د. محمود خليل يكتب: الإحساس الزائف بالذات
د. محمود خليل يكتب: الإحساس الزائف بالذات
السؤال مفتاح المعرفة، والعقل الحي هو العقل القادر على إنتاج أسئلة تنير الوعي بالحياة، وليس العقل الميال إلى السفسطة وطرح الأسئلة في مجالها وفي غير مجالها، السؤال من أجل المعرفة استنارة، أما السؤال من أجل السؤال فيعبر عن رغبة ساذجة فى تعقيد الحياة وأحوالها. تستطيع أن تستخلص هذا المعنى بسهولة من تأمل الآية الكريمة من سورة «المائدة» التى تقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ».
تتناول هذه الآية موضوع الأسئلة التى تطرح فى غير محلها، أو فى غير وقتها، أو دون أن يكون ثمة سبب يدعو إلى طرحها، والنتائج التى تترتب على ذلك، ودور صنف البشر الولوع بذلك فى تعقيد الحياة. ينهى الخالق العظيم المؤمنين عن طرح أسئلة قد تؤدى الإجابات عليها إلى تعقيد حياتهم، وأن يفهموا أن الله تعالى ليس بحاجة إلى أن يُعملوا عقلهم ويعصروا تفكيرهم بحثاً عن إجابات لأسئلة قد تقفز فى أذهانهم، لأنه سبحانه وتعالى بصير بهم وخبير بأحوالهم: «أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ»، ويقدم لهم الإجابات التى تصلح أحوالهم وتطور أوضاعهم.
يشرح «ابن كثير» أسباب نزول الآية الكريمة، مشيراً إلى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أذّن فى الناس فقال: يا قوم كتب عليكم الحج. فقام رجل من بنى أسد فقال: يا رسول الله، أفى كل عام؟ فأغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- غضباً شديداً فقال: والذى نفسى بيده لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، وإذاً لكفرتم، فاتركونى ما تركتكم، وإذا أمرتكم بشىء فافعلوا، وإذا نهيتكم عن شىء فانتهوا عنه.
فأنزل الله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ»، فنهى الله عن ذلك ووجَّه المؤمنين ألا يسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا، فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شىء إلا وجدتم تبيانه.
الله تعالى رحيم بعباده والأوْلى بهم أن يتركوا أنفسهم لخالقهم دون فلسفة كاذبة أو سفسطة ساذجة، فهو سبحانه يشرع لهم ما يناسب ظرفهم وقدراتهم، الأسئلة يطرحها البشر على بعضهم البعض، الأسئلة يطرحها الإنسان على معطيات الأرض حتى يفهم أبعادها ويتعرف على قدرة الخالق العظيم فى خلقها وتسيير أحوالها.. قال تعالى: «قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق».
تقدم هذه الآية تحذيراً لصنف من البشر يصور له غروره أنه أذكى من كل من حوله وأقدر منه على التفكير والتدبير، وهو يحاول إثبات نفسه دائماً بطرح الأسئلة التافهة بهدف إثبات تفوق وهمى على الآخرين. لقد وصف النبى صلى الله عليه وسلم هذا الصنف من البشر بـ«المتفيهقين»، وذلك فى الحديث الذى أشار فيه إلى أبغض الناس إليه: «وإن أبغضكم إليَّ وأبعدكم منّى مجلساً يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون، قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون، فما المتفيهقون؟ قال: المتكبرون».
أخطر الناس على الحياة البسيطة التى يحلم بها بنو آدم هم هؤلاء الذين يتشدقون بالكلام ويملأون أفواههم به، ويملأهم الكبر الفارغ والإحساس الزائف بالذات.