جنين تؤرق إسرائيل.. من هنا يندلع «النضال»
جنين تؤرق إسرائيل.. من هنا يندلع «النضال»
تحقيق - محمد علي حسن وماريان سعيد:
على امتداد 518 كيلومتراً مربعاً تتربع مدينة جنين فى شمال الضفة الغربية، لتمثل ملحمة من ملاحم فلسطين، وتبقى رمزاً للمقاومة والصمود الفلسطينى على مدار التاريخ عبر محطات متلاحقة من الاحتلال والصراع، برزت جنين كإحدى أكثر المدن الفلسطينية ارتباطاً بالفعل الوطنى، وواحدة من أبرز معاقل النضال ضد محاولات الإخضاع والتهجير، فقد قاومت جنين منذ العهد العثمانى، ووقفت فى وجه نابليون بونابرت، ودافعت عن نفسها عام 1948 حين سقطت مدن فلسطينية عديدة، بينما صمدت جنين وأهلها، وعلى مرّ العقود لم تتوقف المدينة عن تقديم الشهداء والمقاومين، وكانت دوماً بؤرة إشعاع نضالى امتد أثرها إلى كل الجغرافيا الفلسطينية، ومن مخيم جنين إلى بلداتها المحيطة كقباطية وعرابة ويعبد، تشكلت معادلة خاصة من الصمود الشعبى والحضور العسكرى، جعلت من المدينة عقدة أمنية للاحتلال الإسرائيلى، ومرتكزاً للروح الوطنية الفلسطينية، من انتفاضات الداخل إلى تشكيل الكتائب المسلحة الحديثة.
«شكل المدينة تغيّر بشكل كبير جداً»، يقول الدكتور نزار نزال، المحلل السياسى الفلسطينى من مدينة جنين، وهو يسرد تاريخاً طويلاً من المقاومة، إذ كانت جنين دائماً فى موقع المواجهة، فهى من قاتلت الاحتلال عام 1948، وأهاليها هم من منعوا سقوط المدينة فى ذلك العام، وهى المدينة التى وقفت فى وجه نابليون بونابرت، ومنعته من دخولها، لهذا كله، تشكّل جنين عقدة أمنية لإسرائيل.
ويتابع «نزال» فى حديثه لـ«الوطن» قائلاً: جنين كان لها أثر كبير جداً فى الحالة الوطنية الفلسطينية، ونقلت ما يمكن تسميته بـ«العدوى النضالية» إلى باقى الجغرافيا، حتى رام الله وصلها مقاتلون من جنين، وبلغ التأثير مدينة بيت لحم، حيث نُفذت عمليات هناك من قبل فلسطينيين خرجوا من جنين أو من بلداتها القريبة، متابعاً: حتى القدس نفسها لم تكن بعيدة عن هذا التأثير، فقد وقعت فيها عدة عمليات نفّذها مقاومون من بلدة قباطية القريبة من جنين، من بينها عملية باب العمود، وبالتالى جنين لم تكن مجرد نقطة جغرافية، بل كانت بؤرة اشتعال انتقلت منها الشرارة إلى الضفة الغربية بأكملها.
عز الدين القسام، ومحمود نزال، وخالد نزال، وخطاب أبوالرب، كلها أسماء كانت شوكة فى ظهر الاحتلال وكلها من أبناء جنين، يستعرض «نزال» الأسماء وهو يعود بالتاريخ للوراء ليقف عند معركة 2002، إذ خاضت معركة شرسة فى المخيم، استُشهد خلالها أكثر من 600 فلسطينى، ودُمّرت أجزاء وأحياء كاملة من المدينة.
وخلال سرده التاريخى يحكى عن تغيرات كبيرة طرأت بين ما حدث فى عام 2002، وما يجرى اليوم، فى عام 2002 كان من يقاتل جيش الاحتلال هم عناصر من الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، وكانت المعركة فى تلك الفترة طويلة وشرسة، وسقط خلالها أكثر من ستين جندياً إسرائيلياً فى مناطق متعددة: جنين، ومخيم جنين، وقباطية، ويعبد، وعرابة، وكفردان، وأسيلة الحارثية، واليامون، وكلها بلدات ومناطق مجاورة للمدينة، ويتابع: فى تلك المرحلة كان هناك قرار سياسى واضح بالمواجهة، وكان الرئيس الراحل ياسر عرفات يتولى قيادة السلطة الفلسطينية، وكان هو من يقف خلف قرار القتال ضد الاحتلال.
وفى مقارنة سريعة للماضى والحاضر يقول: اليوم، الوضع مختلف تماماً، المقاتلون فى الماضى هم شبان صغار فى السن، ينتمون لحركة الجهاد الإسلامى، وهم مؤدلجون، وليسوا علمانيين، وقد شكّلوا ما يُعرف بـ«كتيبة جنين»، التى انتشرت بشكل واسع جداً فى الجبال، وفى الكهوف، فى الأودية، وفى الشوارع، والأزقة، وكان عدد أفرادها كبيراً، وانتشارهم لم يكن محصوراً فى منطقة واحدة، بل امتد إلى مختلف مناطق جنين، وهذا يختلف تماماً عما كان عليه الحال فى عام 2002، إذ كان تمركز المقاتلين فى مخيم جنين كنقطة مركزية للمواجهة، أما اليوم، فالمقاتلون والمقاومون هم شبان صغار، مؤمنون بقضيتهم، لا يستسلمون بسهولة، ومنـتشرون فى كافة أرجاء جغرافيا جنين، وهذا هو الفارق الأساسى بين مشهد عام 2002، وما نراه اليوم بعد تشكيل كتيبة جنين التابعة للجهاد الإسلامى فى عام 2023».
وبنبرة حزينة يتحدث عن العملية العسكرية المنطلقة فى 19 يناير الماضى، وما زالت مستمرة حتى هذه اللحظة، إذ تم إفراغ المخيم بالكامل من سكانه، المخيم الذى يسكنه نحو ثلاثين ألف لاجئ فلسطينى، يصف نزال الأمر لـ«الوطن» قائلاً: تغيّر وجه المخيم، تبدّلت هندسته الجغرافية، توسّع الخراب، ودُمّر أكثر من أربعمائة منزل بشكل كامل، ولا تزال إسرائيل تفرض سيطرتها على المخيم، وتمنع سكانه من العودة إليه، ويتابع: المدينة نفسها لها نصيبها من الاجتياح، يتابع نزال بنبرة حزينة قائلاً: البنية التحتية فى مدينة جنين دُمّرت بشكل كبير، وتم الاعتداء على المستشفيات والمدارس، وعلى المرافق العامة بشكل هستيرى، وهُدم العديد من المنازل، واعتُقل آلاف من المواطنين، فيما سقط مئات بين شهيد وجريح، وسط حضور دائم للجيش الإسرائيلى فى جنين، وفى أطرافها، وفى التجمعات السكانية القريبة منها، فأصبح فى جنين عمليات تفجير منازل، واعتقالات، وقتل شبه روتينية.
ومن السرد التاريخى يتجول نزال جغرافياً فى خريطة جنين الخضراء، والتى تصل مساحتها إلى 518 كيلومتراً مربعاً، أى مرة ونصف من مساحة قطاع غزة، يشير نزال فى حديثه إلى «قباطية»، التى لها تاريخ طويل فى النضال الوطنى، ويبلغ عدد سكانها نحو 40 إلى 45 ألف نسمة، تم تدمير معظم شوارعها، والاعتداء على معالمها والبنية التحتية فيها، ويتجه بحديثه للغرب قليلاً مسلطاً الضوء على بلدة عَبَّدة، التى تشهد إطلاق رصاص حى من يوم لآخر، ورغم كل شىء فالعملية العسكرية الإسرائيلية ما زالت مستمرة حتى هذه اللحظة، ولا أحد يعرف إلى متى، ولا ما هى الأهداف الحقيقية التى وضعتها إسرائيل لنفسها فى جنين.
أما الأقسى فى وجهة نظره فهو ما طال المقاومة، إذ إن المقاومة اليوم فى جنين جرى استهداف كافة كوادر كتيبة جنين، والمقاتلين والمناضلين الذين كانوا ينتشرون فى المدينة، والمخيم، والبلدات المجاورة، ولكنه يتابع: بنبرة مليئة بالتحدى: «هى موجات.. هكذا اعتادت جنين، فالمدينة وسكانها دوماً يشكّلون حاضنة شعبية للمقاتلين الفلسطينيين، هذه الحاضنة كانت دائماً جزءاً من نسيج المدينة، وإسرائيل تدرك ذلك جيداً، لذا سعت هذه المرة إلى ضربها بقوة غير مسبوقة».
ويتابع أن الموجة الأخيرة تسببت فى تدمير أكثر من 400 منزل، وجرى تهجير سكان المخيم بالكامل، بل امتد التهجير أيضاً ليشمل سكاناً من الحى الشرقى فى مدينة جنين، ورغم كل هذا، ورغم ما تعرضت له المدينة من ألم ووجع وحزن وتدمير، لم تتغيّر طبيعة تعاطى الحاضنة الشعبية مع المقاتلين الفلسطينيين، الذين ما زالوا يوجدون داخل جغرافيا المدينة، متابعاً بفخر: هذه الحاضنة، برغم الجراح، ما زالت قائمة، حيّة، تتفاعل مع المقاتلين والمحرّضين على القتال، بشكل يوصف -ربما- بأنه غامض ولافت فى آنٍ معاً، ولا أعتقد أن هذه الحاضنة ستتغيّر، لا بفعل الاستهدافات العسكرية، ولا بسبب الدمار الممنهج الذى تُنزلُه إسرائيل بجغرافيا جنين وتجمّعاتها السكانية.
ولا يقف تأثير جنين وأهميتها عند هذه النقطة، إذ يشير نزال إلى أن مناطق مثل شمال الضفة، مثل نابلس، وقلقيلية، وطولكرم، وطوباس، تأثرت بجنين بشكل كبير جداً، فقد كانت جنين هى المركز، والنقطة التى انطلق منها المقاتلون نحو هذه المناطق، فى البداية، لم تكن هناك مجاميع مقاتلة فلسطينية منظمة فى تلك المدن، لكن بعد تشكيل الكتائب الأولى فى جنين بدأت الحالة تنتشر، وتتوسع، وتصل إلى المدن الأخرى.