مثقفون يدعمون مبادرة «الوطن»: خطوة لمحو الأمية وحماية من الجهل
مثقفون يدعمون مبادرة «الوطن»: خطوة لمحو الأمية وحماية من الجهل
أعلن عدد من المثقفين والباحثين دعمهم لمبادرة جريدة «الوطن» للقضاء على ظاهرة الأمية، تحت شعار «معا نضىء عقولاً.. ونمحو الأمية»، محذرين من خطورة تداعيات الأمية على الفرد والمجتمع، فمحو الأمية حق أساسى من حقوق الإنسان، وله تأثير كبير على التنمية الاجتماعية والاقتصادية، حيث تُعتبر الأمية مشكلة اجتماعية خطيرة ذات عواقب سلبية واسعة النطاق على الفرد والمجتمع، فهى تؤثر على التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحد من قدرة الأفراد على المشاركة الفعالة فى المجتمع، وتزيد من احتمالية وقوعهم ضحايا للاستغلال والجهل.
«النمنم»: يجب العمل على منع تسرب «أميين جدد».. ومصر تبذل جهوداً لمكافحة الأمية منذ خمسينات القرن الماضى
وقال الكاتب الصحفى حلمى النمنم، وزير الثقافة الأسبق، إن حملة «الوطن» خطوة جريئة لمواجهة خطر الأمية، لما لها من تداعيات على الفرد والمجتمع، مضيفاً: «من الضرورى أن يكون للصحافة دور فاعل فى التصدى لهذه المشكلة من خلال رصد أبعادها»، ونبَّه إلى أهمية تبنِّى العمل على عدم تسرُّب «أميين جدد» من الأجيال الجديدة، ودعم خطة مدروسة ومحددة بزمن معين، لأن تصبح مصر خالية تماماً من الأمية، ولفت إلى أن هناك دائماً نسبة مضافة من خلال التسرب من التعليم.
وأشار «النمنم» إلى أن دور الصحافة بشكل أساسى إثارة المشكلة، وتوعية المجتمع بالكامل بالقضية وخطورتها، لكى يتم التعامل بشكل جاد، خصوصاً مع تغير شكل الحياة، أما الإعلام المسموع والمرئى فيمكن أن يكون له دور فى حل هذه المشكلة، من خلال التوعية بخطورتها، وقال إن الأميين وإن كانوا يستفيدون من البرامج الاجتماعية التى تكفلها الدولة، إلا أن «الأمى» لديه مشكلة مثلاً فى صرف معاشه ومستحقاته من الصراف الآلى، ولا يتمكن من التعامل مع أبسط احتياجاته، كألا يعرف وجهته فى المترو.
ولفت وزير الثقافة السابق إلى أن مصر تبذل جهوداً فى مكافحة الأمية منذ خمسينات القرن الماضى، لكن هذه المشكلة لم تنته، لأنه يضاف إليها أعداد من المتسربين من التعليم من الأجيال الجديدة، مؤكداً التزام الدولة بتطبيق سياسة التعليم الإلزامى حتى المرحلة الثانوية، مشيراً إلى أن الإعلام لا بد أن يكون فاعلاً فى حل هذه المشكلة بتوضيح تبعاتها، ومن يتحدثون عن الديمقراطية، خاصةً أن الديمقراطية الحقيقية تعنى أن تكافح الأمية، لأن لدينا 20% من الشعب المصرى من الأميين، وهناك قطاع كبير من الخدمات التى تقدمها الدولة فى دعم الثقافة، مثل نشر الكتب، لا يتمتع بها الأميون.
وعوَّل «النمنم» على الإعلام قائلاً: «على الصحافة أن تعتبر الأمية بنداً من أولوياتها، وليست قضية هامشية فى الطرح، باعتبارها قضية من قضايا الأمن القومى المصرى»، وأكد أن دور الإعلام أن يساعد فى إثارة المشكلة من مختلف أطرافها وأبعادها، لأن الدولة ليست متأخرة فى مكافحة الأمية.
«عمار»: وسائل التواصل الاجتماعى صارت محفزة للأميين للتعلم والدور على الإعلام لاستثمار التقنيات الحديثة
بدوره، قال الدكتور عمار على حسن، الكاتب والباحث فى علم الاجتماع السياسى: «نحن نعانى من أشكال كثيرة من الأميات، مثل الأمية الثقافية، وهى أن المجتمع لا يقرأ فى الغالب الأعم، والأمية السياسية التى تعنى الوعى بالشأن والمجال العام، والأمية التقنية أى التفاعل مع التقنية الحديثة، والأمية المنهجية التى تعنى التفكير العلمى وهى غائبة عند أغلب الناس، وتأتى الأمية الأبجدية، الأولى بالرعاية، لكن لا يجب أن نغض الطرف عن أشكال أخرى من الأميات».
وأكد «عمار» أن حملة «الوطن» من الممكن أن تحقق أهدافها إذا كانت مدروسة بشكل علمى، ولا بد من الاستمرار، وإشراك أقلام من خارج الصحافة، ولا بد أن تصل الحملة من خلال وسائل التواصل الاجتماعى وتروج لأهدافها من خلال هذه الوسائل، لافتاً إلى هذه الوسائل أهميتها فى أنها جعلت الفرد يشعر بضرورة محو أميته حتى يستطيع أن يتواصل، مضيفاً: «صارت محفزة للأميين للتعلم، والإعلام عليه أن يستغل ذلك، وعلى المعنيين بحل هذه المشكل أن يستغلوا هذه اللفتة، قبل أن تنتفى الحاجة إلى اللغة المكتوبة عبر الهواتف باستخدام الذكاء الاصطناعى».
يرى «عمار» أننا بلد يُفترض ألا تكون فيه أمية، لأنه البلد الذى علَّم العالم فى الزمن القديم، ولأسباب عديدة زادت الأمية بشكل كبير، منها التسرب من التعليم أو عدم انشغال الناس بالتعليم، وعدم بذل الجهد الكافى فى مكافحة الأمية، وأيضاً إجراءات محو الأمية يشوبها فى الغالب الأعم نوع من التدليس والفساد، وبالتالى تُمحى الأمية على الورق، وتُسجَّل بالأرقام، بينما فى الواقع الأمر لم يحدث، وهو ما الذى أدى إلى بقاء المشكلة.
وأكد «عمار» أن الأمية مشكلة يجب أن يشتبك فيها الجميع لحلها وتوضع لها خطة ناجعة، بما فيها القوات المسلحة، وكل من يتم تجنيده من الأميين لا بد أن يخرج من الخدمة العسكرية وقد أجاد القراءة والكتابة.
وفى التعلم ومؤسساته المختلفة فإلى جانب تعليم التلاميذ فى مراحله الأساسية لا بد أن يكون هناك جهد منصرف إلى محو الأمية. وأيضاً الإعلام من خلال قنوات مخصصة لمحو الأمية تشجع الراغبين فى القراءة والكتابة على متابعتها، ويتم حض هؤلاء عبر وسائل جذب فى جميع القنوات تقريباً، لتقول للفرد نحن سنصل إلى بيتك ونمحو أميتك ونساعدك على أن تقرأ وتكتب، لا بد أيضاً أن يُغلَق باب التسرب من التعليم، ليتعلم الفرد الأقل حتى المرحلة الثانوية.
ولفت «عمار» إلى أهمية دور المجتمع المدنى والموسرين أصحاب الثروات: كان هؤلاء الأثرياء يلعبون دوراً على مدار التاريخ المصرى فى التعليم، ولا بد لهذا الدور أن يستمر ليس من خلال إنشاء مدارس استثمارية للتربح منها، إنما بالتبرع الخالص للنهوض بالتعليم، وجزء من هذا التبرع يذهب إلى محو الأمية.
ومن التصورات أيضاً يمكن أن يُشترط أن خريجى الجامعة لا تُعتمد شهادته إلا بقضاء فترة الخدمة العسكرية، يمكن أن نطبق ما طبقته كوبا فيما قبل وهو أن الشهادة لا تُعتمد إلا إذا قام الشخص بمحو أمية عدد معين من الأميين.
ويمكن أيضاً أن نشرك خريجى الجامعات ممن ليس لهم وظائف، خاصة خريجى التربية والآداب، فى محو الأمية بمكافآت مناسبة، لكى يندمجوا فى خطة كاملة لمحو أمية الناس، وفى القرى يمكن الاتفاق مع إدارة الحكم المحلى بالتنسيق مع العُمد والمشايخ لتوفير أماكن لمحو أمية القرويين، وفى المدن يمكن فتح المدارس فى الفترات الليلية وبيوت الثقافة.
وشدد «عمار» على أن كلفة المتعلم لو أنفقت الدولة على تعليمه، أقل كثيراً من كلفة الجهل على الموازنة العامة، لأن هذا المواطن فى سلوكه الإيجابى على مدار عمره سيوفر أموالاً طائلة للخزانة العامة وسيتحول من عنصر عاطل عبء إلى عنصر عامل وميزة. والمجتمع الأمى مجتمع مكلف فى أشياء كثيرة جداً، فى توعيته بالمشكلات العامة وفى تعبئته فى لحظة الخطر للدفاع عن البلد.
وقال «عمار» إن علماء الاجتماع دورهم هنا أن يقوموا بدراسات ميدانية للإجابة عن أسئلة تتعلق بهذه الفرضية لإقناع أصحاب القرار فى البلد بأن أى إنفاق على محو الأمية، وقبلها على التعليم، هو أحد مصادر الدخل القومى على المدى البعيد الاستراتيجى.
«والعائد مضمون ومُجز»، وبالتتابع مصر تضع خطة لمحو أميتها فى عام محدد بحيث يأتى هذا العام ولا يكون فى مصر أمى واحد، على أن يُخصَّص له لتنفيذ هذه الخطة الرجال والأموال، ونضمن تواصل الجهد وتفاعل كل المؤسسات التى من شأنها أن تساهم فى محو الأمية، وعلى رأسها الصحافة التى تتولى دور المتابعة خطوة بخطوة، وتنبه وتحرض وتكشف أى خلل أو قصور أو فساد أو تراخٍ وتكون أداة تواصل بين العقول الفاعلة القادرة على أن تقدم طوال الوقت تصورات وإجراءات حول تطوير محو الأمية وبين التنسيق بين المنفذين، ليأتى هذا العام ومصر قد برأت من المرض العضال.
«موسى»: الأمية تتزايد بسبب الفقر أحياناً فى بعض الأسر
من جهته، قال الكاتب صبحى موسى: «لدينا هيئة قومية لمحو الأمية وهى مؤسسة ضخمة وعظيمة، بحاجة لدعم من خلال الإعلام، سواء من خلال تقييم الأداء أو تنفيذ العمل، وعلى الصحافة أن تقدم دورها فى دعم معالجة ثقافية كاملة من مختلف الجوانب المؤدية لهذه المشكلة وتحديد أطرها، مؤكداً أن صناعة الفكر حالياً فى يد الإعلام، ولو تمكن الإعلام من الضغط على جوانب المشكلة سنتمكن من رصدها والوصول لحل لها، فالإعلام صانع الرأى العام ولا تعليم أو ثقافة بدون الإعلام».
ونبَّه «موسى» إلى أن نسبة الأمية تتزايد بسبب الفقر أحياناً فى بعض الأسر، مما يدفعهم إلى تسريب أولادهم من التعليم للعمل فى مرحلة الطفولة فى الحقول أو حرف يدوية تدر عائداً على الأسرة، وأشار صبحى موسى إلى تجربة سابقة فى الحد من التسرب من التعليم، قائلاً: فى نهاية السبعينات كانت تُفرض غرامة عالية على الأهالى الذين يحرمون أولادها من التعليم، مما يدفع إلى الحرص على تجنب تسريب أولادهم من المدرسة.
وفى إطار التأصيل للمشكلة تابع «موسى»: كما كانت هناك محفزات للأولاد فى المدرسة، وخاصة الأطفال فى القرى، مثل الوجبات المدرسية وممارسة الألعاب وغيرها من المحفزات لارتباط الطفل بالمدرسة. وقال«موسى» إن الدور الرئيسى للإعلام الربط بين جوانب المشكلة، والصحافة دورها أيضاً رصد أسباب إعاقة الجهود المبذولة من قبَل هيئة محو الأمية، فى إطار بلورة خطة ثقافية متكاملة، لكى تكون معالجة التسرب من التعليم جزءاً من خطة الثقافة، حتى لا نعمل فى جزئيات منفردة فتضيع الجهود.