يسرا زهران تكتب: بأمر «الشيطان» ضرب مفاعل نووي بسلاح نووي!

كتب: أحمد العانوسي

يسرا زهران تكتب:  بأمر «الشيطان» ضرب مفاعل نووي بسلاح نووي!

يسرا زهران تكتب: بأمر «الشيطان» ضرب مفاعل نووي بسلاح نووي!

من يقرأ كتاب «آنى جاكوبسون» عن الحرب النووية، لا بد له أن يتساءل عن الحالة العقلية لتلك الدول التى لا تكف عن التهديد بضرب المنشآت النووية فى دول أخرى، أو تتلاعب بكل وقاحة بأعصاب العالم بضرب ما حولها.

المنشآت والمفاعلات النووية على وجه التحديد لها وضع شديد الحساسية والخطورة والدقة، ومجرد الاقتراب منها ينذر دائماً بكارثة، وهى إحدى نقاط الارتكاز التى يمكن أن تنطلق منها الحرب النووية العالمية القادمة فى سيناريو كتاب «جاكوبسون»، وفى الواقع أيضاً، لأن الكوارث التى تهدد البيئة والبشر من تعرض تلك المفاعلات النووية للضرر الفادح، يجعلنا نصدق أن كل من يفكر فى استهدافها، هو بالفعل «شيطان».

.

لذلك كان «سيناريو الشيطان» هو الاسم الحركى الذى تصف به الملفات العسكرية الأمريكية خطة تعرض أحد المفاعلات النووية لهجوم بصاروخ نووى من دولة معادية أو «مارقة»، وفى كتاب «جاكوبسون»، كان التصور أن كوريا الشمالية كانت هى الدولة التى بلغ بها الجنون حد إطلاق صاروخ على الساحل الشرقى للولايات المتحدة، وقبل أن يضرب هذا الصاروخ الأول هدفه، كان هناك صاروخ نووى ثانٍ يتجه نحو الغرب الأمريكى، بحيث تصبح القوة العظمى العالمية الأولى محاصرة بالهجمات النووية من الشرق والغرب.

فى سيناريو كتاب «آنى جاكوبسون»، كل من رصدوا انطلاق صاروخ باليستى من كوريا الشمالية نحو الساحل الشرقى للولايات المتحدة قالوا إنه من المستحيل أن يشن طرف ما هجوماً نووياً على أقوى دولة فى العالم باستخدام صاروخ واحد فقط.

وكانوا على حق.

فبعد عشر دقائق من انطلاق هذا الصاروخ الأول فى سيناريو الكتاب المتخيل، وبعد أن يصدر الرئيس الأمريكى أوامره بشن هجوم نووى مضاد ضد كوريا الشمالية، وقبل حتى أن تستعد الأسلحة الأمريكية للانطلاق والرد على الهجوم الصاروخى الأول الذى سيضرب هدفه بعد 20 دقيقة تقريباً فى مكان ما فى العاصمة «واشنطن»، ترصد الأنظمة الدفاعية الأمريكية انطلاق صاروخ آخر من غواصة نووية كورية شمالية فى طريقه، كما يشير مساره إلى ضرب هدف ثانٍ فى ولاية «كاليفورنيا» الأمريكية.

وتحديداً لضرب مفاعل نووى فيها.

هذا التصور بدوره موجود بالفعل فى الملفات السرية الأمريكية التى ترسم سيناريوهات للصور المتنوعة (والمفزعة) التى يمكن أن يتشكل بها أى هجوم نووى على الولايات المتحدة، وأوردته «جاكوبسون» فى كتابها قائلة إنه يحمل اسم «سيناريو الشيطان»، ربما لأن حجم التدمير والشر الذى يتسبب فيه هذا السيناريو هو أمر لا يمكن تصوره، ولا يمكن أن يخطر إلا على بال شيطان، أو على بال بشر فاقت قدرتهم على الشر قدرة الشيطان نفسه!.

.

هو تصور لو حدث، فإنه يصل بالكوارث النووية إلى مستوى آخر، لا يقتصر فيه ضررها على الإصابات المباشرة، وإنما يمتد ليترك بصمات آثاره الوحشية من أعماق الأرض إلى عنان السماء، لا لفترة محدودة من الزمن، وإنما لمئات وربما آلاف السنين.

إن «سيناريو الشيطان» يدور باختصار حول ما يحدث عند قيام طرف ما بضرب مفاعل نووى باستخدام سلاح نووى.

إنه تصور مفزع، تتحول فيه المفاعلات النووية فى كل البلاد، حتى لو كانت ذات طبيعة سلمية، إلى قنابل نووية موقوتة مزروعة فى قلب الدول. لا يمكن احتواء آثار تدميرها بأية وسيلة، بحيث يسبب أى هجوم موجه إليها أقصى قدر من الضرر بضربة واحدة ساحقة.

وهو ما يجعل تلك المفاعلات، فى «سيناريو الشيطان»، هدفاً مثالياً لدولة مثل كوريا الشمالية، تدرك أنها لن تملك الكثير من الوقت لتوجيه عدة هجمات نووية ضد الولايات المتحدة قبل أن تتلقى الهجوم النووى الأمريكى المضاد الذى سيشل تماماً قدرتها على مواصلة الهجوم، هذا إن بقى لها من بعده وجود وأثر على وجه الأرض.

فى «سيناريو الشيطان» الذى تحسب أجهزة الأمن القومى الأمريكية له ألف حساب، اختارت «جاكوبسون» أن تتخيل توجيه هذه الضربة النووية الكورية الثانية إلى مفاعل فى ولاية «كاليفورنيا» الأمريكية، وتحديداً فى منطقة «ديفيلز كانيون»، التى يعنى اسمها حرفياً «أخدود الشيطان» (فى تلاعب لفظى واضح يجمع بين اسم المكان الفعلى واسم الحدث المرتقب). الآن يتجه صاروخ باليستى آخر من غواصة نووية كورية شمالية، فى مكان ما فى المحيط الهادى، قريب للغاية من موقع هذا المفاعل الأمريكى الذى أقيم على مساحة 750 فداناً فى «أخدود الشيطان»، بهدف توليد الطاقة الكهربائية التى تغذى حوالى 10% من احتياجات «كاليفورنيا» من الطاقة الكهربائية، وهو المفاعل النووى الوحيد الذى ما زال نشطاً فيها حتى اليوم.

تقول «جاكوبسون» فى كتابها إنه: «فى قوانين الحرب، فإن هناك تعهداً بين الدول بألا يتم أبداً شن هجوم على المفاعلات النووية، هذا جزء من بروتوكولات معاهدة «جنيف»، البند رقم 15، الذى تطلق عليه اللجنة الدولية للصليب الأحمر اسم «القاعدة 42»، وتنص المادة 15 على أن: محطات توليد الطاقة النووية لا ينبغى أن تشكل أهدافاً للهجوم، حتى لو كانت هذه الأهداف أهدافاً عسكرية».

.

وتواصل: «إلا أن التاريخ يشهد أن الحكام المجانين يكسرون كل القواعد المتعارف عليها فى الحروب، أو بالعبارة المنسوبة إلى زعيم ألمانيا النازية «أدولف هتلر»: أنه من يحقق النصر لن يضطر للتفسير والشرح».

وتتابع: «إن الهجوم المباشر على مفاعل نووى بواسطة صاروخ نووى هو السيناريو الذى يمكن تصوره فى أسوأ الحالات بما لا يقاس، ولا توجد هجمات نووية كثيرة أخرى يمكن أن تفوقه بشاعة. إن الأسلحة النووية التى تنفجر فى الجو أو على الأرض أو فى البحر ينتج عنها درجات متنوعة من الإشعاع والتساقط النووى على حسب حجم الانفجار النووى (التساقط النووى يشير إلى المواد المشعة من غبار وحطام التى تتساقط على الأرض بعد الانفجارات أو الضربات النووية وتسبب أضراراً هائلة للبيئة وللبشر). لكن الإشعاع الذى ينطلق فى الجو يتبدد بمرور الوقت، ويرتفع إلى الطبقات العليا من الغلاف الجوى أو يتحرك مع حركة الرياح. أما ضرب مفاعل نووى بصاروخ نووى (كما فى سيناريو الشيطان) فلا يمكن أن ينتج عنه إلا أمر واحد: انصهار قلب المفاعل النووى نفسه الذى يؤدى بدوره حتماً إلى كارثة نووية تستمر لآلاف السنين».

ما تقوله «جاكوبسون» ليس مجرد تصورات وهمية لكاتب جامح الخيال، بل إنه تخوف قائم على وقائع حدثت بالفعل، لا فى الولايات المتحدة، وإنما فى اليابان، الدولة التى تحملت واحدة من أشنع الفظائع التى ارتكبها بنو البشر ضد بعضهم، بإلقاء القنبلة الذرية الأمريكية على كل من «هيروشيما» و«ناجازاكى» فى الحرب العالمية الثانية، والتى كانت أيضاً، بعد مرور عقود عديدة على هذه المأساة، هى الدولة التى وضعت لأول مرة وصف «سيناريو الشيطان» لما يحدث بعد تدمير مفاعل نووى.

عن ذلك، تروى «جاكوبسون» فى كتابها: «إن ما يوشك على الحدوث فى كاليفورنيا الأمريكية (فى سيناريو كتابها) هو ما يعرف بين مسئولى الطاقة باسم «سيناريو الشيطان»، وهى العبارة التى تم استخدامها فى النقاشات السرية التى دارت بين رئيس لجنة الطاقة الذرية اليابانية، الدكتور «شونسوكى كوندو» وآخرين بعد كارثة منشأة الطاقة النووية «فوكوشيما دايتشى» عام 2011. فى تلك الحالة، تعرضت المفاعلات النووية الستة التى تضمها المنشأة اليابانية لأضرار كارثية تسبب فيها زلزال بقوة 9 ريختر (عرف فيما بعد باسم الزلزال الكبير) وموجة «تسونامى» عملاقة وصل طولها إلى 46 قدماً (أى إن الضرر هنا كان بسبب كارثة طبيعية وليس بسبب جنون الحرب البشرية)، وأصبح المسئولون فى اليابان يخشون وقوع الأسوأ. وخلف الأبواب المغلقة، اعترف كبار المسئولين اليابانيين فى اجتماعهم الطارئ بأن مفاعلات «فوكوشيما دايتشى» كانت بالفعل على حافة الوصول لمرحلة انصهار قلب المفاعل النووى لو لم تتم إعادة أنظمة التبريد فيها للتشغيل».

وتتابع: «حدوث هذا الانصهار كان يعنى أن هناك سحابة كثيفة من الدخان الإشعاعى ستصبح فى طريقها للانتشار لتغطى شرق اليابان، لتجعل المساحة بين «فوكوشيما» و«طوكيو» العاصمة، التى تصل إلى 150 ميلاً، منطقة لا تصلح لحياة البشر لعدد غير معلوم من السنين. وبعدها قال «يوكيو إيدانو»، كبير أمناء مجلس الوزراء اليابانى: كان هذا هو «سيناريو الشيطان» الذى خطر ببالى، وكنت أخشى أن المنطق يقول، إنه لو حدث، فستكون نهاية «طوكيو» أيضاً وليس فقط مدينة «فوكوشيما». إلا أن اليابان قد نجت، وتضررت مفاعلات «فوكوشيما دايتشى» لكنها لم تصل لمرحلة انصهار قلب المفاعل، ولم يتحقق «سيناريو الشيطان» فى هذه الحالة، لكنه دفع لجنة التنظيم النووى الأمريكية عام 2014 للقول إن ما حدث فى اليابان لا بد أن يكون «عبرة» للعالم (فيما يتعلق بخطر المفاعلات النووية)».

لكن «سيناريو الشيطان» فى حالة مفاعل «كاليفورنيا» لن يقتصر على مجرد محو مدينة واحدة من الوجود.

تقول «جاكوبسون» وهى تعود لتنسج أحداث سيناريو الهجوم الكورى النووى فى كتابها: «هذا الصاروخ النووى الذى يتّجه لضرب منشأة «أخدود الشيطان» فى كاليفورنيا لن ينتج عنه مجرد حريق صغير أو متوسط الحجم، وإنما سيكون جحيماً من الإشعاع النووى. جحيم يطلق نهاية العالم بالفعل. إن ما يحدث عند انصهار قلب المفاعل النووى هو انفجار فى البداية، يليه حريق ضخم، ثم تطاير المخلفات النووية المشعة بشكل لا يمكن السيطرة عليه، إلا أن ما يحدث فى عمق قلب المفاعل النووى هو ما يُشكل مصدر الخطورة الحقيقى، فهناك تتجمّع البقايا المنصهرة تحت المفاعل لتُشكل كتلة مشعّة مُنصهرة وهائلة الحجم، تغوص فى قلب الأرض ويظل حجم تلك الكتلة المشعة يتزايد على مدى عامين تاليين لتصبح أقرب إلى «كرة مُلتهبة» من الحمم النووية المشعة والنيران، قد يصل قطرها إلى مائة قدم، وتظل نشطة فى مكانها لأكثر من عقد كامل».

أى أن ما تصفه «جاكوبسون» هنا هو خراب تام يمنع كل أشكال الحياة فى ذلك المكان لعدد غير معلوم من السنين. إن من يلجأ لهذا الخيار «الشيطانى» بضرب المفاعلات النووية لا يستهدف القضاء على عدد محدود من البشر، مهما بلغ، بالإشعاعات النووية، ولا يريد تحقيق عدد كبير من الإصابات والوفيات والأضرار المباشرة مهما بلغت حدتها، ولكنه يريد القضاء على الحياة نفسها فى تلك المنطقة، وأن تصبح تلك الأرض المنكوبة غير صالحة لحياة البشر، ليس فقط بالنسبة لهذا الجيل الحالى الموجود عليها وحسب، ولكن لأجيال وعقود قادمة لن تقدر على أن تحيا عليها طالما ظلت تلك الكتلة النووية المشعّة والمنصهرة نشطة وقابعة فى قلب الأرض. إنه استهداف وتخريب مباشر لقدرة الأرض نفسها على توفير أسباب الحياة.

ثم يضرب الصاروخ النووى الكورى فى سيناريو «جاكوبسون» منشأة الطاقة النووية فى «كاليفورنيا»، وتنطلق منه كتلة من النيران تلتهم مفاعلها النووى، ويتفجّر من المكان ضوء نووى خاطف، ترتفع بعده السحابة النووية الشهيرة التى تأخذ شكل «عيش الغراب»، معلنة تحقق «سيناريو الشيطان» فى مفاعل «كاليفورنيا» النووى، بقنبلة نووية حملها الصاروخ الكورى الشمالى، وبلغ وزنها 300 كيلوطن.

تقول «جاكوبسون»: «إن ضرب مفاعل نووى بقنبلة نووية ينقلنا إلى مستوى آخر من الدمار. عندما تنفجر قنبلة نووية يبلغ وزنها 300 كيلوطن فإنها تطلق 300 تريليون وحدة حرارية فى جزء من المليون من الثانية، هذا الحجم من قوة النيران هو أمر لا يُمكن للعقل البشرى أن يستوعبه، أقرب إلى قوة الانفجار التى تتولد عن 600 مليون رطل من مادة «تى إن تى» الموجودة فى الديناميت. تتكون فى موضع الانفجار النووى كرة من النيران شديدة السخونة، يتمدّد حجمها بسرعة بالغة، حتى يصل حجم قطرها إلى نحو ميل (1.6 كيلومتر). هذه الكرة النارية النووية التى يبلغ قطرها ميلاً كاملاً تلتهم منشأة «أخدود الشيطان» الأمريكية التى تمتد على مساحة 75 فداناً، وكل ما يقع داخل نطاق تلك الكرة النارية يمحى تماماً من الوجود».

وتتابع: «ثم يتطاير بعض ما كان فى موضع الضربة إلى أطراف ومحيط تلك الكرة النارية، وتتصاعد البقايا إلى الهواء والجو، لتتساقط من جديد على الأرض على هيئة مخلفات مشعة (فى ما يُعرف باسم التساقط النووى)، أو فى صورة كميات كبيرة من الغبار المشع المكثف والرفيع الذى يتصاعد حتى الطبقات العليا من الغلاف الجوى، على هيئة سحابة «عيش الغراب» المعروفة التى تحتوى على كميات غير مسبوقة من المواد المشعة، ينتج عنها تلوث خطير يظل مستمراً لفترة طويلة من الزمن».

وهو ما لخّصه «د. جلين ماكداف»، المهندس النووى فى مختبر «لوس ألاموس» الوطنى الأمريكى لـ«جاكوبسون»، قائلاً: «سيكون الموقف أسوأ بكثير مما يظن الكل، فبعد ضرب المفاعل النووى، ومع القطع والبقايا المشعة التى ستظل كامنة فى التساقط النووى، فأمامنا وضع يصبح فيه قلب «كاليفورنيا» غير مستقر إلى الأبد، وسوف تتلوث الأرض والتربة على امتداد المسافة حتى ولاية «نيفادا»، وربما حتى ولاية «كولورادو» الأمريكية (نحو 1800 كيلومتر)، ولن يصبح من الممكن أن تتعافى منطقة المفاعل «ديفيلز كانيون» إلى الأبد».

ثم تنتقل بنا «جاكوبسون» إلى ما يمكن أن يحدث فعلاً فى موقع الضربة النووية على الأرض.

لم تصب الضربة النووية الكورية الشمالية قلب المفاعل مباشرة، لكنها انفجرت على بُعد أمتار قليلة منه، لتُحدث قدراً هائلاً من الدمار. المفاعل مقام فى منطقة غير مأهولة بالسكان، لذلك اقتصر حجم الخسائر البشرية على من كانوا موجودين بداخله. ثم اختارت «جاكوبسون» أن يكون هناك شاهد واحد على ما جرى، لتجعلنا نرى التفاصيل بعينى مزارع عجوز يرعى الماشية فى «كاليفورنيا»، على قمة تل يبعد أربعة أميال من مفاعل «أخدود الشيطان»، وجد نفسه يطير فى الهواء بعد اصطدام الصاروخ الكورى الشمالى بالمفاعل النووى.

تحكى «جاكوبسون»: «لم يكن هناك صوت فى البداية، ولا إنذار. كل ما شعر به المزارع هو شىء أقرب إلى حائط من الهواء الثقيل يضربه مثل «البلدوزر»، بينما أطارت شدة تلك الرياح ثيابه عن جسده. كان ذلك المزارع محظوظاً، لأنه كان بعيداً نسبياً عن «نقطة الصفر» التى شهدت الانفجار النووى، فلم يتعرّض للوفاة الفورية أو الحروق من الدرجة الثالثة والعمى الذى يصيب هؤلاء القريبين من نقطة الانفجار».

يدرك ذلك المزارع فى سيناريو «جاكوبسون» أن أمامه دقائق قليلة قبل أن يلقى مصرعه بدوره بسبب كمية الإشعاع التى يمتصها جسده بسبب قُربه من الانفجار، وأن الموت بسبب التسمّم الإشعاعى هو طريقة بشعة للموت، فلا يصبح أمامه فى تلك اللحظة إلا أن يقوم بالفعل الطبيعى الذى يقوم به غالبية الناس فى هذا العصر.

يبحث عن تليفونه المحمول ليبدأ فى التقاط فيديوهات لما يحدث ويقوم بتحميلها على «فيس بوك»!

حتى فى لحظات قُرب النهاية النووية لن يترك الناس داء التصوير بكاميرا الموبايل! ورغم انقطاع الاتصالات فى تلك المنطقة بسبب الانفجار، إلا أن «جاكوبسون» اختارت أن يعمل تليفون المزارع عبر اتصالات الأقمار الصناعية. وتبدأ تلك الصور والفيديوهات تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعى عن سحابة عيش الغراب التى تتصاعد بسبب ضربة نووية لمفاعل فى منطقة تقع على مسافة متساوية من «سان فرانسيسكو» و«لوس أنجلوس»، وهما اثنتان من أكثر الولايات الأمريكية اكتظاظاً بالسكان.

وتنتشر فيديوهات المزارع الأمريكى فى فضاء العالم الرقمى عبر وسائل التواصل ليشاهدها الناس فى جميع أنحاء الأرض، ليتحول الحدث الرهيب إلى «هاشتاج» من نوعية: #الحرب-النووية، #هرمجدون، #نهاية العالم. وفى توقيت واحد، يهرع عشرات الملايين من الأمريكان إلى هواتفهم المحمولة ليدخلوا على منصات التواصل الاجتماعى كى يشاهدوا بأنفسهم فيديوهات المزارع المحتضر، لا أحد يُمكنه تصديق ما حدث حتى وهو يراه بعينيه.

ثم تبدأ وسائل التواصل الاجتماعى بدورها فى الانهيار والتوقف بسبب ذلك الضغط.

رأت «جاكوبسون» أن منصة «إكس» ستكون أول منصة تنهار فى ذلك الموقف، فمع وجود مقر رئيسى للبيانات فى المنصة فى منطقة «ساكرامنتو» بولاية كاليفورنيا، ومع سقوط شبكة الطاقة والكهرباء فيها بسبب الانفجار النووى، تنهار الأنظمة الاحتياطية وأنظمة الدعم مع دخول ما يقرب من 150 مليون مستخدم فى وقت واحد تقريباً بحثاً عن تطورات الحدث، لتتوقف منصة «إكس» أخيراً، وهذه المرة إلى الأبد، عن العمل.

كل هذا يحدث خلال 25 دقيقة من انطلاق الصاروخ الكورى الشمالى الأول، الذى ما زالت أمامه 8 دقائق قبل أن يصل إلى هدفه فى العاصمة «واشنطن».

ولأن «البيت الأبيض» هو أحد الأهداف المحتملة لذلك الصاروخ المشئوم، تسارع قوات الحماية الخاصة بالرئيس الأمريكى إلى نقله من الغرفة المحصّنة فيه إلى مكان آمن آخر، بواسطة الهليكوبتر الرئاسية «مارين وان»، دون أى ضمانات لنجاة الطائرة من موجة التضاغط التى ستنشأ عن الانفجار النووى الثانى المرتقب فى «واشنطن»، وهو ما سيجعل التواصل مع الرئيس الأمريكى فى الدقائق القادمة أمراً شبه مستحيل.

وأكثر من يحتاج إلى الاتصال بالرئيس الأمريكى فى هذه اللحظات فى سيناريو «جاكوبسون» هو الرئيس الروسى الذى يجلس مع مساعديه يتابع بدوره الفيديوهات التى انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعى قبل انهيار منصة «إكس»، عن ضرب الغرب الأمريكى بقنبلة نووية.

الآن يخشى الرئيس الروسى أن تتصور أمريكا أن روسيا هى التى تقف وراء هذه الضربة النووية.

لكن هذه قصة أخرى.


مواضيع متعلقة