مرض أو متلازمة «الأفورة» منهك، لا للمريض فقط، ولكن للمحيطين به. وأخشى أن يكون معدياً دون أن ندرى. احتار علماء اللغة والاجتماع والنفس فى تشخيص الأعراض والاتفاق على تعريف شامل، لذا سأجتهد فى المحاولة.
«الأفورة» هى المبالغة دون داعٍ، والإفراط دون هدف، والإغراق دون وعى، والانجراف دون قدرة على السيطرة أو التعقل، وطبيعى أن تكون هناك سمات بعينها تجمع بين أبناء عرق ما. منها ما يتولد بسبب التاريخ والأحداث السياسية والأوضاع الاقتصادية، ومنها ما يتأثر بالجغرافيا والتضاريس والطقس. على سبيل المثال، الطقس الحار يؤدى إلى زيادة الانفعال والاندفاع فى القول والفعل وصعوبة التركيز. وهناك عوامل ثقافية وتعليمية، حيث العقلية غير النقدية، والاعتماد على النقل، وانخفاض الثقافة والمعلومات العامة، ومخاصمة القراءة متعددة المصادر، والتسليم بما يتم حشو الأدمغة به من قبل آخرين يأخذون على عاتقهم مهمة التفكير نيابة عن الجموع الغفيرة، جميعها عوامل تؤدى إلى «الأفورة» فى الفعل وردود الفعل.
وفى الجموع والمجتمعات «المأفورة» تكثر حالات الانجراف وراء «التريند» الرائج، وهو انجراف يعود إلى ما قبل عصر التريند الرقمى المعروف حالياً على تطبيقات الـ«سوشيال ميديا»، مثلاً حين كان يتجمع أهل قرية صغيرة أمام منزل العمدة أو شيخ الجامع قبل عقود، يسمعون منه عن حادث أو واقعة جرت تتوافر فيها محركات اشتعال الدماء فى العروق واحتقان الأكسجين فى الخلايا، ينطلق الجمع الغفير حارقاً أو مهاجماً الهدف بطل الواقعة، وذلك دون تفكير أو مراجعة أو تدقيق. ليس هذا فقط، بل يتبرع البعض أثناء رحلة السير نحو الهدف بإضافة المزيد من التوابل الحريفة والنكهات النارية للقصة الأصلية، التى قد لا تكون أصلية من الأصل.
لماذا أقول هذا الكلام؟ ليس هناك سبب بعينه أو هدف فى حد ذاته، ولكن إذا أراد البعض قراءة طريقة تعاملنا مع ما نسمعه ونطالعه فى ضوء ما كتبت، فعلى الرحب والسعة، وعلى ذكر الرحب والسعة، فإن السياسة من أبرز المجالات ذات الرحابة والسعة. وهى كذلك الأكثر حظاً لممارسيها، حيث العقاب والمراقبة والمحاسبة أمور نسبية، يفلت منها الكثيرون بطرق بالغة الذكاء شديدة الالتواء.
نظرة سريعة إلى الكوكب اليوم كفيلة بإخبارنا أن الجانب الأكبر من الفوضى غير الخلاقة، والظلم غير المبرر (لم يكن الظلم يوماً مبرراً ولو تحت بند الثأر أو الانتقام)، والفساد الأنيق الذى ينتقى ملابسه من أرقى محلات الأزياء بأسماء مختلفة مثل «المصلحة العامة» و«الواجب الوطنى» و«الغايات التى تبرر الوسائل» وغيرها أغلبه، إن لم يكن كله، مرده السياسة والساسة ومن يحركونهم ويملون عليهم توجهاتهم.
ما يجرى حولنا على سبيل المثال ما هو إلا أفعال سياسية تقابلها ردود فعل سياسية، منها ما يستلزم تدخلات عسكرية أو هجمات سيبرانية أو تحزبات مصالح أو تلويحاً بقطع مساعدات أو قطعها بالفعل، أو فرض ما لا ينبغى فرضه وغيرها كثير. وجميعها يؤدى إلى ما نشهده من حروب وصراعات واحتقانات مهمة السياسة الإبقاء عليها مشتعلة. وأحياناً يتم الزج بالدين والمعتقد، وذلك بغرض تبرير استدامة الاشتعال، وإضافة هالة من الضرورة القصوى والأولوية العظمى لضمان جودة الخدمة، مجريات الكوكب تؤكد أن نظاماً ما يلملم أغراضه، حتى لو بدا نظاماً فوضوياً، وآخر يجرى ترسيخ قواعده، وإن لم تكتمل ملامحه النهائية بعد، وهى الملامح التى قد تستغرق سنوات لا أسابيع أو أشهراً.
وكما وصفته باقتدار أستاذة التاريخ فى جامعة أوكسفورد مارجريت ماكميلان فى مقال لها فى «أتلانتيك» الأمريكية عنوانه «هكذا ينتهى النظام العالمى» قبل أيام، فإن التحذيرات المسبقة والأحداث الحالية تنبئنا، إذا أردنا أن ننتبه، بأن البنى والقواعد القديمة للنظام الذى كان سائداً بدأت فى الانهيار. وكما هى الحال، حين تبدأ أساسات بيت -كان يبدو أنه متين- فى التحرك، ثم يتسرب الماء من السقف، ويبدأ الجيران الجشعون فى التعدى على البيت الآخذ فى الانهيار والاستيلاء على الأرض المشيد عليها».
غاية القول، هناك نظام عالمى جديد يتشكل بسرعة، والقوى هو من يشكله، والذكى هو من يسارع بإيجاد مكان له فيه، والرومانسى الحالم عليه البقاء فى مكانه.