عيد عبدالواحد: جائزة «يونيسكو» توجت جهود مصر في محو الأمية بعد تفوقها على 64 دولة
عيد عبدالواحد: جائزة «يونيسكو» توجت جهود مصر في محو الأمية بعد تفوقها على 64 دولة
قال الدكتور عيد عبدالواحد، الرئيس الأسبق للهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار، الخبير فى مجال التعليم وملف محو الأمية بمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «يونيسكو»، إن الرؤية الجديدة فى مصر للقضاء على الأمية تجاوزت مفهوم تعليم القراءة والكتابة، لتشمل التثقيف المجتمعى، والتمكين الرقمى، وربط التعليم بسوق العمل، مشيرا إلى أن الدولة تستهدف الوصول إلى «مصر بلا أمية» بحلول عام 2030، واصفاً هذه الخطوة بأنها حلم كل المصريين وأنهم قادرون على الوصول إليه..
■ ما الخطة التى كانت موضوعة لمحو الأمية فى مصر؟
- كانت مصر فى الماضى تمتلك خطة تقليدية لمحو الأمية ترتكز فقط على القراءة والكتابة، لكن مع توجيهات القيادة السياسية برئاسة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسى، وخلال الفترة التى تشرفت أن قضيتها رئيساً للهيئة، بدأنا تطوير رؤية جديدة أكثر شمولاً. شرفت بأن أكون أحد المشاركين فى صياغة هذه الرؤية، والتى استندت إلى 4 مرتكزات رئيسية، بعدما أدركنا أن محو الأمية لا يمكن أن يقتصر على المهارات الأولية للقراءة والكتابة فقط، بل يجب أن يمتد لصناعة مواطن واعٍ وقادر على التفاعل مع الحياة.
■ وما المرتكزات الأربعة التى تعتمد عليها هذه الرؤية المطورة؟
- المرتكز الأول هو تعليم القراءة والكتابة والحساب، لكن بتطوير حقيقى. سابقاً، كانت الورقة الامتحانية تقيس التعليم النظامى، بينما نحن نعمل فى إطار تعليم غير نظامى. الورقة ظلت كما هى منذ ثلاثين عاماً، فقمنا بإعادة تصميمها لتصبح أكثر واقعية ومرتبطة بحياة المتعلم. على سبيل المثال: لم نعد نطلب من المتعلم أن يُملى قطعة إنشائية، بل نضعه أمام موقف وظيفى، كأن يتخيل أنه ذهب إلى البنك وطُلب منه ملء استمارة، فنطلب منه تعبئتها. هذا ما نسميه «التعليم الوظيفى»، أى تعليم يحقق فائدة مباشرة، وهو تغيير جوهرى لم يكن موجوداً فى الرؤية القديمة. فكان هذا هو الجزء الأول من التطوير، تطوير أسلوب القراءة والكتابة والحساب ليصبح وظيفياً، يعنى يستفيد به المتعلم فى عمله أو وظيفته، وليس التعلم من أجل التعليم فقط، ولكنه تعلم ينعكس على الارتقاء المهنى والوظيفى وبالتالى ينعكس على الدخل والمستوى الاجتماعى للأسر.
■ إذن، هذا الأمر دعا إلى تغيير فى مناهج محو الأمية؟
- بالطبع، لقد غيرنا المنهج وطورنا أسلوب التدريس، بما يحقق أهدافنا فى الرؤية المتطورة التى تواكب حركة العالم والتغييرات السريعة فى سوق العمل والتكنولوجيا والإنترنت. مفهوم الأمية تغير ولقد أدركنا ذلك وعملنا سريعاً على مواكبة هذا التغيير.
■ ماذا عن المرتكز الثانى فى الخطة؟
- هو التثقيف والتوعية، إذ لم نكن نكتفى بأن يعرف الشخص القراءة والكتابة فقط، بل كنا نحرص على أن يصبح مواطناً مثقفاً وواعياً، لا ينجر وراء الشائعات، ولا يُسرف فى استهلاك الماء أو الغذاء، ولا ينجرف خلف دعاوى هدامة، ولقد نظمنا محاضرات تثقيفية فى مجالات متعددة: الولاء والانتماء، خطورة الزيادة السكانية، ترشيد الاستهلاك، التطرف الدينى، سوق العمل والعمل الجماعى، وغيرها. كان هدفنا أن نغرس فى المتعلم حب الوطن والانتماء له، خصوصاً فى ظل ما كانت تشهده المنطقة من اضطرابات، وكنا نعتبر أن هذه المحاضرات جزء لا يتجزأ من محو الأمية.
■ هل يمكن اعتبار بناء الوعى أحد أهداف خطة محو الأمية؟
- بالتأكيد، إن بناء الوعى عنصر أساسى فى رؤيتنا، وكنت أقول دائماً إن الذكاء الاصطناعى نفسه يقوم بتحليل اهتمامات المستخدم ليقدم له محتوى مرتبطاً بها، ونحن كنا نقدم للمتعلم الأساسيات، ثم نترك له أن ينطلق وحده، فيتعلم وينمو. وما فائدة شخص يقرأ ويكتب لكنه بلا وعى عما يدور فى بلده وفى العالم، فعملية صناعة الوعى كانت مواكبة لتعليم القراءة والكتابة والحساب.
■ هل تم التعامل مع مفهوم الأمية التكنولوجية ضمن هذه الخطة.. أم اقتصر الأمر على القراءة والكتابة والوعى؟
- لا طبعاً، هذا ما يشكل المرتكز الثالث فى الخطة: التعايش مع البيئة الرقمية، العالم كله يتجه نحو الرقمنة، والأميون باتوا مضطرين للتفاعل مع هذا الواقع؛ سواء لصرف أموالهم من البنوك أو للتعامل مع الهواتف الذكية. نحن لا نعلمهم علوم التكنولوجيا المعقدة، بل نعطيهم المهارات الأساسية، مثل كيفية الحفاظ على كلمة السر، وكيفية استخدام بطاقة الفيزا بشكل آمن، وكيف يستخدم تطبيق «إنستاباى» وهو جالس فى منزله. هذه أمور بسيطة لكنها جوهرية فى حياة الأفراد، لأن التكنولوجيا أصبحت ضرورة وليست رفاهية، حتى المعاملات اليومية الآن تعتمد على درجة من التكنولوجيا، وبالتالى هذا جزء من خطتنا نعمل عليه ونعطيه للشخص الأمى، بحيث يكون مواكباً للعالم من حوله.
■ هل ذوو الهمم جزء من خطة محو الأمية فى مصر؟
- نعم، ولأول مرة فى تاريخ الهيئة أنشأنا ملفاً خاصاً لمحو أمية وتعليم الكبار لذوى الهمم، فلقد صممنا مناهج تتوافق مع كل نوع من أنواع الإعاقات، واستهدفنا الفئة القابلة للتعلم مثل المكفوفين أو مَن فقدوا أحد أطرافهم ولكنهم معافون ذهنياً. استخدمنا طريقة «برايل» والبرامج الصوتية لمساعدتهم، وفتحنا لهم أبواب التعلم التى كانت مغلقة أمامهم لسنوات طويلة.
■ ما المقصود بتعليم الكبار؟ ولماذا تم إغفاله سابقاً؟
- الهيئة اسمها «الهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار»، لكن التركيز كان دائماً على محو الأمية فقط. لقد وسّعنا المفهوم ليشمل التثقيف المستمر، حتى لمن يحمل شهادات جامعية أو عليا. فهناك أطباء أو مثقفون لا يدركون أهمية بعض القضايا الوطنية، مثل الزيادة السكانية أو ترشيد الموارد، وهؤلاء يعانون من أمية ثقافية. ونقدم محاضرات توعوية عبر مراكز الشباب والنوادى، خصوصاً فى المواسم كرمضان وغيره، لنصل إلى أكبر شريحة ممكنة.
■ ما أبرز شراكات الهيئة لتحقيق هذه الرؤية؟
- عملنا على توسيع قاعدة الشراكة داخلياً وخارجياً، بدأنا مع اليونيسكو بدعم تقنى، ثم عقدنا شراكة مع إحدى الشركات الخاصة الكبرى فى مصر التى تولت تطوير المبنى الرئيسى للهيئة على نفقتها. أما على المستوى الأكاديمى، فقد تعاونا مع عدد كبير من جامعات مصر، مثل جامعة المنصورة، وطلبنا منهم تصميم محتوى رقمى جذاب، يُعلم الأميين الحروف بطريقة مبتكرة تشبه «تيك توك»، بحيث يتعلم المتعلم الألف بطريقة ممتعة، فينجذب بعدها لتعلم الباء، وهكذا.
■ ما تفاصيل فوز مصر بجائزة «يونيسكو»؟
- تقدمت 64 دولة بمشروعاتها، وفازت مصر بالجائزة، وتسلمتها بنفسى. كان هذا اعترافاً دولياً بتميز التجربة المصرية، خاصة الشراكة الفعالة بين الهيئة وجامعة المنصورة، وتطوير المحتوى الرقمى، والاهتمام بفئات كانت مهملة مثل ذوى الهمم.
■ هل لديكم خطة زمنية للوصول إلى «مصر بلا أمية»؟
نعم، وفق رؤية مصر 2030، نعمل للوصول إلى هذه المرحلة. وهذا حلم كل المصريين ونحن قادرون على الوصول إليه خاصة مع دعم القيادة السياسية والإعلام الذى له دور مهم فى هذه المعركة، لكن نحتاج إلى دعم مستمر، لأن الأمية هى أصل كثير من المشكلات، من الزيادة السكانية إلى التطرف. الأمية ليست فقط فى القراءة، بل فى الفهم، وفى السلوك. وكلما قلت، زاد الوعى الوطنى.
أشكر «الوطن» لإطلاقها حملة للقضاء على الأمية فى خطوة رائعة تعكس وعيا حقيقياً من الإعلام.. وأضفنا منهجاً خاصا لـ«ذوى الهمم» لمساعدتهم على التعليم غير النظامى
■ أخيراً، ما رأيك فى حملة «الوطن» للقضاء على الأمية؟
- إطلاق جريدة «الوطن» لهذه الحملة خطوة إعلامية رائعة، تعكس وعياً حقيقياً من الإعلام المصرى، وتؤكد أن هذه القضية تهم كل مؤسسات الدولة. وأشكر الجريدة على تلك الخطوة، وأنا سعيد بها جداً، وأتمنى أن تحقق أهدافها، وأن تسهم فى الوصول إلى مصر بلا أمية بحلول 2030.
إقناع المجتمع بالمشاركة
كنت أتعامل مع هذا الملف باعتباره «عقيدة» لا مجرد وظيفة. تجولت فى كل المحافظات، واجتمعت برؤساء الجامعات، والمحافظين، والمسئولين فى القطاع الخاص، وأقنعتهم بأنهم شركاء فى هذه المعركة. ولم أطلب دعماً مالياً مباشراً، بل طلبت أن يقدموا الجوائز للأميين المتفوقين، وأن يكرموهم، وكانت الجامعات تؤدى دوراً كبيراً، حيث يشارك كل طالب فى محو أمية أربعة أشخاص على الأقل سنوياً. ولا يمكن حصر عدد الأميين بشكل دقيق ولحظى فى الوقت الحالى، لأنه متغير، لكن عدد الأميين كان حتى العام الماضى يناهز 22 مليوناً، أى ما يقارب 16.1% من تعداد السكان، حسب آخر الإحصاءات. لكن الرقم يتغير دورياً، مثل أعداد السكان، بسبب التسرب من التعليم والارتداد إلى الأمية.