رئيس جامعة الزيتونة: مدينة الخليل على خارطة التهويد الإسرائيلية

كتب: ماريان سعيد

رئيس جامعة الزيتونة: مدينة الخليل على خارطة التهويد الإسرائيلية

رئيس جامعة الزيتونة: مدينة الخليل على خارطة التهويد الإسرائيلية

تحقيق - محمد علي حسن وماريان سعيد

الخليل، كُبرى مدن الضفة الغربية، ليست مجرد مساحة مأهولة بالسكان، بل قلب نابض من التاريخ الفلسطينى، وواحدة من أقدم مدن الأرض، تضم فى جوفها «الحرم الإبراهيمى الشريف»، حيث يرقد سيدنا إبراهيم الخليل وزوجته سارة، ومعهما مقامات لأنبياء آخرين، جعلت من المدينة قِبلة روحية وتاريخية، لكن واقعها الجديد حولها من أن تكون فقط مدينة الأنبياء، إلى أن تكون مدينة الاقتصاد المقاوم، التى تقوم على أعمدة التجارة والصناعة، وتُعرف بورشها، ومصانعها، وسوقها المركزى الذى كان، حتى وقت قريب، يعج بالحياة والبضائع والحركة.

تاريخ طويل تحمله المدينة بين أروقتها، يقول الدكتور وليد الزعترى، رئيس جامعة الزيتونة للعلوم والتكنولوجيا، ورئيس بلدية الخليل السابق، إن المدينة وضعت على خارطة التهويد الإسرائيلية منذ عام 1967، لا باعتبارها مجرد أرض، بل باعتبارها هدفاً استراتيجياً لإعادة رسم الوعى والتاريخ والهوية، وأشار إلى أن الاحتلال بدأ فى طمس هوية المدينة بمصادرة البيوت، والاستيلاء على المحال التجارية، وإغلاق سوق الخضار المركزى، ليتحول من قلب نابض للمدينة إلى ثكنة استيطانية محصنة، ودخل المستوطنون إلى البلدة القديمة، وسكنوا فى قلب الذاكرة، وشيئاً فشيئاً، تحوّلت حياة الفلسطينيين هناك إلى «جحيم يومى»، حيث ينهشهم الاحتلال من الداخل، لا فقط بالجنود، بل بجيرانٍ مسلحين يضيقون الخناق فى كل خطوة، ويحاولون طرد الإنسان من مدينته دون أن يتركها جسدياً.

وتابع: حين أراد الاحتلال أن يُفرغ البلدة القديمة من أهلها، كانت الخطة واضحة أن يحوّلها إلى مدينة أشباح، فى الجهة المقابلة، لم تقف الخليل صامتة، إذ أنشأت السلطة الفلسطينية لجنة خاصة حملت اسماً يعادل مهمتها «لجنة إعمار البلدة القديمة»، لا لتُرمم الحجارة فقط، بل لترمم الانتماء، وبدأت اللجنة مشروعاً من نور وسط العتمة بدأت بترميم بيوت، وإعادة الحياة إلى محال تجارية خنقتها البوابات العسكرية، وترميم الأزقة الضيقة التى مرّت فوقها سنين من العزلة والمطاردة، ليصبح الإعمار فعل مقاومة، لا مشروعاً هندسياً فحسب.

واسترجع «زعترى» لحظة مفصلية فى تاريخ المدينة، كانت فيها البلدة القديمة بالخليل تقاوم وحدها شبح التهويد، ليأتى قرار من رجلٍ لا يُؤمن بأن العواصم تُهدى، بل تُنتزع، وهو الرئيس الشهيد ياسر عرفات، الذى أصدر قراراً واضحاً وصريحاً بإعفاء سكان البلدة القديمة من أثمان المياه والكهرباء، إذ لم يكن القرار مجرد تخفيف لعبء اقتصادى، بل كان إعلاناً بأن الدولة تقف خلف أهل الخليل، تماماً كما يقف الجندى خلف سلاحه، فكل قطرة ماء تصل لتلك البيوت، وكل لمبة تضىء زقاقاً مهجوراً، كانت بمثابة موقف سياسى فى وجه مشروع الاحتلال، ليتحول البقاء فى البلدة القديمة إلى فعل مدعوم، ومقاومة يومية تحظى بإسناد رسمى للحد من التوسع الاستيطانى، ولحماية ما تبقى من هوية المدينة وسورها الحى.

ولكن الاحتلال ظل يحيك مخططاته المجرمة ضد الخليل، ويتحول صوت «الزعترى» للحزن وهو يحكى عن الحدث الأكثر ألماً، فى فجر عام 1994، حين تسلّل المستوطن الإرهابى باروخ جولدشتاين، إلى الحرم الإبراهيمى الشريف، وأطلق رصاصه على المصلين وهم سُجود فى واحدة من أبشع المجازر فى تاريخ فلسطين، التى راح ضحيتها، 29 شهيداً و150 جريحاً كانت حصيلة المجزرة، لكن العالم لم يُدن القاتل بل عوقب الفلسطينيون بقرار عسكرى إسرائيلى عن تقسيم الحرم الإبراهيمى، جزء يُدار من قبل الأوقاف الإسلامية، وجزء آخر «تحوّل إلى كنيسٍ يهودى تحت سيطرة المستوطنين»، ذلك لم يكن «تنظيماً»، بل شرعنة لمجزرة، وتقنين لسطو دينى وتاريخى لم يتوقف، ويتابع: واليوم، وبعد أكثر من 3 عقود تتوالى الضربات، إذ أصدر الاحتلال قراراً جديداً يقضى بنقل إدارة الحرم بالكامل إلى مستوطنى مستوطنة «كريات أربع»، مقصياً بلدية الخليل، ومهمّشاً الأوقاف، ليُحول واحداً من أقدس مقامات المسلمين إلى ثكنة تلمودية محروسة بالسلاح.

وأكمل: «لم يكن الحرم الإبراهيمى وحده الممزق لنصفين، بل الخليل كلها، إذ إن بعد اتفاقية أوسلو، قُسمت المدينة الجزء الأول، H1 يخضع إدارياً وأمنياً للسلطة الوطنية الفلسطينية، ويمتد على معظم مساحة المدينة، يضج بالأسواق والمدارس والمنازل، حيث الحياة تنبض رغم الألم، والجزء الثانى، H2 ويقع فى قلب المدينة القديمة، حيث الحرم الإبراهيمى تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة، إذ يسكن نحو 800 مستوطن تحت حماية أكثر من 1500 جندى إسرائيلى، بينما يُمنع عشرات الآلاف من الفلسطينيين من التنقل بحرية فى شوارعهم، ويُغلق أكثر من 1800 محل تجارى بقرار عسكرى».

وبنبرة جادة يتابع قائلاً: الاحتلال فى الخليل لا يُقاتل بالسلاح فقط، بل يخوض حرباً طويلة على الهوية والمعنى والتاريخ، يريد أن يُعيد كتابة المدينة، لا كما هى، بل كما يتخيّلها: بلا عرب، بلا مآذن، بلا حكايات فلسطينية، فلم يسلم من محاولات الطمس، رغم كونه موقعاً مصنفاً على قائمة اليونيسكو للتراث العالمى المُهدد بالخطر، لكن الاحتلال، كعادته، لا يحترم عهداً ولا توقيعاً، فبدأ تدريجياً بتغيير المعالم، وتزوير اللافتات، وفرض أسماء عبرية على الأماكن المقدسة، حتى بدا وكأنه لا يكتفى بسرقة الأرض، بل يريد مصادرة الذاكرة.

ويعود رئيس البلدية السابق للحديث عن خصوصية الخليل قائلاً: ليست الخليل كباقى مدن فلسطين، إنها «الأكثر تعقيداً، والأشد حصاراً، والأكثر تحدياً للبقاء»، فالاحتلال أحاط المدينة من كل الجهات بكُتل استيطانية خانقة، وزرع الاستيطان فى قلبها النابض، ونشر نقاطاً عسكرية تقطع الجغرافيا، وأكثر من ثلثى أراضى الخليل مصنّفة «ج» أى إنها تقع تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، ليمنع على الفلسطينى أن يبنى، أو يزرع، أو يتوسّع، لكن ما لا يدركه المحتل هو أن الحلم لا يُمحى بالجدران، ولا يُدفن بالحواجز، وأن دولة فلسطين المطلب العادل لكل حر داخل الوطن وخارجه، خصوصاً أن فى كثير من الأوقات المواطنين من أهل الخليل والزائرين للحرم الإبراهيمى يتعرضون إلى مضايقات من الجيش الإسرائيلى ومن إجراءات التفتيش وأحياناً منعهم من دخول الحرم للصلاه فى بعض الأوقات بحجج أمنية، بينما يتعمد الاحتلال غض النظر عن ممارسات ومضايقات واستفزازات المستوطنين للمواطنين الفلسطينيين.

ويتابع أن أهل الخليل هم جزء لا يتجزأ من المشروع الوطنى الفلسطينى، والحديث فى إطار تكوين إمارات وغير ذلك، هو أمر لا يقبله أهل الخليل، لكن للأسف ما يمارس من الاحتلال والمستوطنين يؤكد أنهم يسعون لتوسعة الاستيطان ويعملون على مصادرة الأراضى، ونهج سياسات المضايقات على المواطنين أثناء تنقلهم ومرورهم من خلال الحواجز الأمنية فى كافة أرجاء البلاد، وأيضاً التضييق الاقتصادى وغير ذلك، وهذا من شأنه أن يعمل على خلق نمط حياة صعب للمواطن، مما يدفعه للتفكير طوعاً فى مغادرة البلاد، بالطبع هم لا يفهمون شخصية وتفكير المواطن الفلسطينى ومدى تمسكه بأرضه، ولا يمكن أن تتكرر تجربة النزوح الذى حدث سابقاً للفلسطينيين، سيما ونحن نرى ونلاحظ معاناة الفلسطينيين فى مخيمات الشتات، لذلك الوعى كبير لدى المواطنين فى البقاء فى أرضهم ومواجهة التحديات والصعوبات التى يفرضها الاحتلال، من خلال العمل على تعزيز التعليم وتعزيز بناء المؤسسات وتعزيز وحدة المجتمع والتفافه وتضامنه مع بعضه البعض.

ويختتم حديثه، قائلاً: «أهلنا فى الخليل وكافة أرجاء الوطن يواجهون تحديات كبيرة يفرضها الاحتلال علينا، والحرب والتجويع الذى يمارسه الاحتلال على أهلنا فى غزة، ونأمل أن يتوقف العدوان وتنتهى الحرب ويشارك الجميع لمساعدة غزة وإعمارها، وإعادة الحياة الطبيعية إليها كما كانت سابقاً قبل الحرب».

وقال إن على الفلسطينيين لكى تتحقق الوحدة، ممارسة الضغوط على الولايات المتحدة من قبل الدول العربية والإسلامية والاتحاد الأوروبى وكافة الدول الصديقة لدعم إقامة الدولة الفلسطينية، على أساس الشرعية الدولية حتى ينال شعبها حريته وحقه فى العيش بأمن وسلام وكرامة.


مواضيع متعلقة