محو الأمية الرقمية.. معركة واجبة في عصر الذكاء الاصطناعي

كتب: أحمد ماهر أبوالنصر

محو الأمية الرقمية.. معركة واجبة في عصر الذكاء الاصطناعي

محو الأمية الرقمية.. معركة واجبة في عصر الذكاء الاصطناعي

مع اتساع رقعة التحول الرقمي في الخدمات الحكومية، يظل قطاع كبير من المواطنين عاجزين عن التعامل مع التكنولوجيا، ما يجعلهم فريسة سهلة للاحتيال الإلكتروني، مثلما حدث مع الأربعيني محمد عبدالحميد، بعدما تعرّض للنصب، لعدم نيله قسطاً كافياً من التعليم، بعدما تلقى مكالمة هاتفية حملت له في ظاهرها بشرى سارة، لكنها كانت بداية كابوس انتهى بخسارة 5000 جنيه لم يكن يملكها من الأساس.

الهيئة العامة لتعليم الكبار تعمل حالياً على رقمنة المناهج التعليمية، لتواكب التطورات التكنولوجية، وتمكين الدارسين من متابعة التعلم عبر الهاتف المحمول والمنصات الإلكترونية، خاصة في الحالات التي يصعب فيها الالتحاق بالفصول التقليدية، والهيئة تفتح سنويا ما لا يقل عن 60 ألف فصل لمحو الأمية في جميع محافظات الجمهورية، يتم تشغيلها بواسطة خريجين وطلاب جامعات، وغيرهم، يتم تأهيلهم من خلال برامج تربوية خاصة، تركز على تعزيز الوعي والولاء الوطني لدى المعلمين والدارسين على حدٍّ سواء، والتركيز على منع التسرب.

وفي الوقت الذي تُسابق فيه الدولة الزمن لرقمنة خدماتها، يظل ملايين المواطنين عاجزين عن مجاراة هذا التحول بسبب الأمية الرقمية.

وهنا تصبح الحاجة ملحة إلى مشروع قومي متكامل لمحو الأمية الرقمية، وهذا ما دفع «الوطن» لتُحقّق في سُبل محو الأمية الرقمية بعد تعرّض الكثير من المواطنين للخداع والنصب.

وترصد كيف أصبح غياب الوعي الرقمي تهديدا حقيقيا للمواطنين؟.

دعوات لتعليم أبجديات «التكنولوجيا الحديثة» في زمن التحول الرقمي

لم يكن محمد عبدالحميد، من محافظة كفر الشيخ، يعلم أنّه سيتعرّض للنصب بسبب قلة خبرته بحيل المحتالين، لعدم نيله قسطاً كافياً من التعليم. بينما يستعد الأربعيني للذهاب إلى عمله في أحد حقول القرية تلقى مكالمة هاتفية حملت له في ظاهرها بشرى سارة، لكنها كانت بداية كابوس انتهى بخسارة 5000 جنيه، لم يكن يملكها من الأساس.

.

محمد عبدالحميد (وهو اسم مستعار)، الذي يعمل باليومية، ولا يملك حساباً بنكياً، لم يشك لحظة في المكالمة التي تلقاها من شخص تحدّث بثقة، وقال له: «أنت من ضمن الناس اللي طلع لهم منحة العمالة غير المنتظمة، وهنبعت لك الفلوس على حسابك البنكي».

تلك الكلمات أسعدت الرجل كثيرا، فهو الذي يعمل يوميا دون انقطاع بجنيهات قليلة في الحقول كي يوفر لذويه ما يحتاجونه، ولكن كانت هناك عقبة تُعيق تسلمه تلك الأموال المزعومة، وهي أنه لا يملك فيزا بنكية.

يقول «عبدالحميد»: «كنت فرحان، أخيراً هيبقى ليّا دخل ثابت أقدر أتسند عليه، مجاش في بالي خالص إن ده نصاب استغل إني مبعرفش أقرأ ولا أكتب، ومعرفش إن النصب ممكن يكون بالتليفون، كنت زمان أفهم إن النصاب لازم يبقى قصاد مني، إنما حد يكلمني وينصب عليّا فمستحيل كنت أتخيل ده يحصل».

يكمل الأربعيني حديثه، مشيراً إلى أنه عندما أخبر المتصل بأنه لا يملك بطاقة بنكية، رد عليه، قائلا: «هات أي فيزا، المهم يكون فيه رقم حساب نبعت عليه الفلوس».

وبنية طيبة، استأذن الرجل أحد أقاربه الذي وافق على استخدام بطاقته لمساعدته، خاصة أن الحديث كان عن «منحة حكومية»، كما أوهمه المتصل.

وعن هذا الموقف يقول: «اديتهم رقم الفيزا، وبعد شوية قالوا لي لازم نعمل تحديث بيانات، وهنبعت لك رقم على الموبايل لما يجيلك قول لنا عليه، قلت لقريبي، فاداهولي، ولأنه معندوش خبرة زيي، مجرد ما جاله الرد قال لي عليه على طول».

لم تمر دقائق، حتى وصلت رسالة على هاتف قريب عبدالحميد تُفيد بسحب 5000 جنيه من حساب البطاقة. وهو ما يصفه «عبدالحميد» بالصدمة الكبيرة، قائلا: «قلبي وقع، بصيت لقريبي مش عارف أقول له إيه، لأن المبلغ مكانش معايا وقتها.. وحسيت بالذنب عشان ورطته معايا، أنا اللي جبت له المصيبة، عشان كده قررت أتحملها، حتى لو هقعد شهور أشتغل وأسددها، وفعلا عملت كده وسدّدتها وكتمت على الخبر، عشان محدش يقول إني ساذج، ووصيت قريبي ميقولش لحد اللي حصل».

الوعي الرقمي

قصة محمد عبدالحميد ليست الأولى ولن تكون الأخيرة لقلة وعي بعض المواطنين بخطورة التعامل مع التكنولوجيا الحديثة دون الإلمام بأبجدياتها، وهنا يأتي الحديث عن «محو الأمية الرقمية»، والتي يعتبر د. محمد عزام، خبير أمن المعلومات، أنها لا تقل أهمية عن محو الأمية بمفهومها التقليدي، خاصة في عصر التحول الرقمي الذي تعيشه مصر والعالم، مؤكداً أن التجربة المصرية في محو الأمية منذ فترة طويلة كانت تعتمد على العمل التفاعلي واستخدام «أقراص مدمجة» لتعليم الكبار، وهو ما حقّق نجاحاً كبيراً في هذه الفترة، ولكن هذا الأمر تراجع مؤخراً.

يقول «عزام»: «محو الأمية لم يعد يقتصر على القراءة والكتابة فقط، بل أصبح يشمل ما يُعرف بـ«الأمية الرقمية»، وهنا الرقمنة لا تعني التعامل مع جهاز ولا موبايل فقط، ولكنه التعامل الآمن مع هذه الوسائل، عشان منعرّضش بياناتنا للاختراق أو سرقتها، ومن هنا لازم أعرّف المواطن على طرق النصب الإلكتروني والنصب من خلال الموبايل، لأن فيه ناس بتتعامل مع الموبايل على إنه وسيلة اتصال وخلاص، ودي مشكلة كبيرة وبتعرّض خصوصيات المواطنين للخطر».

ويشدّد خبير أمن المعلومات على أن هذا الخطر لا يستثني أحداً، وأن التوعية بالتكنولوجيا وأدواتها يجب أن تشمل الجميع، بلا استثناءات، من الأطفال في المرحلة الابتدائية، مروراً بطلاب الجامعات، وصولاً إلى كبار السن، ومن هنا تأتي أهمية تطوير منظومة تعليم الكبار في مصر من خلال ربط التكنولوجيا بحياتهم اليومية ومهنتهم الخاصة.

ويشير إلى أن الاهتمام بتطوير الوسائل التعليمية التفاعلية سوف يسهم في زيادة قدرة المتعلمين في التعامل مع التطبيقات الرقمية والخدمات الحديثة، وهو ما ينعكس في حل مشكلات كثيرة نراها في استخدام التكنولوجيا بشكل آمن وفعال، مؤكداً أن «التكنولوجيا جزء من حياتنا، ولو معرفتش أتعامل معاها هيبقى فيه مشكلة، لأني بكده باعرّض نفسى وبياناتى وأموالى ومعلوماتى البنكية للخطر».

خدمات رقمية

ودعا د. محمد عزام، خبير أمن المعلومات، إلى ضرورة نشر ثقافة التعامل السليم مع أدوات التكنولوجيا، مؤكداً ضرورة تنويع الأساليب التعليمية لتناسب احتياجات الأفراد المختلفة، قائلاً: «كلنا بنتعلم بطرق مختلفة، فلازم يبقى فيه كورسات بالمفهوم التقليدي، وفي الوقت نفسه حاجات تفاعلية بتخدم الاحتياجات اليومية».

واقترح إدخال عناصر، مثل استخدام الهاتف المحمول للحصول على الخدمات الحكومية، والبحث عبر الإنترنت ضمن المناهج التعليمية المبسّطة، قائلاً: «شُفت كهربائي سيارات، كان عنده مشكلة، وماكانش لاقي لها حل، ولأنه بيعرف يتعامل على السوشيال ميديا، فسرّيش على يوتيوب وقدر يوصل لفيديو بيشرح طريقة حل المشكلة، شافه بكل هدوء أكتر من مرة، وعرف إزاي يحل المشكلة، وهنا نقدر نقول إن محو الأمية الرقمية مهم جداً، خاصة إنه فيه ناس كتير من الصنايعية مابتعرفش تتعامل مع التكنولوجيا الحديثة».

وهنا يبرز أمر مهم، وهو أن «الدولة تعمل على رقمنة كل خدماتها، وهو ما يجعل من محو الأمية الرقمية ضرورة مُلحة»، حسب مصطفى جمال، خبير قانوني في الرقمنة وتكنولوجيا المعلومات، الذي يقول: «مصر بدأت تحويل الخدمات إلى رقمية، لتُسهّل وصولها إلى الناس، لأن عدد الموظفين محدود، والتعداد السكاني بيزيد، فبالتالى، علشان أقدر أوصّل خدماتي للناس بسهولة، لازم أقدمها إلكترونياً»، مشيراً إلى أن هناك قطاعاً كبيراً من المجتمع يعانى من الأمية الرقمية، رغم انتشار التكنولوجيا.

وهنا يتحدث عن مخاطر هذا الأمر على المواطنين الذين يجهلون التعامل مع التكنولوجيا الحديثة، مما قد يجعلهم مجنياً عليهم، قائلاً: «تلاقي ست كبيرة مش عارفة تتعامل مع ماكينة الـATM علشان تصرف المعاش، لكن ماسكة الموبايل وبتفتح واتساب وبتكلم ولادها فيديو كول، وبتتعامل عادي. ليه؟ لأن ولادها علموها إزاي تتكلم معاهم وهما مسافرين، لكن معلموهاش إزاي تسحب فلوس، ولا تدخل على منظومة التأمينات الاجتماعية تشوف رقمها التأميني. إنما لما تكون عايزة تتواصل مع أولادها، اتعلمت، فالقصة كلها تطبيق عملي».

وضرب مثالاً واقعياً من تجربته الشخصية ليُعبّر من خلاله عن أن منظومة تعليم الكبار تحتاج إلى إعادة تأهيل كي تواكب التطور الحاصل في التكنولوجيا، قائلاً: «كنت بعمل تحقيق قانوني بين موظفين بيتخانقوا، وباقول لواحد منهم امضي على المحضر، فقال لي مبعرفش أمضي، في حين إنه كان ماسك في إيده آيفون، هو مدخلش مدارس بس اتعلم عملي، يعنى بيقدر يتعامل مع التكنولوجيا الحديثة، رغم إنه مش متعلم، وهنا أمر مهم، وهو إني أقدر أمحو الأمية الرقمية بسهولة، وبطريقة أبسط من محو الأمية التقليدية، لأن التطبيق أهم من الدراسة النظرية».

ويطالب الخبير القانوني في الرقمنة وتكنولوجيا المعلومات بضرورة التعامل مع محو الأمية على أنه مشروع قومي متكامل يتضمّن محو الأمية في شكلها التقليدي «قراءة وكتابة»، وأيضا محو الأمية الرقمية، مؤكداً أن الأمية الرقمية مرتبطة أيضا بمن يجيدون الكتابة والقراءة، وهنا يُمكن بسهولة دمج المتعلمين مع غير المتعلمين في فصل واحد، حتى لا يشعر كبار السن بالوصمة المجتمعية، خاصة أن هناك من يعتبرون أن التعلم في الكبر إهانة، حسب قوله.

وأضاف، موضحاً: «لما أعمل دمج ما بين الأميين والمتعلمين في فصول محو الأمية الرقمية هقدر بكل بساطة أجذب ناس كتير، لأن اللى مش متعلم خالص هيقول لنفسه ده أنا معايا في نفس الفصل فلان اللي متعلم وبيعرف يقرأ ويكتب، فكده عادي لما أروح أحضر وأتعلم وأبقى زيه، مش هيحس بخجل، لأنه رايح يتعلم الأبجدية لسه».

وتابع: «لازم نعلم الناس بشكل عملى إزاى يتعاملوا مع الكمبيوتر.. إزاى يطلبوا خدمة بنفسهم.. إزاى يتعاملوا مع بوابة مصر الرقمية.. إزاى يحجزوا فى الشهر العقارى.. كل دى حاجات خدمية لازم نهتم بيها، وده لأن المواطن البسيط الأمى هو من أكثر المتردّدين على الأماكن دى».

وعند الحديث عن احتياجات كبار السن بالتحديد، قال: «إن أبرز المجالات التى يحتاجون إلى تعلمها هى وسائل التواصل الاجتماعى والتعامل الآمن معها، بالإضافة إلى تطبيقات الدفع الرقمى والتعامل الرقمى مع الخدمات الحكومية».

.

مشروع منهجى مُتعدّد المراحل

وبجانب ما سبق، يقترح مصطفى جمال، الخبير القانونى فى الرقمنة وتكنولوجيا المعلومات، أن تتم هيكلة مشروع التحول الرقمى ضمن مناهج دراسية مقسّمة على مراحل تشبه إلى حد كبير مناهج محو الأمية التقليدية، وأن يكون عبارة عن بناء منهج رقمى متكامل، يتدرّج بالمواطن من المبادئ الأساسية فى استخدام التكنولوجيا، حتى يصل إلى مرحلة الاحتراف فى التعامل مع الأنظمة الحكومية، والبنكية، والتطبيقات اليومية.

ويستطرد قائلاً: «المشروع يجب أن يبدأ بتأسيس صحيح، وأن تركز المرحلة الأولى مثلاً على الأساسيات، مثل استخدام الموبايل، والتعامل مع الإنترنت، وحماية البيانات الشخصية، ومنع النصب الإلكترونى. بعدها ننتقل إلى المرحلة الثانية، التى يمكن أن تشمل مهارات أكثر تقدّماً، مثل التسجيل على المنصات الحكومية، أو فتح حسابات بنكية رقمية، أو تقديم طلبات إلكترونية».

ربط المشروع بفصول محو الأمية

وأشار إلى ضرورة الاستفادة من البنية التحتية الحالية لفصول محو الأمية المنتشرة فى أنحاء الجمهورية، قائلاً: «ليه نبدأ من الصفر وعندنا أماكن ومعلمين، فصول محو الأمية موجودة فعلاً، ممكن دمج التحول الرقمى كمادة إضافية فيها، بدل ما يتعلم المواطن القراءة والكتابة بس، يتعلم كمان إزاى يستخدم التابلت أو الموبايل»، مؤكداً أن العصر الرقمى يتطلب إدماج الجميع فى أدواته، وأن الأمية الرقمية أصبحت خطراً يجب مواجهته بالتعليم المبسّط.

.

محاولة فهم طبيعة وملامح «التعليم المبسّط» وكيفية دمجه مع «محو الأمية الرقمية»، دفعت مُعد التحقيق إلى التواصل مع مناليا عبده عيطة، إخصائية تعليم الكبار بالهيئة العامة لتعليم الكبار، فرع الدقهلية، والتى اعتبرت أن قضية محو الأمية ليست مسئولية الهيئة وحدها أو المعلمين فقط، بل هى واجب قومى على كل فرد فى المجتمع، مؤكدة أن تجربتها كمعلمة داخل فصول الهيئة لتعليم الكبار، وتجربتها الشخصية كإخصائية تعليم كبار، أظهرت مدى أهمية فهم احتياجات الدارسين وتكييف المناهج لتتناسب مع واقعهم ومهاراتهم وظروفهم، مشددة على أن الدارس الأمى ليس شخصاً عديم الخبرة، بل هو إنسان له رصيد من التجارب والحياة، ويجب احترامه واحترام ما يحمله من معرفة حياتية.

وأوضحت أن بداية العمل مع الدارسين تتطلب مجهوداً فى إقناعهم بدخول الفصل، إذ يعانى بعضهم من خوف نفسى أو خجل اجتماعى بسبب العمر أو الصورة النمطية للتعلم. وأكدت أن الخطوة الأولى للتحفيز هى بناء الثقة، ومعرفة دوافع الدارس، واحتياجاته، وأسباب رغبته فى التعليم. وأضافت أن من أبرز الأساليب الفعّالة لتدريس اللغة العربية والحساب هى الربط بين المحتوى التعليمى والحياة اليومية للدارس، مؤكدة أن من أصعب التحديات التى تواجه معلم الكبار داخل الفصول، هى الفروق الفردية بين الدارسين، واختلاف مستويات الفهم.

وأضافت: «التحول الرقمى لا غنى عنه، وهو تحدٍّ كبير، لأنه مفيش دعم مالى علشان نقدر نوفر للدارس كل حاجة، لأنه ماينفعش الدارس يفضل واقف عند نقطة تعلم القراءة والكتابة بس، لكن لازم يتعرّف على التكنولوجيا الحديثة والتعامل معاها، لأن ده جزء مهم جداً، لكن نقص الدعم عائق أمامنا».

وتؤكد أن بعض الدارسين يشعرون بالخجل من كونهم كباراً ذاهبين إلى الفصول «بكشكول وكتاب»، وهنا يأتى دور المعلم فى منح الدارس الثقة، مشيرة إلى أن مبادرة حياة كريمة، تُعد نقلة نوعية لأنها تتناول التعليم والفقر والجهل فى آن واحد، لأنها تخاطب الجذور الحقيقية للمشكلة: «شغالين عليها يومياً فى هيئة تعليم الكبار، وده بيدينا أمل إننا هنقضى على الأمية فعلاً».

الصفر الافتراضى

يقول د. رضا داوود، مدير عام التعليم المستمر بالهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار، إن الهيئة تسير بخُطى ثابتة نحو تحقيق هدفها الاستراتيجى المتمثل فى الوصول إلى الصفر الافتراضى لنسبة الأمية فى مصر بحلول عام 2030، أى تقليلها إلى أقل من 7%، مؤكداً أن خطة الهيئة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية، أولها سد منابع الأمية، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم لمنع تسرب الأطفال من التعليم الأساسى، مشدداً على أن هذا المحور يُمثل خط الدفاع الأول ضد الأمية، ويجرى تنفيذه بالشراكة مع المدارس والمجتمع المحلى.

أما المحور الثانى فهو التحرّر من الأمية، وهو المحور الرئيسى للهيئة العامة لتعليم الكبار، ويشمل أكثر من 17 منهجاً وأسلوباً تطبيقياً فى برامج محو الأمية. وهو ما يتحدّث عنه «داوود» ويقول إن هذه البرامج لا تُركز فقط على القراءة والكتابة، بل تمتد إلى تمكين الدارسين اقتصادياً، وتزويدهم بمهارات حياتية تساعدهم على بدء مشروعات صغيرة وتحسين أوضاعهم المعيشية.

ولفت إلى أهمية مراعاة الخصائص النفسية والاجتماعية للدارسين كبار السن، مؤكداً أن المدرس يتلقى تدريباً خاصاً يمكّنه من التعامل مع الفروق الفردية بين الدارسين فى الفصل الواحد، بما يضمن بيئة تعليمية محفّزة تمنع الارتداد من الفصول.

وحول المحور الثالث من محاور عمل الهيئة العامة لتعليم الكبار، فإنه يتعلق بالاستمرار فى متابعة الدارس بعد محو أميته، موضحاً أن الهيئة تُركز فيه على منع ارتداد الدارسين إلى الأمية، من خلال برامج التعليم المستمر، وإنشاء فصول تقوية للدارسين المتميزين، خاصة من صغار السن، بهدف تأهيلهم للالتحاق بالتعليم الإعدادى الرسمى.

وعن التحول الرقمى يقول مدير عام التعليم المستمر بالهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار: إن الهيئة بدأت بالفعل فى تقديم دروس إلكترونية على موقعها الرسمى، بالإضافة إلى توفير برامج تعليمية عبر الهاتف المحمول فى المناطق التى يصعب فيها تقديم تعليم مباشر، مشدداً على أن ضعف الموارد والإمكانات يُمثل تحدياً كبيراً أمام تعميم هذه التجربة. وكشف عن مناهج حديثة أعدتها الهيئة، منها منهج لمحو الأمية البنكية يهدف إلى تعريف المواطنين بحقوقهم فى التعامل مع البنوك والخدمات المالية، ومنهج آخر حول القضية السكانية، وغيرها من المناهج الحياتية التى تُصمّم، حسب طبيعة واحتياجات البيئة المحلية.

وأكد «داوود» أن القضاء على الأمية يحتاج إلى ما لا يقل عن 214 ساعة تعليمية للفرد، أى ما يعادل نحو 6 أشهر للدارس المنتظم، وقد تمتد إلى 9 أشهر فى حال ضعف المهارات الأساسية لدى الدارس، مشيراً إلى أن الهيئة تعمل فى ظل موارد مالية محدودة، إذ لا تتجاوز تكلفة محو أمية الدارس الواحد 110 جنيهات فقط، وهى أقل من 10% من متوسط تكلفة تعليم الدارس فى أقل دولة عربية، مشيراً إلى أن الهيئة تسعى لتعويض هذا النقص عبر شراكات مع المجتمع المدنى والمنظمات الداعمة، من أجل تحقيق الأهداف المنشودة.


مواضيع متعلقة