«أحداث الاتحادية» نموذج مصغر لطبيعة «الإخوان» حين تمتلك السلطة
«أحداث الاتحادية» نموذج مصغر لطبيعة «الإخوان» حين تمتلك السلطة
شهدت مصر، فى ديسمبر 2012، واحدة من أكثر اللحظات دموية فى عهد تنظيم الإخوان، حين اعتدى أنصار محمد مرسى على متظاهرين سلميين أمام قصر الاتحادية؛ رفضاً لإعلانه الدستورى الذى منحه سلطات مطلقة.
تلك الأحداث التى كشفت الوجه القمعى للجماعة، وأكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن التنظيم لا يؤمن بالديمقراطية، بل يلجأ إلى العنف والتكفير لقمع معارضيه.
«فرغلي»: الجماعة وضعت خطة لتفكيك مؤسسات الدولة المصرية والسيطرة على مفاصلها
وقال ماهر فرغلى، الباحث المتخصص فى شئون الجماعات الإسلامية، إن أحداث قصر الاتحادية كانت لحظة كاشفة عن الوجه الحقيقى لجماعة الإخوان الإرهابية، حيث ظهر بوضوح ميل التنظيم لاستخدام العنف الممنهج ضد كل من يختلف معه. وأوضح أن الأمر بدأ حين أصدر الرئيس المعزول محمد مرسى إعلانه الدستورى فى نوفمبر 2012، الذى منحه سلطات استثنائية مطلقة، مثيراً موجة غضب عارمة فى الشارع السياسى المصرى. ورداً على ذلك، نظم عدد من شباب القوى السياسية والثورية اعتصاماً سلمياً حول قصر الاتحادية يوم 5 ديسمبر من العام ذاته؛ فى محاولة للتعبير عن رفضهم للقرارات الاستبدادية التى أطلقها «مرسى».
وأضاف «فرغلى»، لـ«الوطن»، أن الاعتصام السلمى قوبل بعنف بالغ من جانب أنصار جماعة الإخوان، الذين لم يترددوا فى استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين. وأشار إلى أن المشهد تصاعد سريعاً، فتحولت بعض الخيام التى نصبها أنصار «مرسى» قرب بوابات القصر الرئاسى إلى ما يشبه «مراكز اعتقال وتعذيب»، حيث احتُجز فيها بعض النشطاء وتعرضوا للضرب والإهانة، فى مشهد يعكس بوضوح طبيعة الجماعة القمعية. وأسفرت تلك الاعتداءات عن سقوط 10 قتلى وإصابة ما لا يقل عن 748 شخصاً، فى واحدة من أسوأ وقائع العنف السياسى فى تاريخ مصر الحديث، دون أن يتحرك «مرسى» لوقف الدماء أو التدخل لحماية المواطنين.
وأكد «فرغلى» أن جماعة الإخوان لم تكتفِ بقمع المتظاهرين فحسب، بل اتخذت خطوات تصعيدية أكثر خطورة، تمثلت فى مهاجمة مقار جهاز الأمن الوطنى فى عدد من المحافظات، فى محاولة يائسة لتدمير أرشيف الدولة الأمنى ومحو ذاكرة الأمن المصرى، وفق تعبيره. ولفت إلى أن هذا الجهاز تحديداً كان يشكل مصدر قلق دائم للجماعة؛ لأنه كان يرصد تحركاتها ويكشف مخططاتها، ويتابع اتصالاتها مع أطراف خارجية، ما عطّل كثيراً من مخططات التنظيم فى الداخل والخارج.
وأشار إلى أن هذه الهجمات كانت جزءاً من خطة أوسع لتفكيك مؤسسات الدولة المصرية والسيطرة على مفاصلها. فالجماعة، بحسب «فرغلى»، كانت تسعى لإسقاط الأجهزة السيادية التى تعيق تنفيذ مشروعها القائم على التمكين والاستحواذ، وتحويل الدولة إلى كيان تابع لفكر التنظيم. وبيّن أن كل ما جرى خلال تلك الفترة كان يكشف أن الجماعة لا تؤمن بالدولة الوطنية، بل ترى فى مؤسساتها عوائق يجب تدميرها.
وشدد «فرغلى» على أن أحداث الاتحادية، وما تبعها من استهداف للأجهزة الأمنية، يجب أن تُقرأ فى سياق واحد، وهو أن الجماعة كانت مستعدة لاستخدام أقصى درجات العنف للحفاظ على وجودها فى السلطة، موضحاً أن ما حدث لم يكن مجرد صراع سياسى، بل كان مواجهة بين دولة تسعى للاستقرار وتنظيم يسعى للفوضى.
وكشف إبراهيم ربيع، القيادى الإخوانى المنشق، عن الطبيعة الحقيقية لتنظيم الإخوان الإرهابى، مؤكداً أن عقيدة الجماعة لا تستند إلى الدين أو المبادئ، بل تقوم على أربعة أركان مدمرة وصفها بـ«الإجرامية»، وهى: التكفير، الإرهاب، العنصرية، والطائفية.
وأوضح «ربيع» أن التنظيم لم يكن يوماً مؤمناً بالديمقراطية، بل استغلها كوسيلة مؤقتة للوصول إلى السلطة، قائلاً: «ركبوا قطار الديمقراطية حتى محطة الحكم، ثم حاولوا قطع القضبان خلفهم لمنع أى منافسة أو تداول للسلطة»، لافتاً إلى أن من يجرؤ على مطالبتهم بتداول السلطة كان يُقابل بالتكفير أو التفجير، ويُتهم بالخروج على «ولى الأمر» ورفض «الحكم بما أنزل الله».
وأضاف أن الإخوان حكموا مصر عبر التهديد والعنف، ولم يكن فى أذهانهم سوى تثبيت سلطتهم بأى ثمن، مشيراً إلى أن الجماعة مارست القتل لتحقيق أهدافها، وفرضت أيديولوجيتها بالقوة، ورفعت شعاراً خطيراً: «إما أن تكون مع الجماعة، أو تُعد كافراً وعدواً للإسلام».
وأكد أن «الإخوان» اعتبروا أنفسهم ممثلين للإسلام، واستخدموا باقى جماعات الإسلام السياسى كـ«قطعان» مسخرة لتنفيذ مخططاتهم، موضحاً أنه بعد ثورة «30 يونيو»، التى أطاحت بحكم التنظيم، أُعيد فتح قضية أحداث قصر الاتحادية، التى اتُهم فيها الرئيس المعزول و14 من قيادات الجماعة. وأسفرت المحاكمة عن أحكام بالسجن المشدد 20 سنة على «مرسى» و12 آخرين، إضافة إلى حكم بالسجن المشدد 10 سنوات بحق اثنين آخرين. وأشار إلى أن جذور الأزمة تعود إلى الإعلان الدستورى الذى أصدره «مرسى»، والذى منح نفسه من خلاله صلاحيات شبه مطلقة، الأمر الذى أشعل موجة غضب شعبى واسعة دفعت الآلاف للتظاهر أمام قصر الاتحادية. وبيّن أن التنظيم لم يتردد حينها فى دفع عناصره المسلحة لمهاجمة المتظاهرين السلميين، ما أسفر عن سقوط عدد كبير من الضحايا والمصابين.
«ربيع»: التنظيم لم يكن يوماً مؤمناً بالديمقراطية بل استغلها كوسيلة للوصول إلى الحكم
وأكد «ربيع» أن الجماعة مارست الترويع والقتل فى تلك الأحداث بشكل ممنهج، فى مشهد لم يسبق له مثيل، حيث وقف «مرسى» صامتاً وهو يرى أعضاء جماعته يعتدون على معارضين سلميين دون أن يحرك ساكناً. واعتبر أن تلك الواقعة كانت كاشفة لطبيعة الجماعة، وأدت إلى صدور الحكم القضائى الذى قضى بسجن «المعزول» وقيادات التنظيم 20 عاماً.
وشدد القيادى الإخوانى المنشق على أن ما حدث أمام قصر الاتحادية لم يكن سوى نموذج مصغر لطبيعة التنظيم حين يمتلك السلطة، مشيراً إلى أن الإخوان لا يؤمنون بالدولة الوطنية، بل يرونها مجرد وسيلة للسيطرة والتمكين، وأن سقوطهم فى مصر أنقذ البلاد من مستقبل كان سيتحول إلى جحيم دموى على يد هذا التنظيم.
«أديب»: «الإخوان» رفعوا شعار «نحن أو الفوضى» وسعوا إلى ترسيخ هذا المفهوم فى الشارع المصرى
وقال منير أديب، الباحث المتخصص فى شئون الجماعات الإسلامية، إن الدولة المصرية عاشت واحدة من أكثر فتراتها اضطراباً فى ظل حكم جماعة الإخوان الإرهابية، التى اتسمت ممارساتها بالقمع والعنف ونشر الفوضى. وأوضح أن الجماعة، منذ اللحظة الأولى لتوليها الحكم، رفعت شعاراً غير معلن مفاده: «نحن أو الفوضى»، وسعت إلى ترسيخ هذا المفهوم عملياً فى الشارع المصرى. وأشار إلى أن أبرز الجرائم التى تعكس هذا الشعار كانت فى يوم 4 ديسمبر 2012، حين اعتدى أنصار محمد مرسى على متظاهرين سلميين كانوا يعتصمون أمام قصر الاتحادية؛ احتجاجاً على إصداره الإعلان الدستورى الذى منحه صلاحيات استثنائية مطلقة.
وأضاف «أديب»، لـ«الوطن»، أن ما حدث فى هذا اليوم المشئوم كان بداية سلسلة من الاعتداءات المتواصلة من جانب أنصار جماعة الإخوان على المعتصمين، وتحولت هذه الاعتداءات إلى مواجهات عنيفة فيما عُرف لاحقاً بأحداث قصر الاتحادية. واعتبر أن هذه الأحداث مثلت نقطة تحول فى مسار حكم الإخوان، وكشفت بوضوح عن الوجه الحقيقى للتنظيم الذى لا يتورع عن استخدام القوة المفرطة لقمع خصومه السياسيين، حتى وإن كانوا سلميين. وأكد أن هذه الوقائع كانت بمثابة «المسمار الأول فى نعش الجماعة»، حيث بدأ الرأى العام يلتفت إلى طبيعتها غير الديمقراطية.
وأشار «أديب» إلى أن المعتصمين التزموا بالسلمية ولم يحملوا أى نوايا عدائية تجاه القصر الجمهورى أو شخص الرئيس، إلا أن الجماعة دفعت بأنصارها لتنفيذ هجوم منظم على الاعتصام؛ بهدف فضه بالقوة وترويع المشاركين فيه. وتابع موضحاً أن هذه الاعتداءات لم تكن لحماية القصر كما زعمت الجماعة، بل كانت خطوة استباقية لإرهاب المعارضة، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات عنيفة استمرت عدة أيام، وانتهت بتجمعات ضخمة فى ميدان التحرير يوم 6 ديسمبر؛ احتجاجاً على العنف الذى مارسه أنصار «مرسى» ضد المتظاهرين.