«أنس» في مصر: أهلى مش لاقيين رغيف الخبز بقطاع غزة
«أنس» في مصر: أهلى مش لاقيين رغيف الخبز بقطاع غزة
«يما خبزتوا اليوم؟»، سؤال بسيط يكرّره أنس النجار، 30 عاماً، فى كل مكالمة مع والدته التى تعيش تحت قصف الصواريخ وشبح المجاعة فى إحدى الخيام بخان يونس جنوب قطاع غزة، إلاّ أنّ الرد الذى أصبح معتاداً فى كل مرة يأتيه بصوت منهك: «لا يما، اليوم ما لقيناش طحين، أبوك دوّر كل السوق ورجع فاضى».
يخفت صوت الشاب الثلاثينى، قبل أن يعدها بالبحث عن الدقيق وتوفيره ولو بكمية يسيرة، يقول «أنس» الذى لجأ إلى مصر برفقة زوجته وأسرته الصغيرة المكونة من طفلين بعد أشهر قليلة من العدوان، إنه على الرغم من استقراره فى القاهرة إلاّ أنّ نجاته ما زالت منقوصة ومكسورة، كما يصفها: «أنا هنا بجسدى فقط ولكن كل تفاصيل حياتى مربوطة هناك فى الخيمة، وفى وجه أمى المرهق، وفى نظرات أبوى وإخوتى اللى فقدوا وزنهم من قلة الأكل».
يصف «أنس» المعاناة التى يعيشها أهالى القطاع بأنها مركبة: «فى البداية كانت المشكلة فى توفير المال لشراء الطحين أو أى نوع من الطعام، والآن أرسل لهم أكثر من نصف دخلى الشهرى، لكن حالياً حتى لو فيه فلوس، مافى شىء فى الأسواق ينباع أصلاً، المواد الغذائية خلاص خلصت وما فيش منتجات جديدة بتدخل البلد والأسعار جنونية لأى شىء معروض». يتابع «أنس»: «فيه ناس لما تبعت مصروف لأهلها بترتاح، لكن أنا بيزيد همى، لأنى عارف إنه حتى المبلغ هذا مش كافى، والناس بتموت على كيس رز، يعنى حتى المساعدة بقت شكل من أشكال العجز».
يقول الشاب الثلاثينى إنه اضطر للاستغناء عن الأشياء غير الضرورية: «بخجل من حالى لما باكل أكلة بحبها أو أشرب مياه نظيفة وأنا عارف إن أهلى فى غزة مش لاقيين رغيف الخبز، وأصبحت أتنازل عن الرفاهيات، وهذا لسببين، الأول أن أهلى أولى بهذه الفلوس، وثانياً مراعاة لحجم الكارثة اللى يعيشها أهل غزة، يعنى الواحد كيف بده يطلع ويتبسط وأبوه وأمه واخواته هناك مش ضامنين حياتهم لساعة كمان». يصمت «أنس» للحظة، ثم يُكمل: «الناس بتحسب إنه اللى طلع ارتاح، بس الغربة فى ظروف زى هاى بتصير سجن روحى، انت بتعيش بعين وبتبكى بالعين التانية، بتاكل رغيف، وتحسه طعمه دم».
يحكى «أنس» أنّ أصعب ما يعيشه ليس الجوع أو التقشف، بل السؤال الذى يُلاحقه: «ماذا سيبقى من هؤلاء الأطفال إن نجوا من الجوع؟»، ويقول «أنس»: «أطفالى عاشوا أشهر قليلة بالحرب، ولسه لليوم متذكرين لما كنا نازحين بالخيمة، كيف كنا نمشى ساعات عشان نجيب ميه، وكيف كنا نكسر خشب علشان نولع النار ونطبخ، رغم إنى كنت بحاول أهوّن عليهم، بس المواقف ما بتنمسح من الذاكرة».