

أختك، دكتورة مليكة شعراوى.

والثانى: الأماكن، حيث التجول فى الأحياء القديمة بالعاصمة الجزائر، مثل حى القصبة، وحى القبة. أما الثالث فيرتبط بالشخصيات، حيث تطل علينا من سطور الروايات لتمثل فئات اجتماعية جزائرية يمكنها أن تكون قريبة من عالم مدرس مصرى، مثل المثقف اليسارى سامى إحدادن، وصاحب التوجه الإسلامى الشيخ يوسف، إلى جانب الحبيبة والزوجة «فاهيمة» وصديقتها الفرنسية «أوداج»، التى فضلت البقاء فى الجزائر بعد رحيل المستعمر. ويأتى الرابع ليتعلق السياق الاجتماعى، الذى لم يسقط فى التأريخ المباشر، أو تتبع الأحداث السياسية، أو اللجوء إلى يوميات العلاقات الرسمية بين مصر والجزائر، فكل هذا كان فى خلفية باهتة، لا تكاد تُرى، وهو من محامد هذا النص، الذى ذهب مباشرة إلى علاقة الحب، بين شاب وفتاة، ليجعل منها المسألة الأكثر ديمومة ومتانة، من علاقات سياسية تنقطع وتتصل، وتتذبذب وتستقر، وتمر بفترات من الإحجام والإقبال، والجفاء والوصال، كعادة ما يجرى فى هذا المضمار والمسار.

ارتبط المدرس المصرى «جمال شعراوى» بالمدرسة الجزائرية «فاهيمة» فى علاقة تُوجت بزواج استمر نحو اثنى عشر عاماً، عدَّها البطل أجمل سنوات عمره، حتى إنه حبس نفسه فى هذا الزمن، بعد أن عاد إلى القاهرة، وتزوج من قريبة له وأنجب منها ولداً وبنتاً، ثم صنع فى بيته خلوة يجتر فيها ذكرياته، التى لا تريد أن تذهب أو تغرب، ويفرض عليها شيئاً من السرية، فلا يدخل هذه الغرفة غيره، حتى بعد أن كبر أبناؤه، إلى أن جاءت ليلة وفتح الباب لابن وابنة تشتعل فى رأسيهما الأسئلة عن السر الدفين الذى يخبئه الأب عن ابنه وبنته، وزوجة احترمت مشاعره، ولم تقحم نفسها فى عالمه الخاص، واكتفت منه بحياة هادئة مستورة.

كان الابن يتعجب من اسمه النادر فى مصر وهو «رابح» ومن اسم أخته الذى كتب فى الأوراق الرسمية «فاهيمة» وليس «فهيمة» كما هو متداول فى مصر، ليكتشف بعد استخراجه قيداً عائلياً بعد تخرجه من كلية الطب، ليحصل بمقتضاه على إعفاء من الخدمة العسكرية، أن أخته تحمل اسم هذه السيدة الجزائرية، وأنه هو يحمل اسم أبيها.


مواضيع متعلقة