د. محمود خليل يكتب: إذن بالدخول
د. محمود خليل يكتب: إذن بالدخول
من اللافت أن تجد آداب الاستئذان حاضرة وبقوة فى كتاب الله، ما يعنى أنها من الأمور الجلل فى تنظيم العلاقة بين المسلمين، وإلا لما اهتم بها القرآن الكريم، وعرض الكثير من تفاصيلها، فى الوقت الذى أجمل فيه الحديث عن بعض الأمور وتركها للتشريع النبوى، مثل الصلاة، وهو ما يضعنا أمام مؤشر جديد على أولوية المعاملات وجوهريتها فى الإسلام.
فى سورة «النور» تجد حديثاً عن آداب دخول البيوت، وضرورة الاستئذان، ثم إلقاء التحية والسلام على أهلها. يقول تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ». والاستئناس معناه الاستبصار: هل يوجد فى البيت أناس أم لا؟ ليتم استئذانهم بعد ذلك. لقد حكمت هذه الآية الكريمة بألا يدخل أحد على أحد بيته إلا بعد الاستئذان والسلام. وفى حديث رواه أبوموسى الأشعرى: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع».
وفى سياق الاستئذان أيضاً تأتى آية أخرى من سورة «النور»، التى تقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ».
يقول «ابن كثير» فى تفسيره للآية الكريمة: أمر الله تعالى المؤمنين بأن يستأذنهم خدمهم مما ملكت أيمانهم وأطفالهم الذين لم يبلغوا الحلم فى ثلاثة أحوال: الأول من قبل صلاة الفجر، لأن الناس إذ ذاك يكونون نياماً فى فرشهم، وحين يضعون ثيابهم من الظهيرة، أى فى وقت القيلولة، لأن الإنسان قد يضع ثيابه فى تلك الحال مع أهله، ومن بعد صلاة العشاء، لأنه وقت النوم، فيُؤمر الخدم والأطفال بألا يهجموا على أهل البيت فى هذه الأحوال، ولهذا قال: «ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ»، أى إذا دخلوا فى حال غير هذه الأحوال فلا جناح عليكم فى تمكينكم إياهم من ذلك، ولا عليهم إن رأوا شيئاً فى غير تلك الأحوال، لأنهم طوافون عليكم، أى فى الخدمة وغير ذلك، ويُغتفر فى الطوافين ما لا يُغتفر فى غيرهم.
منذ زمن بعيد وثمة نوع من التخلى عن مراعاة الآداب التى اشتملت عليها الآيتان الكريمتان، سواء آداب دخول البيوت، أو الدخول على أهل البيت من جانب الخدم والأطفال. فقد أنكر عبدالله بن عباس على الناس عدم التزامهم بآداب الدخول على أهل البيت، رغم ما فى ذلك من حماية للخصوصية. وحماية الخصوصية واحد من المبادئ الحديثة التى تعرّف عليها البشر واعتبروها حقاً من حقوق الإنسان، ويمتد مفهوم الخصوصية هنا إلى النوع الأخير من الاستئذان، وكذلك إلى النوع الأول المتعلق بعدم دخول البيوت إلا بإذن أهلها والسلام عليهم.