عبدالفتاح علي يكتب: ارفعوا رؤوسكم عالياً.. نحن على المسار الصحيح
عبدالفتاح علي يكتب: ارفعوا رؤوسكم عالياً.. نحن على المسار الصحيح
هل تتذكرون المثال الذى ضربه الرئيس عبدالفتاح السيسى، بالسباق بين سيارة «سيات» قديمة وأخرى «مرسيدس» حديثة، عندما كان يتكلم عن حرب أكتوبر، وكيف كانت إمكانياتنا متواضعة، وخصمنا لديه كل الإمكانيات الحديثة، مع ذلك انتصرنا وأبهرنا العالم.
نفس هذا المثال يتكرر كل يوم لكن دون أن ندرى، ودون أن نتأمل، ودون أن ندرك حقيقة ما يحدث حولنا.
فجأة انفجر بركان جلد الذات، كثير ممن يصفون أنفسهم بالمثقفين أو المتابعين للشأن العام «طفحوا» على وسائل التواصل الاجتماعى سيلاً من الشعور «بالوضاعة»، وضربوا مقارنات «غير علمية» بين ما يواجهه المواطنون من تحديات يومية، وبين زيارة الرئيس الأمريكى للمنطقة.
قالوا إننا أسرى «للفقر» بينما آخرون يحلقون بالثروة والذكاء والتنمية.
هذا الطرح «الاستفزازى» لو كان بحُسن نية فإنه يزرع اليأس، ويُعمِّق إحساساً مزيفاً بالدونية، ويقتل الأمل ويمحو بجرة قلم كل ما تحقق فى السنوات الماضية. أما إن كان بسوء نية فإنه يشجع على الغضب، ويمد شريان الحياة بالكراهية، ويؤجج مشاعر سلبية ليوجهها نحو تفجير الذات، وكلنا نعلم ماذا كانت نتيجة انفجار الوضع فى 2011.
هناك رغبة عند البعض فى تقزيم إنجازات شاهقة وكأنها لم تكن، فنقتل كل ما هو جميل فى قلوبنا المحبة للحياة، لنحولها إلى حجارة قاسية لا تعرف الرحمة، حتى تهدم دون تفكير.
تذكرت مقالاً رائعاً للخبير الاقتصادى أحمد سيد النجار، يتحدث فيه عن استخدام مؤشرات اقتصادية تعكس معنى مزيفاً لحقيقة وقدرة اقتصاد مصر، بينما تتراجع مؤشرات تعكس المكانة الحقيقية لهذا البلد الذى يبنى مقدَّراته بجهد جبار، دون أن يملك إمكانيات تعكس حجم الإنجاز الذى تم والذى يتم والذى سيتم.
نحن نقارن رجلاً يعمل فى ثلاث وظائف يومياً كى ينفق على تربية أولاده العشرة وبين ملياردير ورث ثروته وينفق منها على تربية أولاده الثلاثة. المقارنة ساذجة بين ثروة المكافح والمليادرير، فلو توقف المكافح ليتأمل نصيب الوارث فى الدنيا، لفشل فى أن يطعم أبناءه خبزاً وماء.
من الجيد أن يقدم الملياردير الأفضل لأبنائه، فهذا واجب عليه، ومن الرائع أن يقوم المكافح بتقديم أفضل ما يمكنه لكل أبنائه، لكن من المدهش أن يتفوق بعض أبناء المكافح على بعض أبناء الوارث.
هذه هى النظرة التى علينا أن نتأمل بها كل ما لدينا وما فعلناه، كيف نستثمر كل جنيه فى أيدينا لتحسين حياتنا قليلاً، لكن الأجدى والأفضل تحسين حياة أبنائنا.
هناك أرقام اقتصادية موثقة ومعلنة ومصدرها مؤسسات دولية، تشير إلى أن المسار الذى تسلكه مصر منذ فترة قصيرة يدعو للفخر وليس لجلد الذات.
فى عام 2011 كان متوسط ما يستطيع المصرى شراءه من سلع وخدمات بقيمة تعادل 13082 دولاراً أمريكياً، وفى عام 2025 قفز هذا المتوسط إلى 21668 دولاراً تقريباً، ما رفع ترتيب مصر فى مؤشر القدرة الشرائية إلى المركز السابع والثمانين بين نحو 190 دولة حول العالم.
عندما نتحدث عن مؤشر القدرة الشرائية فإننا نصف ببساطة قيمة السلع والخدمات التى يمكن للفرد اقتناؤها فى بلده مقارنةً بوضعها فى بقية دول العالم؛ فهو يعيد احتساب الناتج الاقتصادى لكل شخص بناءً على تكاليف الحياة المحلية، فلا يعتمد فقط على سعر صرف العملة، بل يمنح صورةً أوضح عن مستوى المعيشة الفعلى وتطوره بحيادية وموضوعية.
هذه القفزة المهولة من نحو 13 آلاف دولار إلى أكثر من 21 ألفاً، لا تقتصر أهميتها على الرقم وحده، بل على الرحلة التى خاضتها مصر خلال 14 عاماً.
كثير من دول المنطقة نجحت فى الحفاظ على مستواها، سواء المحدود أو المتقدم، لكن مصر تمكنت، وسط عالم هائج مجنون، من تعزيز قدرة مواطنيها الشرائية إلى مرتبةٍ تناسب حجمها السكانى وإمكاناتها، فى فترة زمنية قليلة جداً، لأن الإصلاح الحقيقى لم يبدأ إلا بعد عام 2015، وهو ما يدفع بعض الخاضعين لجلد الذات، والغارقين فى وحل الدونية لإعادة النظر فى أن قسوة الظروف الداخلية ما هى إلا ثمن «رخيص» لقيمة «ثمينة».
هناك دول فى المنطقة عدد سكانها أقل بكثير مقارنةً بمصر، وحباها الله بموارد كبيرة وتصنيفها «ثرية»، كان الفرد فيها يستطيع اقتناء سلع وخدمات بقيمة 65720 دولاراً فى عام 2011، وبعد كل هذه الفترة وبعد تراكم الثروات التى تنعم بها أصبح الفرد فيها يستطيع اقتناء سلع وخدمات بقيمة 65880 دولاراً فى 2025.
أدعو من أدمن جلد ذاته وجلد بلده وجلد أهله وناسه أن يقارن بين الزيادة التى حصلت لمصر وبين الزيادة التى حصلت للدولة الشقيقة التى يشعر أمامها بالدونية.
تأملوا الأرقام التى يصدرها البنك الدولى وصندوق النقد والبنك الأوروبى، كيف لدولة كانت غارقة فى الفوضى والفقر وقلة ذات اليد وحصار وإرهاب وأزمات على حدودها لا يُراد لها أن تتوقف، وتقوم بهذه القفزة الهائلة من 10 آلاف دولار إلى 21 ألف دولار كمتوسط للفرد. يجب أن ندرك أن مسار مصر ليس طريقاً وعراً وحسب، بل هو طريق ممتلئ بالألغام، التحديات فيه تنوء بها الجبال، لكن ثقتنا بذاتنا، وإيماننا بقدراتنا، أحدث فرقاً هائلاً.
علينا أن نشعر بالفخر، لا بالدونية، علينا أن نشهد لأنفسنا بالنجاح والتوفيق، لا أن نرمى نجاحاتنا بحماقات قد تكون «مموَّلة»، كى تهيل التراب على ما نجحنا فى تحقيقه، وأعتقد أن صحف العالم مليئة بمحاولات مموَّلة بملايين الدولارات لإخفاء الدور المصرى، وللتقليل من القيمة المصرية، لتشتيت الانتباه عن النجاحات المصرية.
افتخروا بأنفسكم، افتخروا ببلدكم.