محمود مرزوق يكتب: إعادة اختراع البنكنوت

كتب: أحمد فكري

محمود مرزوق يكتب: إعادة اختراع البنكنوت

محمود مرزوق يكتب: إعادة اختراع البنكنوت

فى أعقاب ثورة يوليو 1952، تبنّى جمال عبدالناصر مشروعاً لتمصير مؤسسات الدولة، وعلى رأسها البنك المركزى المصرى، الذى كانت مطبعة البنكنوت فيه تعمل تحت إشراف أربعة خبراء أجانب. غير أن هؤلاء الخبراء رفضوا بشكل قاطع تدريب أى مصرى على أسرار تصميم العملات الورقية، إدراكاً منهم أن نقل هذه المعرفة سيُنهى وجودهم المهنى فى مصر. فى مواجهة هذا التحدى، لجأت الدولة إلى حل عملى، فوقع الاختيار على فنان مصرى شاب اسمه عباس الشيخ، كان يعمل مصمماً فى مصلحة المساحة، وقد لمع اسمه وذاع صيته فى تصميم الأوسمة والنياشين وطوابع البريد وشهادات الدولة. عُرف عباس بكفاءته العالية وجديته، فأُرسل فى بعثة إلى ألمانيا ليتعلم فن تصميم البنكنوت، وهى الرحلة التى كُللت بالنجاح. عاد عباس الشيخ إلى مصر فى منتصف الخمسينات، وتسلَّم إدارة مطبعة البنك المركزى بالهرم، وبدأ مشروعه الطموح فى «تمصير» صناعة البنكنوت بالكامل.

لم تكن المهمة سهلة، إذ إن تصميم العملة الورقية يتطلب دقة متناهية، ومعايير صارمة فى اختيار الألوان والخامات، لتقليل احتمالات التزوير. وكان تصميم وجه واحد فقط من العملة قد يستغرق ثلاثة أشهر من العمل المتواصل. بدأ الشيخ بفئة 25 قرشاً، ثم صمم الجنيه، فالخمسة جنيهات، فالعشرة. وكلما زادت قيمة الفئة، تعقَّدت عناصر التصميم، وازدادت التحديات الفنية. ورغم ذلك، نجح فى تأسيس تقليد مصرى خالص أصبح مدرسة فنية مرموقة فى تصميم العملات الورقية، ما جعل مصر واحدة من الدول القليلة التى تُنتج عملاتها بتصميم وتنفيذ وطنيين بالكامل. ومن أبرز تصميماته فئة الجنيه المصرى، التى جمعت بين جامع السلطان قايتباى فى قرافة المماليك، ومعبدَى أبوسمبل الكبير والصغير بأسوان. لكن أكثر ما يلفت النظر فى هذا التصميم الفريد تفصيلة زخرفية دقيقة فى يمين التصميم، قد لا تلاحظها العين سريعاً: جزء زخرفى مقتبس من الوجه الخلفى لباب جامع الصالح طلائع، آخر مسجد شيَّده الفاطميون فى القاهرة، والباب الأصلى محفوظ اليوم فى متحف الفن الإسلامى. كان هذا الاختيار علامة على ذكاء الفنان، الذى لم يكتفِ بجماليات التصميم، بل جعله وسيلة لطرح أسئلة ثقافية وتاريخية. فكل من يتأمل هذه الزخرفة النادرة، قد يتساءل عن مصدرها، ويقوده الفضول لاكتشاف كنوز القاهرة المعمارية والدينية.

لم يقتصر أثر عباس الشيخ على تصميم البنكنوت وحده، بل امتد إلى مشاركته فى الفيلم الملحمى العالمى «الوصايا العشر» (1956)، حيث استعان به فريق العمل لتقديم عناصر فنية مصرية الطابع. وقد نال الشيخ جوائز دولية تقديراً لجودة أعماله ودقة تنفيذها. كما عمل أستاذاً فى كلية الفنون التطبيقية بجامعة حلوان، حيث درَّس مادة تصميم العملة الورقية، وأسَّس قسماً متخصصاً لهذا الفن شديد الخصوصية، وخرَّج أجيالاً من الفنانين الموهوبين الذين واصلوا هذا التقليد المصرى فى التصميم.

كان عباس الشيخ تجسيداً حقيقياً للفنان الوطنى صاحب الموهبة والرسالة والانضباط. لم يسعَ إلى مجد شخصى، بل سخَّر فنه لخدمة مشروع قومى، ونجح فيه بتفانٍ وإخلاص، ليبرهن أن مصر لا تفتقر إلى الكفاءات، بل تحتاج فقط إلى من يمنحها الثقة والفرصة. رحل عباس الشيخ فى عام ٢٠٠٥، بعد مسيرة حافلة بالإبداع والعطاء، لكنه ترك بصمته على كل ورقة نقدية يحملها المصريون فى جيوبهم، وعلى وعى فنى وثقافى لا يزال يُستلهم حتى اليوم. لقد أعاد اختراع البنكنوت المصرى، وجعل منه لغة بصرية راقية، تحمل ملامح الهوية الوطنية، وتُخاطب التاريخ بذكاء وشغف.


مواضيع متعلقة