يسرا زهران تكتب: سيناريو أخطر 72 دقيقة في الحرب العالمية النووية القادمة.. معركة نهاية العالم يُشعلها «كتاب أسود» و«كرة قدم» و«بسكويتة»!

كتب: محرر

يسرا زهران تكتب: سيناريو أخطر 72 دقيقة في الحرب العالمية النووية القادمة.. معركة نهاية العالم يُشعلها «كتاب أسود» و«كرة قدم» و«بسكويتة»!

يسرا زهران تكتب: سيناريو أخطر 72 دقيقة في الحرب العالمية النووية القادمة.. معركة نهاية العالم يُشعلها «كتاب أسود» و«كرة قدم» و«بسكويتة»!

هذا كتاب عن الحرب التى يحسب الكل حسابها دون أن يجرؤ أحد على تخيل تفاصيلها.

إنها الحرب العالمية القادمة التى لو قامت فلن تقوم للعالم بعدها قائمة، لأنها ستكون «حرباً نووية». كلمة مفردة لن تقبل الجمع عن حرب «وحيدة» لا تتكرر فيها الأحداث، «أخيرة» لا مجال فيها للتعلم من أخطاء الماضى، يتوقف بها سير الزمن، لا يربح فيها أحد، ولا تنتهى إلا بنهاية الحياة البشرية على الأرض.

كتاب أمريكى: ست دقائق فقط أمام رئيس الولايات المتحدة يقرر فيها خيار الرد النووى على أى هجوم.. وقراره يُنهى حياة الملايين فى لحظات

«الحرب النووية» كان عنوان أحدث كتاب للصحفية الأمريكية البارزة «آنى جاكوبسون» المرشحة للحصول على جائزة «بوليتزر»، أعلى الجوائز الدولية فى مجال الصحافة الجادة.

ذهبت فيه حيث لا يجرؤ الآخرون على الاقتراب، لترسم للجميع سيناريو يكاد يكون واقعياً لما يمكن أن يحدث خلال الحرب النووية.

سيناريو يقوم على المعلومات والوقائع، وإن دارت أحداثه المتخيلة بين أروقة القيادة الدفاعية الأمريكية والبيت الأبيض و«الكرملين» فى روسيا، فى مشاهد تُظهر تخبُّط أصحاب القرار العالمى ساعة الجد، ومشاهد مفزعة أخرى تصف كل ما يمكن أن يحدث فعلاً للمكان والبشر خلال الهجوم النووى.

أرادت «جاكوبسون» أن يكون كتابها مرتكزاً على الحقائق لا على الأوهام، فعقدت لقاءات مع وزراء دفاع سابقين، ومسئولين فى مراكز قيادية فى الجيش الأمريكى وأجهزة المخابرات والأمن الرئاسى فى البيت الأبيض. لم تكتبه بمنطق أفلام «هوليوود» التى تتخيل كارثة نووية لا يقدر على إيقافها إلا بطل الفيلم، بل أرادت أن تثبت بالأدلة القاطعة أن الطريق الذى يسير فيه العالم الآن فيما يتعلق بالتسليح النووى، لا يمكن أن يوجد فيه رابح ولا «بطل».

فى السيناريو الذى رسمه الكتاب الأمريكى للحرب النووية الوحيدة والأخيرة، لا تستغرق نهاية العالم أكثر من ٧٢ دقيقة، تنتهى فيها الحياة فى نصف الكرة الأرضية الشمالى، بينما يتآكل ما يتبقى من سكان الأرض فى خراب مؤلم وموت بطىء.

وحول تفاصيل هذه الدقائق الأخيرة للعالم تدور أحداث هذا الكتاب.

يسرا

وزير الدفاع الأمريكى الأسبق: «كثير من رؤساء أمريكا يتولون منصبهم دون أن يعلموا شيئاً عن دورهم خلال الحرب النووية وبعضهم لا يريد حتى أن يعرف!»

نحن الآن نقف داخل البيت الأبيض فى السيناريو الذى وضعته «آنى جاكوبسون» فى كتابها. أمامنا الرئيس الأمريكى الذى أوقعه حظه العاثر فى ذلك الموقف الذى لا يُحسد عليه: موقف مواجهة هجوم نووى من دولة «مارقة» على الولايات المتحدة الأمريكية.

الآن، صارت هناك معلومات مؤكدة لدى الرئيس الأمريكى، رصدتها الأقمار الصناعية وأنظمة الرادار الأمريكية، بأن كوريا الشمالية (الدولة المارقة فى هذا السيناريو) قد أطلقت صاروخاً باليستياً عابراً للقارات، يحمل على الأرجح رأساً نووياً، باتجاه الولايات المتحدة، ويصل إليها خلال ٣٣ دقيقة، مستهدفاً -كما يشير مساره- موقعاً ما فى العاصمة «واشنطن» أو فى «نيويورك» على الساحل الشرقى.

الرؤساء الأمريكان بعد «كينيدى» لا يملكون ما يكفى للتعامل مع أزمة نووية

و«ريجان» تساءل: من الذى يمكنه أن يقرر إطلاق معركة «هرمجدون» فى ست دقائق؟

عن ذلك الموقف غير المسبوق لأى رئيس أمريكى، يقول وزير الدفاع الأمريكى الأسبق «ويليام بيرى» الذى جلس يشارك «جاكوبسون» فى تخيُّل تطورات السيناريو النووى: «إنه فى تلك اللحظة، فإن الحضارة الإنسانية كما نعرفها على وشك الانتهاء».

وتتابع «جاكوبسون» فى كتابها: «الكل فى هذه اللحظة سيكون فى حالة من الصدمة، حتى لو كانوا كلهم قد تدربوا على إظهار العكس.

ربما يكون كل من فى القيادة الدفاعية الأمريكية فى ذلك الوقت قد تدربوا على القيام بمهمة محددة فى مثل هذا الظرف، كلهم ما عدا الطرف الأهم: الرئيس الأمريكى نفسه. إن صاحب القرار الوحيد فى إطلاق الرد النووى هنا سيكون على الأرجح مثل باقى الرؤساء الأمريكان المتعاقبين منذ عهد الرئيس الأسبق «جون إف. كينيدى» (الذى وصل التوتر النووى بين أمريكا والاتحاد السوفيتى إلى ذروته فى عهده)، لا يملكون خبرة أو معلومات كافية للتعامل مع الحرب النووية إذا اندلعت».

هذا الرئيس الأمريكى «غير الخبير» لا يملك -وفقاً للخطط المعدة فى عالم الواقع للتعامل مع الهجوم النووى- سوى ست دقائق فقط لاتخاذ قرار شن الحرب النووية ضد الدولة المهاجمة.

ست دقائق تبدأ من لحظة إبلاغ الرئيس الأمريكى برصد انطلاق صاروخ نحو الولايات المتحدة، يكون مطلوباً منه خلالها أن يتشاور مع قادته، ويدرس خيارات الرد النووى، ويعطى أوامره بشن هجوم نووى على الدولة المهاجمة أياً ما كانت.

تتساءل «جاكوبسون» فى كتابها: «كيف يكون هذا الأمر ممكناً حتى؟ ست دقائق هى الوقت الذى يستغرقه تحضير إبريق من القهوة! لقد انتبه الرئيس الأمريكى الأسبق «رونالد ريجان» إلى هذه النقطة فى مذكراته وقال بمرارة: ست دقائق فقط لاتخاذ قرار حول كيفية الاستجابة لنقطة مضيئة على الرادار (تمثل صاروخاً نووياً متجهاً للولايات المتحدة)، ولاتخاذ قرار حول إطلاق موقعة نهاية العالم (هرمجدون). كيف يمكن لأحد أن يُعمل المنطق فى وقت كهذا؟».

وردَّت «جاكوبسون» على تساؤل «ريجان» المرير قائلة: «إن الحرب النووية تنزع المنطق من البشر أجمعين».

وتتابع: «فى تلك الدقائق الست، سيكون مطلوباً من الرئيس الأمريكى أن يتخذ قراراً قد يتسبَّب فى مصرع عشرات الملايين من البشر على الطرف الآخر من الكرة الأرضية، حتى وإن لم يكن قد استوعب الموقف تماماً بعد، ولا يمكنه أن يتخيل السرعة التى لا بد أن يتطور بها الهجوم النووى المضاد.

الأمر كما يقول «جون وولفستول»، مستشار الأمن القومى للرئيس الأسبق «باراك أوباما»: إنه لا أحد، ولا حتى الرئيس الأمريكى نفسه، لديه معرفة كاملة بما يحدث فى منطقة أزمات أو أثناء النزاع المألوف، فما بالك بما يحدث خلال حرب نووية؟! أو كما يقول «ويليام بيرى» وزير الدفاع الأمريكى الأسبق: إن العديد من الرؤساء الأمريكان يتولون منصبهم فى البيت الأبيض دون أن يعرفوا دورهم خلال الحرب النووية. بعضهم يبدو حتى كما لو أنه لا يريد أن يعرف!».

ربما لأنه لا يوجد إنسان طبيعى قادر على أن يحمل ضميره عبء إهلاك ملايين البشر فى ست دقائق، حتى لو كان كما يحمل لقب «أقوى رجل فى العالم».

سياسة «الإطلاق عند الإنذار» تعنى أن أمريكا تطلق أسلحتها النووية بمجرد رصدها لبدء هجوم عليها قبل حتى أن تتلقى الضربة أو تتأكد من طبيعتها النووية

لكن لماذا هذه المدة القصيرة إلى حد لا يمكن تصوره لاتخاذ قرار رهيب بهذا الشكل الذى لا يمكن تصوره؟

السبب، كما تُظهر «جاكوبسون» فى كتابها، يرجع إلى سياسة دفاعية نووية لدى الولايات المتحدة، تكاد تكون أيضاً جنونية إلى حد لا يمكن تصوره، يطلق عليها سياسة «الإطلاق عند الإنذار».

هذه السياسة المشئومة السوداء موجودة منذ الستينات فى البروتوكولات الدفاعية الأمريكية، وما زالت قائمة حتى اليوم على الرغم من المطالبات المتكررة من أطراف متعددة فى المجتمع الأمريكى والدولى بإعادة النظر فيها بسبب خطرها الداهم على الإنسانية.

هى سياسة أقرب إلى رد الفعل غير العقلانى والمذعور، وضعها رجال يعيشون فى هلع متواصل وضغط مستمر خوفاً من التعرض لهجوم نووى من الاتحاد السوفيتى عندما كان هو القوة الوحيدة القادرة على مواجهة الولايات المتحدة نووياً خلال فترة الحرب الباردة (اليوم أصبح هناك تسع قوى نووية حول العالم لا يضمن تقلباتها أحد).

سياسة «التأهب القصوى» النووية الأمريكية تقوم على أساس «قطع الرقاب» الفورى لقيادات الدولة المهاجمة وحتى إبادتها تماماً

هى سياسة تعنى باختصار، وفقاً لما تورده «جاكوبسون» فى كتابها، أن «أمريكا سوف تطلق أسلحتها النووية بمجرد أن تتلقى «إنذاراً» مبكراً من أنظمة الإنذار الإلكترونية لديها بهجوم نووى وشيك. بعبارة أخرى، فبمجرد تلقِّى إنذار بقرب حدوث هجوم نووى مؤكد، فإن أمريكا لن تنتظر حتى تتلقى تلك الضربة النووية قبل أن تطلق أسلحتها النووية رداً على أى طرف بلغ به الخبل حد الهجوم على الولايات المتحدة».

أى أن أمريكا تلجأ بمجرد تعرُّضها للتهديد بالضرب (وليس الضرب الفعلى) للرد بالخيار النووى، حتى لو فشل الهجوم عليها.

والعجيب أن رؤساء أمريكا أنفسهم كانوا هم أول من اعترف بخطر هذه السياسة.

يواصل كتاب «جاكوبسون»: «خلال الحملة الرئاسية للرئيس الأمريكى الأسبق «جورج دبليو بوش (الابن) عام ٢٠٠٠، تعهَّد ذلك المرشح الرئاسى وقتها بالتعامل مع هذه السياسة المهلكة لو تم انتخابه رئيساً، وقال الرجل الذى أصبح رئيساً لأمريكا فيما بعد (وقعت فى عهده أحداث ١١ سبتمبر وأطلق الحرب الأمريكية لغزو العراق وأفغانستان): إن الاحتفاظ بهذا الكم الكبير من الأسلحة فى حالة من التأهب القصوى يمكن له أن يشكل مخاطر لا يمكن قبولها فى حالة حدوث إطلاق عن طريق الخطأ أو دون تفويض.

وجاء من بعده «باراك أوباما» ليردد نفس تلك المخاوف خلال حملته الانتخابية قائلاً: إن إبقاء الأسلحة النووية فى حالة تأهب للانطلاق الفورى هو أثر خطير من بقايا الحرب الباردة. وإن مثل تلك السياسات تزيد من خطر الحوادث الكارثية والحسابات الخاطئة. ونفس الوعود تكررت فى عهد «جو بايدن» إلا أن شيئاً لم يتغير».

ما الذى يترتب إذن على هذه السياسة فى سيناريو ضرب أمريكا بصاروخ نووى من دولة «مارقة» مثل كوريا الشمالية؟

نحن الآن فى الدقائق الست التى لا يملك الرئيس الأمريكى سواها لاتخاذ قرار الرد وفقاً لسياسة «الإطلاق عند الإنذار». بجواره يقف مساعد عسكرى حاملاً فى يده حقيبة طوارئ خاصة بالرئيس الأمريكى وحده. تصفها «جاكوبسون» فى كتابها بأنها: «حقيبة محمولة باليد مصنوعة من الألومنيوم والجلد، وتُعرف باسم حركى هو «ذا فوتبول» أو «كرة القدم».

هذه الحقيبة تلازم الرئيس الأمريكى طيلة الوقت ولا يمكن أن تفارقه تحت أى ظرف (حتى حين يستقل المصعد مثلاً).

داخل «كرة القدم» توجد وثائق تُعتبر الأعلى سرية على الإطلاق بين وثائق الحكومة الأمريكية، تسمى وثائق «التحرك الرئاسى فى حالة الطوارئ»، وهى عبارة عن مجموعة من الأوامر التنفيذية والرسائل التى يمكن وضعها موضع التنفيذ فى اللحظة التى يتحقق فيها سيناريو مثل تعرُّض الولايات المتحدة لهجوم نووى، وهى معدة بحيث تمنح الرئيس الأمريكى سلطات غير عادية استجابةً لمواقف غير عادية».

إلا أن الأخطر، أنه بجوار تلك الوثائق فى حقيبة الرئيس الخاصة بالطوارئ، توجد وثائق أخرى تحمل اسماً حركياً آخر هو «الكتاب الأسود».

وعلى ذلك «الكتاب الأسود» الرهيب، تتركز أنظار الرئيس الأمريكى، فى سيناريو «جاكوبسون»، وهو يستعد لاتخاذ قراره بإطلاق الحرب النووية الأمريكية والعالمية من بعدها.

تقول «جاكوبسون»: «إن «الكتاب الأسود» هو مجموعة من الوثائق المحفوظة فى حقيبة الطوارئ (ذا فوتبول) الخاصة بالرئيس. تلك الوثائق عبارة عن قائمة من الخيارات للضربات النووية التى لا بد أن يختار الرئيس الأمريكى واحدة من بينها لإطلاق الحرب النووية. بعض التسريبات منذ عهد إدارة الرئيس الأمريكى الأسبق «ريتشارد نيكسون»، تشير إلى أن هذه المجموعة من الوثائق كان يطلق عليها لقب «كتيب القرارات»، والتى تضم تفاصيل مثل: أى أسلحة نووية يمكن استخدامها، ما هى الأهداف التى يمكن ضربها فى الدول الأخرى، وما هى التقديرات الاستخباراتية والعسكرية لحجم الإصابات والخسائر التى يمكن أن تنتج عن هذه الضربات النووية».

وتتابع «جاكوبسون»: «فى السيناريو الحالى، فإن الأسلحة النووية التى تقع تحت تصرف الرئيس تثير ذهوله هو نفسه، خاصة مع وجود سياسة دفاعية أخرى تعرف باسم «أقصى حالات الاستنفار» أو «التأهب القصوى»، وهى تسير يداً بيد مع سياسة «الإطلاق عند الإنذار» ولا تقل عنها خطراً ولا تهديداً لمصير الإنسانية.

إذ إن هذه السياسة تضمن إبادة أى عدو يوجِّه ضربة لأى دولة تمتلك تسليحاً نووياً، ويخل بنظام الردع (وهو أقرب ما يمكن فرضه لضمان نوع من السلام بين القوى النووية، بحيث لا توجِّه أى دولة ضربة نووية لدولة أخرى تحسباً لرد أشد فتكاً من نفس النوع، حتى لا يجرؤ أحد أبداً على المبادرة بتوجيه الضربة النووية الأولى)».

سياسة «أقصى حالات الاستنفار» تعنى، كما تقول «جاكوبسون» فى كتابها: «شن هجوم أقرب إلى «قطع الرقاب» للقضاء على الدولة أو الطرف المعتدى. لذلك فإن الترسانة النووية الأمريكية تحتفظ بأسلحتها فى أقصى حالات التأهب للانطلاق بشكل دائم. هذا يعنى أن الرئيس لديه القدرة والإمكانية لأن يأمر بإطلاق سلاح نووى أو عشرة أو مائة أو حتى كل الأسلحة النووية الأمريكية التى تقع تحت تصرفه كما يشاء، فى أى وقت يشاء على مدار ساعات اليوم والليلة، طيلة أيام الأسبوع، فى أى وقت من أوقات السنة. كل ما عليه هو أن يتبع التعليمات الموجودة فى الكتاب الأسود».

وهو ما يصل بنا إلى قائمة الخيارات النووية التى تكون متاحة أمام الرئيس الأمريكى فى حالة تعرُّض بلاده لهجوم نووى كما فى السيناريو الذى تتخيله «جاكوبسون».

يقول الكتاب الأمريكى: «هناك «ثالوث نووى» للترسانة الأمريكية يملك الرئيس الأمريكى سلطة إطلاقها براً وبحراً وجواً. يتكون هذا الثالوث من ٤٠٠ صاروخ باليستى عابر للقارات (يشبه ذلك الذى يتجه الآن فى هذا السيناريو لضرب الولايات المتحدة)، يحمل كل واحد منها رأساً نووياً.

وجواً، هناك ٦٦ طائرة من نوعية «بى-٥٢» القادرة على حمل وإلقاء قنابل نووية جاهزة بطياريها وتحمل كل واحدة من هذه الطائرات عدة رؤوس نووية. أما فى البحر، وعبر المحيط، فتوجد ١٤ غواصة نووية تحمل كل واحدة منها عدة صواريخ باليستية يمكن إطلاقها من هذه الغواصات وتحمل بدورها عدة رؤوس نووية. وهناك، بالإضافة إلى ذلك كله، مائة قنبلة نووية موجودة فى قواعد حلف شمال الأطلسى «الناتو» فى أوروبا بشكل تكتيكى، لكنها لا تُعد رسمياً ضمن الثالوث النووى للولايات المتحدة».

أى استخدام لأى من هذه الخيارات النووية سوف ينتج عنه قدر رهيب من الخسائر فى الأرواح والممتلكات أياً كان الهدف الذى تصيبه. لكن الرئيس الأمريكى، فى سيناريو التعرُّض لهجوم نووى، يعرف أن عدد الضحايا الذين سيسقطون فى الولايات المتحدة من جراء ذلك الصاروخ الكورى الشمالى لن يقل عن مليون إنسان على أقل تقدير.

تنقل «جاكوبسون» عن شخصية واقعية، هو الكولونيل «روبرت باترسون»، الذى شغل منصب المساعد العسكرى للرئيس الأسبق «بيل كلينتون» (أى المسئول عن حمل حقيبة «كرة القدم» النووية الملازمة له)، تشبيهاً وصف فيه «الكتاب الأسود» الموجود فيها بأنه أقرب إلى «قائمة الطعام» أو «قائمة الإفطار». قال الكولونيل «باترسون» إن اختيار الرئيس الأمريكى للأهداف «الانتقامية» للضربات النووية من قائمة هجوم نووية معدة مسبقاً هو أمر لا يقل بساطة عن اختيار أصناف الطعام من قائمة أحد المطاعم، بينما يقول «جلين ماكداف»، مهندس الأسلحة النووية والمؤرخ الأمريكى: «إنه يلقب بالكتاب الأسود لأن فتحه يترتب عليه قدر كبير من الموت».

هناك نسختان من ذلك الكتاب الأسود، واحدة منهما تلازم الرئيس الأمريكى، أما الثانية فلا تفارق قائد القيادة الاستراتيجية الأمريكية (المعروفة اختصارًا باسم «ستراتكوم»)، المسئولة عن الردع الاستراتيجى والعمليات النووية والدفاع الصاروخى فى الأزمات العالمية. فى سيناريو «جاكوبسون»، يقف ذلك القائد العسكرى الأمريكى فى مقر القيادة الاستراتيجية فى ولاية «نبراسكا» الأمريكية، فى اتصال مباشر ومفتوح مع الرئيس الأمريكى فى البيت الأبيض عبر الأقمار الصناعية، يفتح نسخته من الكتاب الأسود فى الوقت الذى يفتح فيه المساعد العسكرى الحقيبة النووية (ذا فوتبول) للرئيس، ويقف القائد العسكرى فى انتظار تحديد الرئيس الأمريكى خيار الضربات النووية التى سيتم توجيهها لكوريا الشمالية.

لقد شارفت الدقائق الست على الانتهاء.

ومن أجل إطلاق أى خيار نووى يحدده الرئيس، يحتاج قائد القيادة الاستراتيجية الأمريكية أن يمنحه الرئيس «الأكواد الذهبية» أولاً.

عن تلك «الأكواد»، تقول «جاكوبسون» فى كتابها: «إن الأكواد أو الشفرات الذهبية هى الأكواد أو الشفرات النووية التى يحملها الرئيس الأمريكى معه بشكل متواصل (مثل حقيبة كرة القدم النووية) محفورة على بطاقة مغلفة فى محفظته، وهى معروفة بين أوساط الأمن القومى الأمريكى باسم حركى هو البسكويتة».

«الثالوث النووى» يضع ٤٠٠ صاروخ باليستى و٦٦ طائرة «بى-٥٢» و١٤ غواصة نووية بصواريخها وقنابلها النووية تحت تصرف الرئيس الأمريكى طوال الوقت

شفرات هذه «البسكويتة» هى كلمة السر الأخيرة المطلوبة لإشعال معركة نهاية العالم على الأرض.

ينتظر القائد العسكرى الأمريكى تعليمات الرئيس ومعها شفرات «البسكويتة» لتوجيه الضربة الانتقامية الأمريكية لكوريا الشمالية، تقول «جاكوبسون»: «أمام الرئيس فى الكتاب الأسود ثلاثة خيارات وفقاً لسياسة «الإطلاق عند الإنذار»: «ألفا» و«بيتا» و«شارلى» (السرية المحيطة بالكتاب الأسود لا تُظهر تفاصيلها كلها، وإن كان الأرجح أن الخيار الثالث هو أشدها فتكاً).

هذه الخيارات مصمَّمة لتوجيه رد حاسم فى حالة فشل وخرق سياسة الردع يستهدف القيادة الكورية الشمالية (أو أى عدو آخر) وكل القطاعات التى تدعم قدرتها على شن الحرب النووية. هذه الأهداف تزيد على ثمانين هدفاً فى مختلف مناطق كوريا الشمالية».

ويحدد الرئيس الأمريكى خيار إطلاق الصواريخ الأمريكية التى تحمل رؤوساً نووية، وإلقاء القنابل النووية للرد الأمريكى الانتقامى على كوريا الشمالية.

لكن إذا كانت عملية اختيار نوعية الرد النووى من قائمة الكتاب الأسود تشبه فى بساطتها عملية اختيار صنف من قائمة الطعام، فإن تنفيذ هذا القرار لن يكون أبداً سهل الهضم.

حول الرئيس الأمريكى وقائد القيادة الاستراتيجية الأمريكية فى سيناريو «جاكوبسون»، رجال آخرون يصرخون ويناشدونهم التوقف قبل إطلاق الضربة النووية الأمريكية. أحدهم (وزير الدفاع فى السيناريو) يقول للرئيس الأمريكى إن أى ضربة أمريكية الآن تهدد بإشعال الحرب النووية على نطاق أوسع.

ثم يُصدم الرئيس الأمريكى عندما يخبره مساعدوه بثغرة دفاعية خطيرة، لا يعرفها إلا القليل من الخبراء العسكريين فى عالم الواقع، وهى أنه لا توجد وسيلة للتأكد من أن الصاروخ الكورى الذى يتجه لأمريكا يحمل رأساً نووياً بالفعل! ربما يكون محملاً بسلاح كيماوى أو بيولوجى أو أن يكون مجرد صاروخ فارغ ذى ضرر محدود! لكن لا توجد وسيلة للتأكد من أنه يحمل رأساً نووياً إلا بعد أن يرتطم فعلياً بالأرض ويضرب هدفه!

أى أنه من الممكن جداً أن يتخذ الرئيس الأمريكى قراره بشن الحرب النووية بسبب «تهويش» من طرف أحمق، فقط لأن سياسة «الإطلاق عند الإنذار» الأمريكية تعاقب المعتدى بمجرد أن يتحرك للهجوم، ولأن الفرض الغالب، وليس بالضرورة الفرض الصحيح، أن من يضرب الولايات المتحدة لا بد أن يستخدم السلاح النووى.

وهذه هى الخطورة الفعلية لسياسة «الإطلاق عند الإنذار» التى يخشاها الكل.

لكن هذا ليس موضع الإرباك والخطر الحقيقى فى الأمر.

المسئولون العسكريون حول الرئيس الأمريكى فى تلك اللحظات القاتلة يبلغونه، فى سيناريو «جاكوبسون»، بالحقائق والتقديرات والأرقام، أن الضربة النووية الأمريكية لن تصيب أهدافها فى كوريا الشمالية فقط، ولكنها ستمتد لتُحدث قدراً أوسع من الخسائر بسبب تأثيراتها الإشعاعية النووية فى دولتين قريبتين منها..روسيا والصين!

وفى كل منهما، بالطبع، توجد نسخة مقابلة ومعادلة للكتاب الأسود و«البسكويتة» وحقيبة كرة القدم الأمريكية، ولكن على الطريقتين الروسية والصينية، وفقاً للحسابات والمخاوف الروسية والصينية!

وهنا سيبدأ انطلاق الجنون النووى العالمى بحق.

لكن هذه قصة أخرى.


مواضيع متعلقة