محمود الجارحى يكتب.. ماذا حدث فى قضية خط غاز أكتوبر: «الحرارة أذابت جلود الضحايا»
محمود الجارحى يكتب.. ماذا حدث فى قضية خط غاز أكتوبر: «الحرارة أذابت جلود الضحايا»
داخل قاعة مجمع محاكم 6 أكتوبر، وبالتحديد في قاعة محكمة الجنح، دارت أحداث تلك القضية، حيث دخل حاجب المحكمة القاعة وبصوت عالٍ قال: «محكمة»، ليدخل القاضي رئيس محكمة الجنح حاملا ملف القضية رقم 4648 لسنة 2025 والمعروفة إعلاميا بـ«انفجار خط غاز أكتوبر»، وداخله أوراق وتحقيقات من النيابة العامة، وتحريات المباحث، وأقوال عدد من الشهود، توصلت إلى إدانة 6 أشخاص من موظفي شركات مقاولات بالتسبب خطأ نتيجة إهمالهم في وفاة 8 مواطنين وإصابة 16 آخرين، واحتراق إحدى 11 مركبة، فضلا عن مخالفة أحكام قانون الغاز الطبيعي.
ملف القضية احتوى على أدلة جمعتها النيابة العامة ضد المتهمين، الذين حضروا وكانوا موجودين داخل قفص الاتهام، كما حضرت أسر الضحايا الذين جلسوا في المقاعد الأولى من القاعة، ولسان حالهم ونظرات أعينهم تتحدث للقاضي قائلة: «سيدي القاضي، فليكن حكمكم مخففا لحزننا، مكفكفا لدموعنا، شافيا لصدورنا، سيدي ليكن عقابكم عبرة زاجرة لكل مقصر في أداء عمله».
حضر الضحايا بجوار أسرهم، حضروا بأرواحهم فقط، هم بين يدي الله، حضروا وطلبوا الحديث من رئيس المحكمة قائلين: «سيدي الرئيس هل تسمح لنا بالتحدث، كان المشهد حزين، لا تزال تفاصيله عالقة في أذهان المجتمع، أذهان كل من شاهد الحادث المروع، سيدي الرئيس عندما تنظر إلى وجوه هؤلاء الأشخاص المتسببين في الحادث ستجد رائحة الموت تنبعث من حولهم، ستجد لعنة الموت، ستجد أرواحنا البريئة تطاردهم، لم يتمكن أحدا من إنقاذنا، تفحمت أجساد بعضنا، أذابت الحرارة جلود بعضنا، وأكلت النيران أجسادنا جميعا، سيدي الرئيس حضرنا اليوم في انتظارك عدالتكم، والقصاص من الأشخاص المتسببين في الحادث وإنهاء حياتنا بطريقة بشعة، سيدي المجتمع ينتظر العدالة».
لم تنته وقائع الجلسة.. طلب ممثل النيابة العامة الحديث عما جمعته النيابة من أدلة في القضية، وكيف توصل إلى إدانة المتهمين، قائلا: «كيف لأمر كهذا أن يحدث بتلك البساطة؟ كيف لهذا الدمار أن يحدث مع وجود 4 من مهندسي الطرق المسؤولين عن ذلك العمل، يشرف كل منهم على الآخر؟ وللرد على تلك التساؤلات ينبغي أن نعود بالزمن قليلا».
وأوضح ممثل النيابة أنّ «لحظة تسليم مهندسي الشركة المنفذة موقع العمل، فإنّ بنود التعاقد تُلزمهم قبل إزالة أي من طبقات الطريق، بالتنسيق مع الجهات المسؤولة عن البنية التحتية المختلفة، وإلا يُحظر استخدام الآلات الثقيلة، وتتغير آلية العمل بالكامل، وهذا أمر ملزم في صميم التعاقد».
وتابع أنّ «الأعراف الهندسية المعتمدة تُلزمهم بعمل جسات استكشافية، وهنا انفرط عقد الحرص والمسؤولية عن المتهمين جميعا، فالمهندس المسؤول استهان بأعراف مهنته، وبدأ أعمال إزالة طبقات الطريق دون تنسيق مع المرافق ودون جلسات استكشافية، وما زاد الطين بلة ترك الموقع للعمال يحفرون بغير إشراف هندسي».
وأضاف: «وهذا مدير مشروعات بالشركة المنفذة، سلّم معدات ثقيلة لسابقه رغم علمه بعدم إتمام التنسيقات وعدم جاهزية الموقع للعمل، وذاك مهندس رقابي وإشرافي بالموقع، شاركهم الجريمة، فبدأت الأعمال بموافقته، في وقت كان عليه بصفته الإشرافية أن يمنعهم ويوقفهم».
وأكمل: «أما هذا، فهو كبير الخبراء بالشركة الهندسية الرقابية، يدير مشروعًا لا يعلم عنه شيئًا. لا يعلم متى بدأت الأعمال، ولا متى تنتهي، كل شيء حبر على ورق، فضح هذه السلسلة المترابطة من الإهمالات عامل لودر أرعن متعجل لإنهاء عمله وآخر تركه يعمل دون استخدام الأجهزة والقياسات المساحية».
ممثل النيابة قال إنّ ما حدث كارثة إنسانية خطيرة، سببها فساد إداري ومهني، أودى بحياة أبرياء راحوا ضحية إهمال جسيم يستوجب علينا ردعه، متابعا: «لما كانت النيابة العامة لا تُلقي اتهامًا جزافًا، وما كان لها أن تتكلم إلا بالحق مؤيدًا بالدليل والبرهان، فإنها بذلت أيامًا وليالٍ لجمع الأدلة، توصلًا إلى جميع المسؤولين عن وقوع ذلك الجُرم».
وأوضح: «جمعنا أدلة جاءت جميعها متسقة ومترابطة في إثبات الجريمة وتحديد الجُناة. وفي سبيل إيضاح الأدلة سنقسم الأمر إلى جانبين: الأول التدليل على أنّ وفاة الضحايا وإصابة المصابين كان بسبب انفجار واندلاع حريق، والثاني، إقامة الدليل على أنّ المتهمين هم المتسببون»، وعقب الانتهاء من سماع مرافعة النيابة، قرر رئيس المحكمة تأجيل القضية لجلسة 31 مايو الجاري.
