د. محمود خليل يكتب: «لَا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ»
د. محمود خليل يكتب: «لَا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ»
توجيه سماوى جليل تحمله الآية الكريمة من سورة «الأحزاب» التى تقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا».
القول السديد هو القول الحق، القول الفصل الذى يعبر عن حقيقة الدنيا والآخرة، ومفتاح القول السديد هو الوحدانية والتحرر من الشرك.
فالإنسان الموحد بالله هو وحده الذى يمتلك الشجاعة الأدبية لقول الحق، وهو وحده أيضاً الذى لا يخاف فى الله لومة لائم، وهو وحده الذى لا يخضع لشىء فى الحياة غير سلطان الحقيقة.
الإنسان الذى يعيش بقلب نظيف من الشرك هو وحده صاحب القول السديد. يقول الله تعالى فى سورة «النساء»: «وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا».
فالقول السديد يمتد أثره إلى ما بعد رحيل الإنسان عن الحياة، لأنه عاش بقلب موحد خاضع لله، والله تعالى يحفظ ذريته ويُظلهم بحوله وقوته.
فعلى من يخشى على ذريته الضعيفة من بعده أن يعلم أن طريق حمايتهم من محن الحياة وتقلباتها يتمثل فى التقوى والقول السديد.
فى سياق التأكيد على ضرورة التزام المؤمن بالقول السديد جاء التوجيه السماوى بالنهى عن النجوى. قال تعالى فى سورة «المجادلة»: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ».
فالتناجى لا بد أن يكون فى بر وطاعة وبما ينفع الناس، وليس فيما يسىء أو يضر أو يؤذى أو فيما يشكل معصية لله وخروجاً عن تعاليم السماء.
يقول تعالى فى سورة «النساء»: «لَا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا».
فالكلام الذى يدور بين البشر لا بد أن يكون إيجابى التوجه ويلتزم بالقيم التى تؤدى إلى إعمار الحياة وتقوية العلاقات بين البشر، مثل التناصح ببذل الصدقات، بالمعنى العام لكلمة الصدقة، التى تبدأ بابتسامة المؤمن فى وجه أخيه، وإماطة الأذى من الطريق، والتصدق بالمال، أو حتى بشق تمرة، أضف إلى ذلك الأمر بالمعروف، والمعروف يشمل كل ما أمر الله تعالى به من أخلاقيات وتعاليم تؤدى إلى ارتقاء الحياة على الأرض، ويختتم الحديث عن صنوف النجوى الإيجابية بالإشارة إلى أهمية الإصلاح بين الناس، فالنجوى لا بد أن تكون سعياً لإصلاح وليس لإفساد العلاقات ما بين الناس وتأليب بعضهم على بعض.
فيما عدا ما سبق تبقى النجوى من عمل الشيطان وتزيينه لأوليائه حتى ينالوا من الذين آمنوا وهم الذين تكفل الله بحمايتهم، كما تشير الآية الكريمة التى تقول: «إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ».