جامعة القدس: الاحتلال يسعى لفرض هوية مزوّرة على مدينة الخليل

كتب: ماريان سعيد

  جامعة القدس: الاحتلال يسعى لفرض هوية مزوّرة على مدينة الخليل

جامعة القدس: الاحتلال يسعى لفرض هوية مزوّرة على مدينة الخليل

تحقيق - محمد علي حسن وماريان سعيد

الوجود الاستيطانى فى مدينة الخليل ليس كثيفاً فقط، بل يحمل سمات السيطرة المطلقة، فالمستوطنون منتشرون فى قلب البلدة القديمة، ولا يترددون فى ممارسة أشكال العنف اليومى ضد الأهالى، تحت غطاء الحماية العسكرية، باتت المدينة مقسّمة بحواجز حديدية وأسلاك وأسوار أسمنتية، تفصل الفلسطينى عن جاره.

يقول الدكتور نعمان عمرو، مدير فرع الخليل بجامعة القدس المفتوحة، نحن لا نواجه مجرد احتلال عسكرى، بل نعيش فى ظل استعمار استيطانى إحلالى، يتجاوز فى أهدافه مسألة السيطرة على الأرض، إلى مسعى ممنهج لإفراغ الأرض من سكانها الأصليين، وإحلال مجموعات استيطانية مكانهم بشكل دائم ومخطط، عبر مواجهات تاريخية تمتد لأكثر من سبعة قرون: «هذا النمط من الاستعمار له أدوات متعددة تُستخدم لتنفيذ سياساته، فالأمر ليس مجرد نظرية ولا افتراضية، بل نراها تتجسد أمام أعيننا يومياً، ونلمسها فى تفاصيل الحياة داخل مدينة الخليل، تماماً كما نراها فى مدينة القدس».

فى «الخليل»، لا تُطبق سياسات الاحتلال من بعيد، بل تُمارَس من داخل المدينة، فى قلب شوارعها وأزقتها القديمة، يقول «عمرو»، فى تصريحه لـ«الوطن»: «منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، الذى شمل أيضاً قطاع غزة والقدس وأجزاء من سيناء والجولان، كان التركيز واضحاً على تكثيف البنية الاستيطانية فى الضفة الغربية وقطاع غزة على وجه الخصوص، إذ كانت مدينة الخليل من أولى المدن التى استُهدفت بهذا المشروع الاستيطانى، حيث أُقيمت فيها أولى المستوطنات، مثل مستوطنة كريات أربع».

وأشار إلى أن هذا التوجه الاستيطانى فى «الخليل» ليس عشوائياً، بل يستند إلى سرديات دينية يروّج لها الفكر الصهيونى، الذى يعتبر «الخليل» مدينة مقدسة لا تقل أهمية عن مدينة القدس، بل يُنظر إليها كموقع مركزى فى الرواية التوراتية، ولذلك، كانت «الخليل» من المدن التى جُرّت إلى هذا المشروع الاستيطانى، واستُهدفت من قبَل أولى المجموعات الاستيطانية التى حملت معها هذا الفكر منذ اللحظات الأولى للاحتلال، لافتاً إلى الانتهاكات التى تحدث تحت حماية جيش الاحتلال الذى لا يتورع عن توفير الحماية الكاملة للمستوطنين، حتى وهم يقتحمون الأسواق التاريخية المغلقة، أو يعتدون على سكانها الأصليين.

ويتابع: «المدينة مقسّمة بحواجز حديدية وأسلاك وأسوار أسمنتية، تفصل الفلسطينى عن جاره، والمواطن عن مكان عمله أو مدرسته أو حتى منزله، فى مشهد لا يشبه سوى نماذج الفصل العنصرى فى أسوأ أشكالها التاريخية، لكن الأكثر خطورة هو هذا النوع من الاحتلال الذى يُحاول نزع الإنسان من المكان، لا فقط إخراجه منه، الاحتلال لا يطرد فقط، بل يزرع مكان الإنسان الأصلى غريباً لا ينتمى للمكان، ويخلق واقعاً جديداً بالقوة، يصعب على التاريخ استيعابه، وعلى الضمير الإنسانى تبريره».

ويشير إلى أن المنظومة المترابطة من المستوطنات، والطرق الالتفافية، والجدار، لعبت دوراً محورياً فى تقسيم «الخليل»، وعزل أجزائها عن بعضها البعض، وفرض واقع أمنى وعسكرى معقّد، كما أدى ذلك إلى فرض قيود قاسية على حركة الفلسطينيين، خاصة فى مركز المدينة، حيث خُصصت بعض الطرق للمستوطنين فقط، ما أسفر عن عزل أحياء بأكملها، وعزز هذا الواقع بفعل التقسيم الذى فرضته اتفاقيات أوسلو عام 1996، والمعروف بتقسيم H1 وH2، حيث تشكل منطقة H2، الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة، حاجزاً يحرم أكثر من 40 ألف فلسطينى من حرية الحركة والعيش الكريم، ولا يمكن فهم هذا الواقع دون الإشارة إلى المجزرة التى ارتُكبت فى الحرم الإبراهيمى الشريف، التى سبقت اتفاق أوسلو، وكانت لها تداعيات خطيرة على المستويين الاجتماعى والاقتصادى، فقد أُغلق مركز المدينة أمام سكانه، وتم طرد عدد كبير منهم، وأُغلق أكثر من 418 محلاً تجارياً، كما حُوصرت المنطقة الجنوبية من المدينة، المعروفة اليوم بمنطقة H2، وتم فرض قيود صارمة على الحرم الإبراهيمى، وصلت إلى حد تقسيمه زمانياً ومكانياً، ما قيّد حرية العبادة لدى الفلسطينيين بشكل كبير.

ويرى «عمرو» أن «الخليل» تُشكّل حالة متقدمة من هذا المشروع الاستيطانى الإحلالى، وتُستخدم كمختبر لسياسات قد تُعمّم لاحقاً على مناطق أخرى فى الضفة الغربية، وما نراه اليوم من تقسيم للمدينة إلى منطقتين (H1 وH2)، وما يحمله هذا التقسيم من تداعيات أمنية وحياتية، يُعد من أوضح تجليات هذه الرؤية الاحتلالية التى لا تستهدف فقط الأرض، بل الوجود الفلسطينى ككل؛ ثقافته، ومؤسساته، ومدارسه، وحتى ذاكرته، كأنها مشروع استعمارى تحت التجربة، حيث يتم تطبيق أدق وأخطر خطط الاحتلال من خلال تقسيم جغرافى قسرى، ووجود استيطانى مكثف فى قلب المدينة، وجيش لا يترك زقاقاً ولا حياً إلا وزرع فيه حاجزاً أو نقطة تفتيش.

«ليس غريباً أن نقول إن الاحتلال يحاول إعادة إنتاج نمط الأبارتهايد (الفصل العنصرى بجنوب أفريقيا) داخل الخليل»، قالها «عمرو»، متابعاً: «نعيش اليوم واقعاً مريراً، نُمنع فيه من الحركة فى شوارعنا، نُفصل فيه عن بيوتنا، يُقسم الحى الواحد إلى منطقتين؛ واحدة للفلسطينيين وأخرى للمستوطنين، بل أصبح الفلسطينيون فى الخليل يُعاملون كمواطنين من الدرجة الثالثة أو الرابعة، محرومين من أبسط الحقوق، وهى حق الصلاة بحرية، وحق الوصول إلى المدارس، وحق التنقل داخل مدينتهم، وما يزيد من قسوة هذا الواقع أن الاحتلال لا يُخفى نواياه، بل يفاخر بها، ويُصدر القرارات بتهويد المدينة دون تردد».

ويؤكد أن هذا الواقع خلق واقعاً ديموجرافياً جديداً بعد التهجير القسرى لعدد من السكان، إلى جانب إبعاد فئة الأزواج الشباب، ما أعاق النمو الطبيعى للمجتمع فى مجالات البناء والخدمات، ومع استمرار التوسع الاستيطانى، والاستيلاء على مزيد من الأراضى، فإن النسبة التى تمت السيطرة عليها داخل مدينة الخليل باتت تتجاوز 18% من المساحة الإجمالية، إذ بدأت محاولات تغيير معالم مدينة الخليل بشكل واضح، حيث أصبحت المدينة أكثر تشبهاً بالنمط الغربى، ليس فقط من حيث البنية التحتية والشكل، بل أيضاً من حيث الطابع العام الذى تغيّر بفعل الاستيطان المتزايد، وهذه التغييرات التى نراها تُعتبر جزءاً من محاولة تهويد المدينة، وهو ما يفسر عمليات الاستيطان المستمرة التى تهدف إلى تغيير معالم الأراضى الفلسطينية بشكل تدريجى، متابعاً أن الهدف الرئيسى وراء هذه السياسات الاستيطانية هو الإحلال السكانى، أى اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وإحلال مستوطنين يهود مكانهم للسيطرة على الأراضى الفلسطينية، خاصة فى مدينة الخليل، وإذا نظرنا إلى هذه الممارسات من زاوية قانونية، نرى أنها تتناقض تماماً مع اتفاقية جنيف الرابعة، وتحديداً مع المادة 49 التى تحظر نقل السكان المدنيين من مناطقهم أو تجميعهم فى أماكن معزولة تحت الاحتلال. وبالتالى، فإن هذه الممارسات تعتبر انتهاكاً صارخاً للحقوق التى تكفلها هذه الاتفاقية.

ولفت «عمرو» إلى قرار الحكومة الإسرائيلية بإنشاء مجلس إدارة استيطانى خاص فى قلب «الخليل»، وهو القرار الذى يعتبره الأكاديمى الفلسطينى قراراً كولونيالياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إذ كيف يمكن للاحتلال أن يمنح أقلية عنصرية، مسلحة ومتطرفة، السلطة على مدينة عربية فلسطينية، أهلها يعيشون فيها منذ مئات السنين؟ ويؤكد أن ما يحدث فى الخليل هو تكرار لتجارب استعمارية قديمة بثوب جديد، والاحتلال يُحاول شرعنة الاستيطان، ويمنحه غطاءً قانونياً، عبر المحكمة العليا تارة، أو عبر الكنيست تارة أخرى، لكن خلف كل هذا، هناك حقيقة دامغة واحدة: هناك ظلم واضح، وهناك محاولة لإلغاء الوجود الفلسطينى من قلب المدينة.

أما عن الأوضاع بـ«الخليل» فى أعقاب اندلاع «طوفان الأقصى»، أكتوبر عام 2023، فيقول: «كل شبر فى فلسطين باتت الأمور فيه أسوأ، إذ توحش الاحتلال أكثر، وللأسف فإن جزءاً كبيراً من المجتمع الدولى لا يرى هذا الواقع على حقيقته، أو ربما يراه، لكنه يتواطأ بالصمت أو بالتبرير، مع أن القوانين الدولية واضحة، فلا يجوز لقوة احتلال أن تنقل السكان المدنيين إلى الأراضى المحتلة، ولا يجوز لها أن تُغير من طابع المدينة، فالخليل اليوم تصرخ وتُعانى بصمت، وأهلها صامدون رغم كل شىء، فالطالب يمر عبر حاجز للوصول إلى جامعته، والتاجر يُفتش كل صباح قبل أن يفتح متجره، الأم تُمسك بيد أطفالها وتمر من بين جنود مدججين بالسلاح لتأخذهم إلى المدرسة، هذا هو واقع (الخليل) اليوم وهو ليس واقعاً استثنائياً، بل حياة كاملة يومية تحت القيود والرعب والتهديد».


مواضيع متعلقة