أمينة خيري تكتب: منطقة جديدة وشرق أوسط مختلف

كتب: هانى حسن

أمينة خيري تكتب: منطقة جديدة وشرق أوسط مختلف

أمينة خيري تكتب: منطقة جديدة وشرق أوسط مختلف

الرئيس الأمريكى ترامب رفع العقوبات عن سوريا. إنها العقوبات التى بدأ تطبيقها فى عام 1979. يعتقد البعض أن تاريخ العقوبات أحدث من ذلك التاريخ، لكنها قاربت على نصف القرن. فى ذلك العام، اعتبرت واشنطن سوريا «دولة راعية للإرهاب». السببان الرئيسيان كانا احتلال سوريا لجنوب لبنان، والثانى متصل بالأول، وهو دعم سوريا لـ«حزب الله» وغيره من الجماعات.

وظلت العقوبات تتأرجح بين مزيد من التصعيد وبعض التخفيف على مدار السنوات، وباختلاف الأسباب، وصولاً إلى عام 2011، وهو العام الذى شهد الحزمة الحديثة من أشد العقوبات. عقب اندلاع «أحداث» الغضب فى عام 2011، ومواجهتها رسمياً، تم فرض عقوبات أشد استهدفت كل القطاعات تقريباً، من طيران وغاز ونفط ومعاملات مصرفية وتصدير واستيراد وغيرها. وبالطبع تم «حرمان» سوريا من حزم المساعدات الأمريكية، وكذلك «فرص» بيع الأسلحة، بالإضافة إلى عقوبات على هيئات ومسئولين حكوميين بالأسماء، بمن فيهم الرئيس السابق بشار الأسد وقرينته.

وفى 2025، أصدر الرئيس ترامب قراراً برفع العقوبات. ويبدو أن القرار جاء مفاجئاً، أو ربما لم يكن مُدرجاً بشكل معمق ومكثف ضمن إجراءات التجهيز لرحلة الرئيس ترامب إلى دول الخليج، التى هى رحلته الخارجية الأولى منذ بدأ فترته الرئاسية فى يناير الماضى، وهى رمزية شديدة الأهمية.

أعلن «ترامب» رفع العقوبات فى خبر عاجل. نزل الخبر على إدارته نزولاً مفاجئاً. وحسب تقارير صحفية، فإن كبار المسئولين فى وزارتى الخارجية والخزانة الأمريكيتين سارعوا إلى فهم كيفية إلغاء العقوبات.

مسئولون أمريكيون قالوا لوكالات أنباء إن البيت الأبيض لم يصدر مذكرة أو قراراً لمسئولى العقوبات، ليبدأوا فى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتفعيل القرار. بمعنى آخر، لم يخبرهم أحد بأن الرئيس سيُعلن رفع العقوبات، والتى قد تبدأ بصدور قرار، لكنها تحتاج إلى وقت طويل للتفعيل.

وبينما يصارع المسئولون الأمريكيون الوقت لاتخاذ الخطوات الفعلية لرفع العقوبات، تجدر الإشارة إلى أن رفع العقوبات -أى عقوبات- لا يأتى كلفتة إنسانية أو تصرف لطيف أو تقديم السبت لإيجاد الأحد كما يقول المثل الشعبى. رفع العقوبات يأتى استجابة لتقديم الأحد، وليس العكس.

الرئيس ترامب فى زيارته المهمة حث سوريا على التوقيع على «اتفاقات إبراهام». ما هى «اتفاقات إبراهام»؟ إنها المبادرة التى تقودها أمريكا لتقوم دول الشرق الأوسط بالتطبيع مع إسرائيل.

يُشار إلى أن السودان وقع على الاتفاق فى عام 2021. ويشار أيضاً إلى أن السودان فى الوقت نفسه وقّع عقداً مع وزارة الخزانة الأمريكية تمكنه من سداد متأخراته للبنك الدولى، وذلك بعد حصوله على ما يزيد على مليار دولار سنوياً كمساعدات اقتصادية.

نحن بصدد شرق أوسط جديد جداً. وأتمنى من كل قلبى أن يستمر الجميع فى الاطلاع على المشهد كله من مصادره ومنابعه، لا من بوستات الآخرين على «فيسبوك» أو تغريداتهم على «إكس» أو فيديوهاتهم على منصات السوشيال ميديا بشكل عام. وأتمنى أن يتبع الحنجوريون ومجاهدو الشاشات والمقاتلون الافتراضيون قدراً أوفر من التعقّل قبل توجيه سهام الانتقاد لمصر.

وأعود إلى لقاء «الرئيسين» الأمريكى ترامب والسورى الشرع، وأقول إن ترامب وصف الشرع بـ«الرجل الجذاب والقوى»، وإن المطالب الأمريكية التى خرج بها الشرع من المقابلة «التاريخية» تتعلق بالتالى: التطبيع مع إسرائيل، أو الاعتراف بها، أو الانضمام لـ«اتفاقات إبراهام» أو كل ما سبق، وطرد «الإرهابيين»، أى المقاتلين الأجانب الذين قاتلوا إلى جانب الشرع وقتما كان قائداً لتنظيمات «جهادية»، منهم من قاتل القوات الأمريكية فى العراق، ومنهم من أصبحوا جبهة النصرة التى أعلنت ولاءها لتنظيم «القاعدة»، ومن «القاعدة» إلى «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش)، ثم تعرّض هذه الروابط للتوتر، بعدما أبدى الشرع (المعروف وقتها بأبومحمد الجولانى) رغبة فى التخلى عن وحشية «داعش»، مع الإبقاء على براجماتية الجهاد! طرد «المقاتلين الأجانب» من سوريا معضلة، لا سيما أن الرئيس الشرع كان قد أكد أنهم يستحقون المكافأة، ولمّح إلى إمكانية منحهم الجنسية السورية، وأن الإدارة السورية تسعى لدمجهم فى الجيش «الوطنى» السورى.

وتشمل المطالب الأمريكية كذلك اتخاذ إجراءات تضمن عدم عودة «داعش» مجدداً إلى سوريا، بالإضافة إلى التعامل مع ملف معتقلات «داعش» شديدة الخطورة فى شمال سوريا، وهى المعتقلات الواقعة تحت إدارة «قسد»، وهى «قوات سوريا الديمقراطية»، والتى تشتمل على مقاتلين تركمان وسريان وعرب وأكراد، ولكن الهيمنة فيها للأكراد. إنها القوات التى كانت حليفة للأمريكيين فى الحرب الأهلية السورية، والتى توترت علاقتها بالإدارة السورية الجديدة، لأسباب تتعلق بالقوة وعوائد النفط والاختلافات الأيديولوجية وغيرها.

ستتنفس سوريا هواءً مختلفاً بعد رفع العقوبات. ماهية الهواء ومكوناته ستتضح بمرور الأيام والأشهر. ويبقى الشرق الأوسط الجديد ماضياً قُدماً.


مواضيع متعلقة