د. عاطف أبوسيف يكتب: «النكبة جريمة ثقافية»

كتب: محمد علي حسن

د. عاطف أبوسيف يكتب: «النكبة جريمة ثقافية»

د. عاطف أبوسيف يكتب: «النكبة جريمة ثقافية»

لم تكن النكبة مجرد عملية تهجير للفلسطينيين من مدنهم وقراهم، ولا هى مجرد عملية اقتلاع وتطهير عرقى مصاحب لعملية استعمار بشعة، بل شكلت محاولة محو شعب بأكمله من الوجود، كما من السرديات التاريخية وتحويله لمجرد ظلال عابرة فى تاريخ غير مرئى وغير موجود، وعليه فإن النكبة تتويج لعملية طويلة من التزوير والتحريف والتشويه والإحلال، تم توظيف واستغلال العلوم والتاريخ والآثار كما المرويات الدينية واللاهوت، من أجل شطب الشعب الفلسطينى بشكل كامل من السرد العام لتاريخ المنطقة، تمهيداً لشطب وجوده ومحوه بشكل كامل خلال عمليات الاقتلاع والطرد، لتتبعها عملية إحلال وغرس لمجموعات بشرية تم جلبها من جهات الأرض الأربع، لتكون صاحبة البلاد الجديدة. تم تفكيك شعب من أجل خلق شعب آخر، فى المقابل تمت سرقة أرض هذا الشعب وتاريخه ومروياته وآثاره ونسبها للشعب الجديد.

بهذه الطريقة فهذه جريمة وسرقة غير مسبوقة فى التاريخ، فقد سرق المستوطنون الأوروبيون البلاد الجديدة من سكانها الأصليين، لكنهم لم يسرقوا تاريخهم كما لم يمحوا آثارهم، وكذلك فعل الاستعمار فى القارة الأفريقية وفى آسيا. كان يتم نهب الآثار لعرضها فى المتاحف ويتم إخضاع الشعوب المستعمرة للبحث والدراسة، كما كان يتم سرقة خيرات الشعوب المستعمرة.

فى الحالة الفلسطينية جاء اللصوص ليسرقوا كل شىء، حتى ذاكرة الشعب الفلسطينى عن بلاده وحتى عاداته وتقاليده ومأكله وملبسه. النكبة كانت تتويجاً لعقود طويلة من عمليات السلب الثقافى والمعرفى وعمليات التزوير والتزييف التى تمت فى الأكاديميات الغربية، وعلى يد بعثات الاستكشاف وبريشة فنانى الاستشراق وأقلام الباحثين والكتاب وصور المصورين وتقارير الصحفيين.

عمليات مركبة تم تتويجها سياسياً بقرارات الهيئات الدولية الظالمة، التى منحت البلاد لغير أهلها وحولت الأمر إلى «حرب أهلية» أو صراع داخلى بين سكان البلاد، فارضة زوراً أن المستوطنين الذين هربوا من ظلم أوروبا خلال الحربين العالميتين باتوا سكاناً للبلاد وليسوا مستعمرين لها.

إن واحدة من أبشع الحروب التى يتم شنها على الشعب الفلسطينى منذ عقود سبقت النكبة وحتى اللحظة هى الحرب على روايته وسرديته، بغية محو أى أثر للوجود الفلسطينى فى البلاد، مثلاً خلال جرائم النكبة التى تمثلت بالقتل والمذابح والتهجير والهدم كانت تتم جرائم لا تقل بشاعة تتمثل بسرقة التاريخ الفلسطينى والمنجز المعرفى والثقافى الفلسطينى، ففيما كان رجال العصابات يقتلون الشيوخ ويبقرون بطون الحوامل ويلاحقون الأطفال لقتلهم كان آخرون مشغولين بسرقة الأثاث والتحف واللوحات الفنية والبورتريهات والجرامفون والأسطوانات الموسيقية والبيانوهات من بيوت الفلسطينيين، كما كانت شاحنات تقوم بنقل الكتب والوثائق من البيوت والمكتبات العامة ومحلات بيع الكتب وإخفائها، كذلك تم نهب دور السينما والمسارح وقاعات العرض وصالات الموسيقى والمطابع والصحف ومحلات الموسيقى والفنون.

وبالموازاة مع كل هذا تواصلت عمليات تزوير التاريخ وسرقة المواقع الأثرية واللقى المادية، وتغيير الحقائق والمعلومات المرافقة لها ونسبها لوجود غير مؤكد فى التاريخ، بحيث مثلاً تصبح الجرار الفلسطينية فى متحف «إسدود»، جنوب يافا جراراً للقبائل اليهودية، وهو نفس المنطق الذى تم فيه تشكيل لجنة تغيير الأسماء من أجل تحريف كل أسماء الأماكن الفلسطينية وتشويهها بحيث تبدو عبرانية، رغم أنه تم توظيف الجذر الكنعانى والفلسطينى القديم للاسم واستخدامه بوصفه عبرانياً، فى مغالطة وسرقة تاريخية فاضحة، حتى وصل الأمر مثلاً بوزير المالية الإسرائيلى سموترتش للحد الذى يدعى فيه أنه هو الفلسطينى الحقيقى، كما ظهرت مدرسة فى الأكاديمية الإسرائيلية تتبنى النظرية الكنعانية التى تزعم أن اليهود هم ورثة شعب كنعان. سرقات متتالية لا تتوقف.

كان القصد من كل ذلك استلاب الفلسطينيين ومحو أى أثر لوجودهم المعرفى والمادى، من خلال طمس كل معالم تقدمهم وتعزيز الصورة التى حاولت السردية الصهيونية تقديمها للغرب بأن البلاد بلا شعب، وهى بحاجة لمن يعيد لها الحضارة والمجد الذى شهدته فى السابق.

لم تتوقف هذه السياسة يوماً وظلت الحرب على الرواية والسردية الفلسطينية، من أجل إزاحة الفلسطينيين من الجغرافيا ومن الخط العام لمسار التاريخ، حاضرة وبقوة فى الممارسة والفعل الصهيونيين، للدرجة التى يتم فيها مراقبة ليس المنهاج الفلسطينى والضغط لتغييره وللتحكم به بل متابعة أنشطة الجامعات الغربية والتصدى لأى محاضرة قد يتم فيها التخفيف من التزوير الذى يتعرض له تاريخ المنطقة، والرقابة على نشرات الأخبار حتى لا يتم ذكر أى شىء قد يمس صورة الدولة المفروضة قهراً فى المنطقة العربية، أقصد إسرائيل. كل شىء يتم بدقة واحتراف وبلا كلل ولا ملل.

وما تشهده غزة اليوم يشكل استمراراً لذات النهج، فقد تم فى الأيام الأولى لحرب الإبادة قصف المتاحف والمسارح ومراكز الموسيقى والمكتبات العامة ومحلات بيع الكتب ومبنى الأرشيف المركزى والمؤسسات الثقافية، وتدمير الجامعات وهدم أكثر من مئتى مبنى تاريخى فى قلب غزة القديمة، وتدمير المساجد التاريخية (كاتب ولاية، والسيد هاشم وغيرهما) وقصف كنيسة القديس بريفيريوس (ثالث أقدم كنيسة فى العالم)، وتدمير مواقع أثرية مسجلة لدى اليونيسكو كجزء من ذاكرة العالم وتاريخه المادى، مثل ميناء الأنثيديون (ميناء غزة الفلسطينية القديم) ودير القديس هيلريون، وهو أقدم رهبنة فى التاريخ، وعشرات المقابر الرومانية من السنوات الأولى للإيمان المسيحى فى البلاد، إلى جانب ذلك شوهد الجنود يحملون الآثار من المتاحف العامة والخاصة وينقلونها فى شاحنات تحملها خارج غزة، بل وصلت الوقاحة إلى عرض بعض هذه القطع الأثرية فى مكاتب بعض أعضاء الكنيست دون أدنى اعتبار للقانون الدولى، فالقاتل أكبر من القانون. النكبة جريمة مستمرة لم تتوقف وطوال سبعة وسبعين عاماً تواصلت بإيقاع مختلف وبوتيرة متباينة، لكنها لم تتوقف. ولما كانت النكبة الثقافية والحرب على الرواية كجوهر الهوية الوطنية الفلسطينية أساس المشروع الاستيطانى الإحلالى الاستعمارى الصهيونى، فإن جزءاً أساسياً من الحرب على غزة، بجانب تهجير أهلها، يكمن فى محو تاريخ المدينة وإزالة كل معالمها الحضارية والثقافية، كتمهيد لمحوها بشكل كامل ومسح حضورها فى السرديات عن المنطقة، فنكبتنا لم تنته.


مواضيع متعلقة