رفعت رشاد يكتب: زيارة ترامب والموقف المصري الثابت
رفعت رشاد يكتب: زيارة ترامب والموقف المصري الثابت
سلط الإعلام الدولي الأضواء الساطعة على زيارة الرئيس الأمريكي ترامب لدول الخليج . الزيارة لفتت انتباه سكان الكرة الأرضية بسبب ما أحاط بها من مظاهر وتفاصيل غير متكررة. المحللون لم يتركوا الأمر يمر مرور الكرام . أشاروا ضمن ما حللوا إلى الموقف المصري من أحداث المنطقة.
يبرز الموقف المصري كقوة توازن عقلانية، ثابتة على مبادئها الوطنية، رفضت القاهرة تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، كما أكدت عدم السماح بمرور السفن الحربية الأمريكية مجانًا في قناة السويس، ما يعكس سياسة خارجية مصرية ذات سيادة لا تُساوِم على الثوابت.
أراد ترامب في زيارته الأخيرة إلى الخليج أن يوجه رسائل استراتيجية بعد عودته للرئاسة، فاختار الخليج كنقطة انطلاق لإعادة تثبيت النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط. أعاد التأكيد على التحالفات التقليدية القائمة والتحالف الأمني ضد إيران ومحور المقاومة، إلى جانب إعادة طرح فكرة "إعادة ترتيب الإقليم" على أساس المصالح الأمريكية - الإسرائيلية.
برزت مصر كفاعل إقليمي مستقل في مواجهة هذه الأوضاع. رفضت القاهرة منذ اللحظة الأولى أي محاولة لإعادة هندسة الإقليم على حساب الفلسطينيين أو عبر تجاوزات للسيادة العربية. فحين طُرحت—ضمن ما يشبه خطة ترامب الجديدة—فكرة التسهيلات الاقتصادية مقابل التسويات السياسية، شددت القاهرة على أن القضية الفلسطينية ليست قضية معونات، بل قضية حقوق تاريخية. ورفضت بشكل حازم أي حديث عن تهجير الفلسطينيين من غزة إلى شمال سيناء، وهو الطرح الذي أعيد تداوله في الغرف المغلقة بضغط أمريكي – إسرائيلي ضمن ترتيبات ما بعد الحرب. وأكدت الدولة المصرية أن سيناء جزء لا يتجزأ من السيادة المصرية، ولا يمكن استخدامها كورقة تفاوض على حساب شعب أو كيان آخر.
في سياق آخر، طرحت الإدارة الأمريكية طلبات متعلقة بمرور السفن الحربية الأمريكية دون رسوم عبر قناة السويس، تبريرًا بضرورة دعم الإمداد البحري للأساطيل المتجهة نحو شرق المتوسط والخليج. لكن الرد المصري جاء حاسمًا: قناة السويس ممر دولي حر وفقًا لاتفاقية القسطنطينية، لكنها جزء من السيادة المصرية، ولن تمرّ فيها أي سفينة عسكرية دون احترام القوانين واللوائح المصرية، وتحمّل الرسوم السيادية المقررة. هذا الموقف لم يكن تقنيًا فحسب، بل يحمل رسالة سياسية مفادها أن مصر ليست أداة في حسابات القوة، بل لاعب مستقل، وأن مصالحها لا تُدار من الخارج.
تميزت السياسة الخارجية المصرية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي بالاستقلال الرشيد، وهو مزيج من الواقعية والتمسك بالثوابت. لا تقطع مصر علاقاتها مع أحد، لكنها لا تقبل الانخراط في محاور صراعية لا تحقق لها مصلحة مباشرة.
في حين راهن ترامب على خلق اصطفاف إقليمي جديد ضد إيران وحلفائها، آثرت مصر الحفاظ على مسافة استراتيجية من هذا الصراع، مدركة أن توازن القوة الإقليمي لا يُبنى بالمواجهة بل بالحكمة والتفاهم. ورغم سقوط "صفقة القرن" سياسيًا، حاول ترامب في ولايته الثانية إحياء بعض جوانبها بصيغة معدلة. دعم اقتصادي للفلسطينيين مقابل تنازلات سياسية، تطوير غزة مقابل الاعتراف بيهودية إسرائيل، ربط الإعمار بالتنسيق الأمني، وإدماج بعض الدول العربية في المنظومة الاقتصادية الإسرائيلية.
لكن مصر كان لها تحركها السياسي الإقليمي والدولي، وربطت الإعمار في غزة بحلٍّ عادل وشامل للقضية الفلسطينية وفق حدود 1967، وأكدت مرارًا أنه لا يمكن تطبيع الأوضاع دون عودة الحقوق لأصحابها، وهو موقف نال دعمًا دوليًا واحترامًا أمميًا.
رغم التوترات الجزئية، لم تدخل العلاقات المصرية الأمريكية في مواجهة مباشرة. استمرت اللقاءات، وتواصلت التنسيقات الأمنية والعسكرية، لكن على أساس الندية والاحترام. فمصر دولة لا تتلقى الإملاءات، بل دولة تفاوض وتناور وتوازن. وقد عبّرت التصريحات المصرية الرسمية عن هذا التوجه بعبارات صريحة:
" الشراكة مع واشنطن مهمة، لكنها لا تعني تبعية، ومصالحنا الوطنية تحدد مسارنا، لا الضغوط الخارجية."
انعكست صلابة الموقف المصري على الدول الأخرى في المنطقة. فقد بدأت بعض العواصم العربية تعيد النظر في مواقفها، وتتساءل: لماذا تقبل مصر ما لا نقبل؟ برزت القاهرة كمركز جذب دبلوماسي، واستعادت مكانتها التاريخية كقائدة للموقف العربي العاقل. بل إن الوساطات المصرية بين فصائل المقاومة الفلسطينية وإسرائيل، عززت صورتها كطرف لا غنى عنه في أي تسوية أو تهدئة.
هذا يُعيد تعريف دور مصر من دولة تتلقى التأثير إلى دولة تصنع التأثير، وتشارك في هندسة التوازنات الإقليمية من موقعها التاريخي والاستراتيجي. وبين ضغوط القوة وتبدل التحالفات، تظل مصر ثابتة على مبادئها: لا تفريط في الأرض، لا مساومة على الحقوق، لا عبور مجانًا على حساب السيادة.