الحرب الهجينة تنذر بـ«مواجهة» بين روسيا و«الناتو» في سماء البلطيق

كتب: محمود العيسوي

الحرب الهجينة تنذر بـ«مواجهة» بين روسيا و«الناتو» في سماء البلطيق

الحرب الهجينة تنذر بـ«مواجهة» بين روسيا و«الناتو» في سماء البلطيق

لم تعد التحذيرات من انفجار وشيك فى الخاصرة الشمالية الشرقية لأوروبا مجرد هواجس نظرية، بل تحولت إلى وقائع ميدانية تتكرر بوتيرة متسارعة، ترسم ملامح «مواجهة مفتوحة» بين حلف شمال الأطلسى «الناتو» وروسيا، فما جرى فوق أجواء بحر «البلطيق»، مساء يوم الجمعة الماضى، ليس حدثاً عابراً فى سجل المناوشات الجوية، بل هو تجسيد صارخ لحالة الاستنفار العسكرى، التى تخيِّم على المنطقة، فى ظل سباق غير معلن بين موسكو و«الناتو» على إثبات الهيمنة، وفرض قواعد اشتباك جديدة.

ففى مساء صيفى هادئ، وبينما كان المواطنون فى جنوب السويد يستعدون للاحتفال بليلة منتصف الصيف، اخترقت مقاتلتان سويديتان من طراز «JAS جريبين» حاجز السكون، لتنطلقا نحو نقطة تماس محتملة، بعد رصد طائرات روسية من طراز «سوخوى سو -30»، تحلق فى المجال الجوى الدولى فوق مياه بحر البلطيق، وعلى الرغم من أن الطائرات الروسية لم تخترق المجال الجوى للسويد، فإن الرسالة لم تكن بحاجة إلى توضيح: «نحن هنا، نرصد، ونرد»، ووفقاً لتقرير نشرته مجلة «نيوزويك»، كان لهذا التحرك دلالة عسكرية وسياسية بالغة، فالسويد، التى انضمت مؤخراً إلى حلف «الناتو»، لم تكن تسعى لإثبات عضويتها على الورق فقط، بل بادرت إلى تأكيد جاهزيتها القتالية، واستعدادها للاضطلاع بمسئولياتها كاملة فى منظومة الدفاع الجماعى: «نحن متأهبون حتى فى ليلة منتصف الصيف»، هكذا عبر المتحدث العسكرى السويدى، ميكائيل أجرين، الذى أكد أن «كل ما نقوم به هو من أجل الحرية».

هذا التحول فى العقيدة العسكرية السويدية، وكذلك الفنلندية، يعكس نهاية ما عُرف لعقود بـ«الحياد الاسكندنافى»، وانتقال البلدين من دائرة الحياد إلى مركز المواجهة، فبعد انضمام السويد وفنلندا إلى حلف الأطلسى، باتت دول البلطيق الشمالية تشكل حائط الصد الأول فى وجه روسيا، وهو ما يفسر التصعيد الروسى الأخير، باعتباره محاولة لردع هذا التقدم الجيوسياسى، وإعادة خلط الأوراق فى منطقة فقدت موسكو سيطرتها عليها، وفى هذا السياق، اعتبرت الصحيفة الأمريكية أن الواقعة الأخيرة لم تكن استثناءً، بل حلقة ضمن سلسلة من «التحرشات» الجوية والعسكرية الروسية، تصاعدت بشكل لافت منذ بداية مناورات «بالتوبس 25»، التى شاركت فيها أكثر من 40 سفينة، و9 آلاف عنصر من قوات «الناتو»، وفى غضون 6 أيام، من بداية تلك المناورات، اضطرت طائرات «تايفون» البريطانية إلى الإقلاع 6 مرات، لاعتراض طائرات روسية اقتربت من المجال الجوى لدول الحلف.

وبحسب الصحيفة الأمريكية، فقد تحول بحر البلطيق إلى ساحة صراع معقدة، لا تقتصر على الاشتباكات الجوية والمناورات البحرية، بل تتجاوزها إلى ما يسمى بـ«الحرب الهجينة»، هذا المصطلح، الذى بات يتكرر فى التصريحات الأوروبية، يشير إلى مزيج من الأدوات العسكرية وغير العسكرية التى تستخدمها روسيا، لتقويض استقرار خصومها، بدءاً من الهجمات السيبرانية، مروراً بحملات التضليل الإعلامى، وصولاً إلى الاستفزازات العسكرية المتكررة.

وزير الخارجية الألمانى، يوهان فاديفول، لم يخفِ قلقه من هذا النمط الجديد من الحروب، واصفاً التحركات الروسية بأنها «عمليات هجينة تهدف إلى زعزعة استقرار المجتمعات الأوروبية، واختبار قدرتها على الرد»، وأضاف أن «منطقة بحر البلطيق تتحول تدريجياً إلى بؤرة خطر»، فى إشارة إلى تواتر الأحداث العسكرية، التى باتت تقع فى الأجواء والمياه المحيطة بها، وفى تأكيد جدية هذا التصعيد، أظهر مقطع فيديو تم تداوله على نطاق واسع، طائرة روسية من طراز «سو-24» تطلق شعلات حرارية قرب سفينة تابعة للبحرية الأمريكية فى مياه البلطيق، فى سلوك وصفه مراقبون بأنه «تجاوز لخطوط الاشتباك المعروفة، ومحاولة متعمدة لفرض وقائع جديدة على الأرض».

ردود «الناتو» لم تتأخر، ففى يناير الماضى، أطلق الحلف مبادرة «حارس البلطيق»، التى تهدف إلى تعزيز الوجود العسكرى فى المنطقة، وتكثيف الدوريات الجوية والبحرية، وتحديث آليات الرصد المبكر والانتشار السريع، وتأتى هذه المبادرة ضمن حزمة من الإجراءات الاستباقية، التى تسعى إلى منع أى مغامرة روسية غير محسوبة، خصوصاً فى ظل التقديرات الاستخباراتية، التى تشير إلى أن موسكو تختبر مدى تماسك الحلف واستعداده للرد، إلا أن هذه الإجراءات، وعلى أهميتها، تفتح أيضاً الباب أمام احتمالات خطيرة، فالتداخل المستمر بين وحدات «الناتو» والقوات الروسية، فى نطاق جغرافى ضيق نسبياً، يزيد من خطر الاحتكاكات العرضية، التى قد تتطور إلى مواجهات مفتوحة، خاصةً فى ظل تصاعد الخطاب المتشدد من الجانبين، وغياب قنوات الاتصال المباشر بين موسكو وبروكسل، وفى هذا الإطار، يرى محللون أن السويد، بفعل موقعها الجغرافى، وطبيعة انخراطها الجديد فى الحلف، مرشحة لأن تكون فى قلب أى تصعيد مستقبلى، وأن حادثة الجمعة بمثابة بروفة حقيقية لمشهد قد يتكرر، وربما يتصاعد، فى المستقبل القريب.

واختتمت «نيوزويك» تقريرها بالقول إنه من الواضح أن بحر البلطيق لم يعد مجرد نقطة عبور تجارية، أو منطقة نفوذ بحرى، بل بات نقطة ارتكاز مركزية فى معادلة الردع الأوروبية، وإن كانت روسيا تسعى لإثبات أنها لا تزال قادرة على فرض قواعدها فى المنطقة، فإن «الناتو» يرد عبر استعراض قوته الجماعية، وتعزيز انتشار أعضائه الجدد، لا سيما السويد وفنلندا، فى الجبهة الأمامية للمواجهة، لكن السؤال الذى يبقى بلا إجابة حتى الآن هو: «إلى أى مدى يمكن للطرفين الحفاظ على هذه اللعبة الخطرة، دون انزلاق إلى صراع مباشر؟ وهل سيكون بحر البلطيق هو شرارة الحرب المقبلة فى أوروبا، أم ساحة اختبار جديدة لقدرة القارة على احتواء الصدامات دون الانفجار؟»، الإجابة عن هذا السؤال مرهونة بتطورات الأيام والأسابيع المقبلة، حيث يبقى المشهد مشحوناً، و«الخطأ المحسوب» قد يتحول إلى كارثة، وبينما ترصد الرادارات الطائرات، فإن العيون شاخصة إلى السماء، تترقب ما إذا كانت المقاتلات تحلق من أجل الدفاع، أم من أجل المواجهة؟.


مواضيع متعلقة